رئيس الوزراء الأردني يؤكد تعزيز الشراكة مع البنك الأوروبي لدعم مشروعات التنمية    اعمل حسابك في هذا الموعد، انقطاع المياه عن بعض المناطق بالجيزة لمدة 8 ساعات    ترامب يلزم فنزويلا بإنفاق عائدات النفط على المنتجات الأمريكية فقط    كيف تلاعب "عيدروس الزبيدي" بجميع الأطراف باليمن وصولاً إلى إعلان "هروبه"؟    شركة النفط الفنزويلية: محادثات مع إدارة ترامب لتخفيف انتقائي للعقوبات    مؤتمر فليك: هذه الطريقة التي أريد أن نلعب بها.. وغياب لامال ليس للإصابة    مدرب بورنموث: لسوء الحظ سيمينيو خاض آخر مباراة معنا    مصطفى شكشك: أتمنى إتمام الانتقال إلى الأهلي فى يناير    اتحاد الجولف يكتب التاريخ.. إطلاق سلسلة مصر 2026 ب13 بطولة دولية وجوائز 750 ألف دولار    غيبوبة سكر.. أمن القاهرة يكشف ملابسات العثور على جثة مسن بمصر الجديدة    الطفل ريمون توفيق يوضح كواليس مشاركته فى the blind date show    البابا لاون الرابع عشر يفتتح الكونسيستوار الاستثنائي بالفاتيكان    وزيرا خارجيتي السعودية وأمريكا يبحثان تعزيز العلاقات الاستراتيجية والوضع بالمنطقة    الاتحاد الجزائري يكرم مشجع الكونغو المعروف بالتمثال البشرى    البيت الأبيض: ترامب يوجه بالانسحاب من 66 منظمة دولية    مانشستر يونايتد يتعثر أمام بيرنلى فى الدورى الإنجليزى    فحوصات على المخ لبولسونارو بعد حادث سقوط في زنزانته    وزير الإسكان يُعلن طرح حزمة من الفرص الاستثمارية بمدن العبور والعاشر من رمضان وطيبة الجديدة    اتحاد منتجي الدواجن: المخاوف من وصول الأسعار إلى 90 جنيهًا قبل شهر رمضان مبالغ فيها    القصة الكاملة لواقعة رئيس مدينة مع بائع طعمية بقنا    إحالة رؤساء القرى والجمعيات الزراعية بالطريق الزراعي بالقليوبية للتحقيق    الشربيني يكشف موقف تريزيجيه أمام كوت ديفوار.. وسبب تأخر سفر حمدي ل ألمانيا    محمد بركات: خبرة لاعبي منتخب مصر حسمت مواجهة بنين    عضو اتحاد الكرة: تريزيجيه يسابق الزمن للحاق بمواجهة كوت ديفوار    محاكمة مسؤولي اتحاد السباحة بعد وفاة السباح يوسف .. اليوم    محافظ سوهاج ومدير الأمن يختتمان الجولة بتهنئة الأخوة الأقباط بعيد الميلاد    مصرع طفلة رضيعة بمركز طهطا بسوهاج فى ظروف غامضة    رئيس جمعية الرفق بالحيوان بالقاهرة يحذر من تفاقم أزمة الكلاب الضالة ويطالب بحلول عاجلة    صراخ وتجمهر.. التفاصيل الكاملة لمشاجرة بين أهالي مريض وأمن مستشفى كفر شكر    بعد انهيار عقار القناطر الخيرية.. فصل المرافق عن العقار المنهار    كيف تصدى القانون لجريمة التحرش في وسائل النقل؟.. القانون يجيب    "مراد وهبة" فارس معركة العقل في الثقافة العربية الحديثة    مفاجأة بشأن طلاق محمد عبد المنصف لإيمان الزيدي.. تعرف عليها    البيت الأبيض يعلن إعادة ضبط شاملة للسياسة الغذائية الفيدرالية لتعزيز الصحة العامة والوقاية    سلامة الغذاء: منتج حليب الأطفال سما غير مسجل بمصر.. والسحب الاحترازي لمنتجات نستله المتداولة    مصرع سيدة صدمتها سيارة أثناء عبورها للطريق فى عين شمس    الصحة: الخدمة في مراكز علاج الإدمان الحكومية المرخصة مجانية.. وبيانات المرضى سرية    نقابة الصيادلة عن سحب تشغيلات من حليب نستله: المشكلة تكمن في المادة الخام    ضبط سيدة تنصب على المواطنين بدعوى توظيف الأموال    القس أرنست نادي يكتب: صوت من المذود.. كرامة الإنسان وهُويته الأصلية وسط معايير مُغلوطة    بعد وفاة والدته| من هو الفنان وائل علي؟    مدير مستشفى أمراض الباطنة بطب قصر العيني تتابع جاهزية الأقسام خلال إجازة عيد الميلاد المجيد    حمدي قوطة يتقدم بأوراق ترشحه رسميًا فى انتخابات رئاسة حزب الوفد    متحدث الكنيسة القبطية: زيارة الرئيس للكاتدرائية رسالة قوة ووحدة للنسيج المصري    ما حكم أرباح الوديعة البنكية والإنفاق منها على البيت؟ أمين الفتوى يجيب    هل تصح صلاة المغرب بين أذان وإقامة العشاء؟.. أمين الفتوى يُجيب    عبور الوعى إلى تخوم المعرفة    محافظ المنيا يواصل جولاته لتهنئة الأقباط بعيد الميلاد    تحت شعار «صناع الهوية».. وزارة الثقافة تكرم رموز العمل الثقافي في مصر    طريقة عمل البسلة والجزر باللحمة بمذاق رائع    هل يفضل طاعة الوالدين على السفر والعمل؟.. "الإفتاء" تًجيب    اعتراف بالفشل.. التعليم تقرر إعادة امتحان البرمجة للصف الأول الثانوي بعد سقوط منصة كيريو    البديوي السيد: رسائل الرئيس السيسي من الكاتدرائية تؤكد تماسك النسيج الوطني ووحدة الصف    محافظ الغربية يزور كنائس طنطا ويُسعد الأطفال بهدايا الرئيس    تشييع جثمان المطرب ناصر صقر إلى مثواه الأخير    محافظ القليوبية ومدير الأمن يقدمان التهنئة بعيد الميلاد بالكنيسة المطرانية ببنها    خبير اقتصادي يحذر رئيس الوزراء من مبادلة الديون بأصول الدولة    وزارة الأوقاف تحدد خطبة الجمعة بعنوان " قيمة الاحترام" "والتبرع بالدم"    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



المكفراتية يناصبون المكفراتية العداء ويتهمونهم بالخروج عن أصول الدين
نشر في القاهرة يوم 01 - 06 - 2010

ماهوموقع الفكر الإسلامي علي خارطة الثورات العلمية المتجددة،هل واكب هذه الثورات وتأثر بها أم ما زال يتعامل معها بمنهج المقاطعة؟ ماهوالدليل وكيف نتلمسه في أعمال وإنتاج مايسمي ب"المفكرين الإسلاميين الجدد" ؟ وماهوالجديد عندهم ومن ابرز رموزهم؟
ولماذا يرفض هؤلاء المفكرون مصطلح "الإصلاح" ويتمسكون بمصطلح التجديد؟
نقطة البداية هي الإجابة علي السؤال الأخير وتكمن في رفض المفكرين الجدد مصطلح الإصلاح والتمسك بمفهوم التجديد الشامل انطلاقا من مفهوم الإصلاح نفسه، الذي يعتمد ما هوقائم ويحاول إصلاحه، بينما المفكرون الجدد تجاوزوا مفهوم الإصلاح لصالح مفهوم التطوير والتجديد. أي أن المحاولات الفكرية المعاصرة لا تبحث في كيفية تحقيق الإصلاح، باعتباره هدفا مباشرا لطموحها، بل نجدها تنصب علي محاولة فهم الإسلام بهدف صياغة أوإعادة صياغة مشروعه الحضاري بلغة عالمية معاصرة وبمفاهيم علمية معاصرة، وهم يحاولون القيام بنوع من "الغربلة التنويرية" للتراث الإسلامي مثلما فعل مفكروالتنوير في أوروبا،الذين انتقدوا التراث المسيحي وعلاقة الكنيسة بالدولة،ومن اجل تحقيق هذا الغرض اعتمد المفكرون الإسلاميون الجدد مناهج لم تكن مطروقة من قبل فمحمد أركون اعتمد ما أسماه"التطبيقيات الإسلامية"وقام أيضا بدراسات سنية وتاريخية وأنثروبولوجية وحاول المزج بين عدة مناهج طبقها علي التراث العربي الإسلامي. وهي نفس المناهج التي طبقها علماء فرنسا علي تراثهم اللاتيني المسيحي الأوروبي. وأركون تأثر في البداية بريجيس بلاشير المحترف في فقه اللغة (الفللوجيا) وتعلم منه منهجية تحقيق وتدقيق النصوص ومقارعتها ببعضها البعض ودراستها علي الطريقة التاريخية الوضعية.
أما رضوان السيد فقد طرح مجددا فكرة «الفقه الحضاري» وأوضح فيه معني هذا المصطلح لأن ابن خلدون هوأول من تحدث عن الفقه الحضاري في القرن الثامن الهجري، الذي ابتدع علما يدرس به تأزم الحضارة الإسلامية سماه «علم العمران البشري».
والمسلمون في القرن ال19 بمصر وباقي أقطار الدولة العثمانية أحسوا بأن مدنيتهم في حالة تأزم وأن الأوروبيين يسيطرون عليهم فاخترعوا «فقه التمدن».
ومن جهته التفت حسن حنفي منذ بدايات تكوينه الفكري نحوالتراث والفكر الغربي ليتزود منه، ويزود المكتبة العربية بترجمات العديد من الأعمال الأدبية والفلسفية، ويقدم مايسميه البعض "اليسار الإسلامي" أومفهوم الإسلام التقدمي وذلك في مجموعة مبهرة من أعماله، مثل: التراث والتجديد، ومن العقيدة إلي الثورة، والدين والثورة في مصر، ومن النقل إلي الإبداع.
ويهدف حسن حنفي في مشروعه إلي تقديم فكر إسلامي جديد يقارع مالدي الغرب فيقول مثلا"ماذا يعني أن الغرب يتحدث عما بعد الحداثة. فنحن كذلك عندنا خطاب ما بعد الأصولية. ذلك هوالإسلام الليبرالي الذي يقبل التعددية الحزبية والدخول في الانتخابات، وحسب اللعبة الديمقراطية الحديثة (لا إكراه في الدين) وهذا جزء من التيار الإسلامي الذي جدده المعتزلة وابن رشد.
نظرة جديدة
والشاهد أن محاولات التجديد الفكري ذات قيمة بحثية عالية: ليس فقط في العالم العربي، بل علي امتداد رقعة العالم الإسلامي، من تركيا إلي إيران إلي الهند،لدينا حسن حنفي من مصر ،ورضوان السيد من لبنان ،وعبد الكريم سوروش من إيران وفضل الرحمن من باكستان ومحمد أركون من الجزائر وفريد إسحاق من أفريقيا الجنوبية وعبد المجيد شرف من تونس وأمين الخولي ومحمد خلف ونصر حامد أبوزيد من مصر. ولكن هناك كثيرون غيرهم، منهم أشقر علي الخير من الهند أوإبراهيم موسي من الولايات المتحدة أومحمد شحرور من سوريا.
والشاهد أن المفكرين الجدد كرسوا جهودهم علي دراسة الموروث الإسلامي، وتتبع صيرورة الرسالة المحمدية خلال التاريخ، لمعرفة كيف وصل إلينا الإسلام اليوم علي ما هوعليه؟ أي أن مشروعهم يقوم بالأساس علي إعادة قراءة أوإعادة فهم كامل الموروث الإسلامي علي ضوء المعطيات العلمية المعاصرة،وقد أثمرت هذه المحاولات جملة من النتائج المهمة من نوع:
أولا:التأكيد علي مطلب التجديد الشامل كبديل للأطر التوفيقية والإصلاحية كاحتياج ضروري لخروج مجتمعاتنا من حالة التخلف والجمود والعصف بحقوق الإنسان مع تفاقم أزمات المجتمعات العربية والإسلامية بجميع تجلياتها (السياسية والاقتصادية والفكرية والثقافية) بحيث أصبح من المستحيل في ظل التردي الشامل المراهنة علي مستقبل هذه المجتمعات بدون قلق معرفي ،وسعي جاد إلي امتلاك أدوات العصر ففي نظر محمد أركون يمثل أبوحيان التوحيدي إحدي اللحظات الأساسية في تاريخ الفكر الإسلامي والعربي. فالتوحيدي هضم الثقافة الفلسفية السائدة في القرن الرابع الهجري, بما فيها الثقافة الصوفية, بالإضافة إلي براعته في اللغة. ويمكن القول إن أبا حيان التوحيدي كان يتميز بالقلق الابستمولوجي (المعرفي) مما جعله يمر باستمرار من علم إلي آخر. كما لا ينبغي نسيان كذلك شجاعته وجرأته' فقد تجرأ علي كتابة مؤلفه مثالب الوزيرين ضد الصاحب بن عباد وابن العميد الوزيرين المشهورين صاحبا السلطة والسطوة، وكانت شجاعته تكاد أن تكون انتحارية.وهذا مايتحلي به اليوم المفكرون الإسلاميون الجدد.
من الإصلاح إلي التجديد
ثانيا: إن منهج إصلاح الفكر الإسلامي لم يعد يتواءم مع مرحلة الثورات العلمية السريعة التي تحتاج إلي عقل إسلامي جديد ،ولعل مفهوم" الثورة "، أوالثورا ت العلمية، هوما يتأكد كأهم المفاهيم التي تطبع وتواكب وتؤسس للقرن الحادي والعشرين،كما لم يحدث من قبل عبر أي من مراحل التاريخ الإنساني بأسرها، وذلك وفق تتابعية من الثورات الخلاقة التي ما فتئت تهز مجالات المعلوماتية والعلوم البحتة، وعلوم الفضاء، أومعرفة الإنسان بيولوجيا أوسيكولوجيا، وعلاقة الإنسان بالكون ومكانته في هذا الكون. علي أن هذه الثورات قد طالت علوم أخري كان يصعب تصور نقلتها النوعية عبر جدل المعرفة، ومنها العلوم الإنسانية نفسها.
ويلفت النظر هنا ذلك التعتيم المتعمد علي مشاريع التجديد الإسلامي التي تفرضها جماعات أصولية لها برامج سياسية مثل جماعة الإخوان المسلمين في مصر والأردن ،والتي عملت بقصدية واضحة علي
تغييب كلي لنماذج التجديد والتطور التي تتم في بنية هذا الفكر ومناهجه، عن الجدل المعرفي القائم في أوروبا خاصة والغرب بعامة. حيث استمر الحديث عن الإسلام والمسلمين، أوالفكر الإسلامي وكأن كل ذلك يمثل معطيات جامدة لا تتحرك ولا تتطور ، بل إن الفكر الإسلامي يقدم بالأحري بوصفه ينتمي إلي أصولية متعصبة ورجعية. بحيث تم تجاهل كل المنتج الفكري المعاصر، والمجدد الذي يسعي لمناقشة الإسلام من الداخل والبعث بعنفوانه الخلاق.
نقد التاريخ الإسلامي
ثالثا: إن المراقب المتابع لإنتاج المفكرين الإسلاميين الجدد سوف يلاحظ تكاملية البنيان المنهجي الذي يربط بين جملة هذه المحاولات الفكرية، علي اختلاف لغاتها أوانتماءاتها الجغرافية أوالثقافية، فهم يفكرون جميعا، داخل بنية الفكر الإسلامي، وليس من خارجه. وهم يعتمدون علي جملة الموروث الإسلامي ومصادره، أي ليس فقط علي بعض من معطياته، بل الأخذ به في تكاملية أيديولوجية وفكرية وتاريخية واحدة، سواء من ناحية التيارات الفكرية، أوالمعارف الأساسية، من فقه وفلسفة وعلم كلام أوالتصوف والعلوم البحتة.... وهم من ناحية أخري علي علم ومتابعة وتوظيف للعلوم والعلوم الإنسانية في تطوراتها وثوراتها في الغرب المعاصر. . وهذا التكامل نفسه بين هذه المعطيات هوما يؤسس ويؤكد للنهضة الفكرية التجددية الإسلامية الممكنة. فالخطاب الإسلامي نفسه، بالأخذ بكل ذلك، سيشهد تغيرا جذريا في سياقاته وديناميكيته. بحيث لن تستمر مقولة «إن الإسلام قال هذا » ما يحكم منطق الحوار في داخل الفكر الإسلامي، بل بالأحري وجهة نظر كل مسلم وطريقة فهمه الخاصة للنص القرآني هي ما سيأخذ محل المحرك الفعال للصيرورة النهضوية داخل بنية الفكر العربي أوالعقل العربي.
ويلاحظ أيضا أن هدف هذه المحاولات التجديدية ليس تقديم " أرثوذكسية " جديدة بل السعي لتسليط الضوء وبالدرجة الأولي، علي التفسيرات المختلفة التي تمت في الماضي، ووضعها، كما هي، في إطارها التاريخي، بما يمهد لإمكانية فهمها، ثم تحليلها. لأن الإسلام بالنسبة لهؤلاء المجددين، وكما يعبر المفكر الإيراني سوروش "هوبنفسه تاريخ محاولة فهم الإسلام ".
علي العكس يقوم منهج المجددين الإسلاميين بالأساس علي منهج نقدي سواء بالقياس إلي مراجعة الذات والتراث والموروث الحضاري والعلمي والإسلامي، أوبالقياس إلي أدوات ومناهج البحث الموظفة لهذه المهمة، وهم في هذا السياق، علي وعي بأن الأدوات والمفاهيم العلمية والمنهجية في صيرورة مستمرة، ولهذا نجدهم يؤكدون علي ضرورة الأخذ في الاعتبار عدم إعطائها معني أوسلطة نهائية. وأن علي المسلمين أن يكونوا علي حذر فيما يتعلق وتوظيف هذه المفاهيم والمناهج أو فرضياتها المختلفة للتفكير علي النص الديني.
الإسلام منهج لمقاومة العولمة
رابعا:إن المفكرين الجدد وان كانوا يتفاعلون مع معطيات العصر لكن لديهم مشروعهم الحضاري الإسلامي،المنبثق من البيئة الذاتية ،والمقاوم لهيمنة الآخر من دون رفض للتواصل الحضاري معه ، فمحمد أركون مثلا ينتمي إلي جيل ميشيل فوكووبيير بورديووفرانسوا فوريه وهم الذين أحدثوا ثورة ابستمولوجية ومنهجية في الفكر الفرنسي. وأركون أحدث ثورة مشابهة في الفكر الإسلامي والعربي, مما ولد بينه وبين الاستشراف الكلاسيكي - الذي ظل مخلصا لمنهجية الهيمنة - صراعا بينا.
والفكر الإسلامي الجديد يهتم بالعقل والعقلانية وأفكاره تواجه بنقد عنيف يصل إلي حد التكفير بينما هذه الأفكار مقبولة -حسب حسن حنفي- لدي الأوساط الليبرالية، العقلانية والتقدمية. يقول"أنا لا أقرب بين الإسلام والعلمانية، ولكن أنا أحاول أن أبين كيف أن الإسلام من داخله دين بلغة العصر علماني ليس برجال الدين؛ يعتمد العقل ويعتمد العلم ويعتمد حقوق الإنسان والمجتمع المدني والحرية إلي آخر ما قلت.وبالتالي هذه أشياء موجودة داخل الشريعة الإسلامية وداخل الفكر الإسلامي وداخل التراث الإسلامي. لكنها لم تنتشر كثيرا، نظرا لسيادة الاتجاهات المحافظة الموجودة منذ الغزالي حتي الآن.ويواصل حنفي"وبالتالي أنا لا آخذ العلمانية الغربية، ولكن أنا أبين أن جذور العلم والعقل والمدنية... موجودة. وهذا ما قاله محمد عبده.فالمدنية الغربية نشأت ضد الدين في حين أن المدنية الإسلامية نشأت من داخل الدين".
مشروع فريد اسحق
وإذا أخذنا مشروع فريد إسحاق المسلم الأسمر الجنوب أفريقي، كنموذج لهذا الفكر، نجد أن محاولته الفكرية تدور حول إشكاليتين أساسيتين الأولي هي تقديم الإسلام في سياق تعددية فكرية خلاقة، والثانية التبشير بالإسلام كمنهج لمقاومة العولمة، والظلم الاقتصادي تحديدا. علي أن جذور كلتا الإشكاليتين نجدها منغرسة في أعماق تاريخه الشخصي وتاريخه الاجتماعي والذي دفعه للبحث عن الحل داخل الإسلام نفسه.
حيث ترعرع فريد إسحاق بضاحية كادحة من ضواحي مدينة كاب تاون التي يسكنها السود في أفريقيا الجنوبية، تحت قمع ووجع التفرقة العنصرية وغياب العدالة الاجتماعية. وكأن هذا القدر لا يكفي بل سيحرم فريد من الحضور الأبوي حيث سيغادر والده الدار وهولم يتعد شهراً من عمره. وقد عرف فريد إسحاق وفق هذا المناخ ضراوة التفرقة العنصرية والحرمان الاقتصادي مبكرا، لكنه سيدرك بالإضافة إلي ذلك، أن مأساة الأسود تكون مضاعفة، لوكان بالإضافة إلي سواد بشرته، علي دين الإسلام.
وأمام هذا الظلم المزدوج الذي يتعرض له المسلمون السود في جنوب أفريقيا، شعر إسحاق بالحاجة لمساعدة إخوانه في الإسلام بالبحث عن مخارج روحانية أوطرائق للولوج لعالم الحق والعدل والإحسان، الذي يعد الله به عباده الصالحين، وذلك داخل النص القرآني نفسه. وهوسيوظف مفاهيم الإحسان والتكافل والرحمة أوالعدل لخدمة ونجدة المظلومين والمسحوقين. وكان نضاله الفكري في هذا الاتجاه مفتوحا علي أفق الإنسانية بالمعني الكلي للكلمة، حتي أنه كان يناضل يدا بيد مع إخوانه الرهبان ورجال الدين المسيحي أورموز الأديان الأخري أودعاة الخير والإحسان من العاملين في الحركات الإنسانية، من أجل إخراج السود المعذبين من مأزق اليأس الإنساني. وقد كان يوظف "الكلم " القرآني كخطاب محرر ودافع للإرادة الإنسانية نحومراتب من العلو والعنفوان، بما يجعلها قادرة علي مواجهة أي سحق أواضطهاد. والقيم القرآنية العالية لكتاب الله الكريم قادرة بالنسبة له علي خلق المكان المناسب والضروري للحوار والتفاعل مع الحدث ومع الآخر، أوالتقاطع مع ثقافات روحانية أخري.
الإسلام الحزبي شر كله
خامسا:أن مشاريع التجديد الإسلامي تقوم علي فكرة التحرر من سلطة الفقه الديني واحتكار فئة للعمل السياسي بدعوي أنها المتحدث باسم الإسلام،يقول رضوان السيد، "إن الإسلام الحزبي شر كله والذين يرفضون الإسلام الحزبي أسجل لهم ذلك علي أنه نقطة في صالحهم،وأنا ضد أن يكون للإسلام حزب "،أما محمد أركون فاعتبر أن آفة المسلمين اليوم هي صراع المذاهب رغم أن هذه المذاهب تطورت في ظروف سياسية والسياسة دائما تلعب دورها في توجيه البحث في الأمور الدينية, لأن الدولة اهتمت دائما بالدين حتي تستمد منها مشروعيتها كسلطات, وقد أنتج هذا الاستعمال السياسي للجانب الديني مشاكل عديدة, لاسيما فيما يتعلق بالتطرف الذي وقعت فيه الفرق الدينية.
وفي إيران برزت أفكار سوروش وهوأهم رموز المشهد الثقافي الإيراني المجدد. ونحن نعرف أن نظريته الفلسفية تقوم علي فكرة إن أي تطور نوعي قد تعرفه الساحة الفكرية الإسلامية، لن يقوم إلا علي "تجديد كلي " خلاق قائم علي الوعي الحر للمسلمين وهوما يدفع التحليلات الأوروبية المختلفة لجعله أول مفكر إصلاحي "في إيران ،لأن مشروع سوروش ارتكز بشكل جوهري علي البحث عن تحرير القرآن من سطوة الفقه أوأن مشروعه يقاوم القراءة الفقهية الصارمة والمتعصبة للنص القرآني. وبالنسبة له لا يمثل الفقه قلب الإسلام، بل هذا القلب وهذا الجوهر إنما يمثله الإيمان، أوالعلاقة الحرة بين الوعي الفردي والحضرة الإلهية،ويري سورش انه"ليس لأي جماعة أياً كان ثقلها، داخل الأمة، أن تزعم بأنها تملك الحق في التدخل بين العبد وربه أوبين الإنسان والخالق أوبين الوعي الإنساني ووصاله مع الله، لأن في ذلك انتهاكا للوعي ذاته ولتلك العلاقة الضرورية بين الإنسان وخالقه.
سوروش يقترب هنا ،بالقياس لهذه القضية، من المفكر التونسي عبد المجيد شرفي الذي يتأسف بدوره علي «أن الفكر الإسلامي قد استغرق كليا في التفكير في الفقه». وقد أعاد سوروش بصورة خاصة الفلسفة إلي قلب المشروع الفكري الإسلامي، بحيث صار تفكيره علي النص الديني أقرب منه لفلسفة الدين من التفكير الثيولوجي. علما بأن الثيولوجي مرتبط بعلوم الدين بينما ترتبط الفلسفة مباشرة بالوعي الإنساني. وهوقد نجح في المزاوجة بين هذه المناهج للتأسيس لوعي شمولي بحقيقة العلاقة بين الوعي والوحي.
مشروع أركون وآفاق المستقبل
أما محمد أركون فقد عمل علي بناء "إسلاميات تطبيقية" وذلك بمحاولة تطبيق المنهجيات العلمية علي القرآن الكريم, ومن ضمنها تلك التي طبقت علي النصوص المسيحية, وهي التي أخضعت النص الديني لمحك النقد التاريخي المقارن والتحليل الألسني التفكيكي وللتأمل الفلسفي المتعلق بإنتاج المعني وتوسعاته وتحولاته.
ومشروع أركون يفتح بابا أوسع لتاريخ الأديان إذا انطلقنا من القرآن ومن منطقه الذي يطرح قضية تاريخ النجاة, أي كيف نعيش حياتنا كمؤمنين متلقين كلام الله تعالي حتي نطبقه في حياتنا قصد النجاة من العذاب. ومعلوم أن فكرة النجاة موجودة في التوراة مع موسي والأنبياء الذين ذكرهم القرآن. وهذا يدعونا إلي الاهتمام بالتاريخ الروحاني الذي يختلف عن التاريخ السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي. والتاريخ الروحاني يتعلق بوجوب كلام الله علي البشر.
فهناك، حسب أركون, فرق بين القرآن الذي هوكلام الله ونزل إلي الجميع وما قام به الفقهاء المسلمون من جهد نعتمد عليه لفهم الإسلام, وهوبطبيعة الحال فهم متغير الظروف التاريخية والظروف الثقافية في المجتمع وخاضع أيضا للقوة السياسية العاملة في المجتمع.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.