نجح الرئيس عبدالفتاح السيسى خلال السنة الأولى من حكمه، فى إعادة توجيه العلاقات بين مصر ودول الخليج، وتحديدا الإمارات والسعودية، بعيدا عن حالة "التوجس" و"القلق" التى خيمت على هذه العلاقات طوال فترة حكم الإخوان المسلمين لمصر يونيو 2012-يونيو 2013، بحيث أصبح يسيطر عليها نمط التحالف المرن tactical alliance، القائم على خدمة مصالح محددة فى قضايا معينة، وهو ما تم التعبير عنه بدعم مالى ودبلوماسى لمصر بهدف تعزيز الشرعية الإقليمية والدولية للنظام الجديد بعد سقوط حكم الإخوان، وذلك فى مقابل مساندة مصر للتوجهات الخليجية تجاه قضايا محددة. ورغم أهمية هذا التحالف، إلا أن طابعه "المرن"، من حيث ارتباطه بقضايا محددة، تتشارك بخصوصها هذه الدول تصورات بعينها، دون أن يمتد لقضايا إقليمية أخري، فضلا عن غياب الطابع المؤسسى له، يجعل هذه العلاقات تمر بعملية إعادة تقييم متواصلة من جانب الإمارات والسعودية على وجه التحديد، ستكون مسئولة بصورة كبيرة عن تحديد مستقبل العلاقات مع مصر. وتتأثر عملية إعادة التقييم هذه بمتغيرين، يتمثل المتغير الأول فى الأهمية الاستراتيجية لمصر والتى تجعل قطع العلاقات مع مصر -على خلاف الحالة القطرية- خيارا مستبعدا، حتى وإن كانت هناك خلافات بينها ، وينصرف المتغير الثاني، إلى توجهات السياسة الخارجية المصرية ومدى خدمتها للمصالح الإماراتية والسعودية، وللطموح الإقليمى الخاص بهما. ثلاثة أبعاد رئيسية يمكن تحديد ثلاثة أبعاد ميزت العلاقات بين مصر وكل من السعودية والإمارات خلال السنة الأولى لحكم الرئيس السيسي، يتمثل البعد الأول فى تعزيز الشرعية الاقتصادية لنظام الرئيس السيسى من خلال ضخ استثمارات فى قطاعات معينة تمثل أولوية بالنسبة لهما، وهى قطاع الطاقة والبناء والتشييد، مع الاستمرار فى تقديم المعونات عند الضرورة، باعتبارها صمام أمان لشرعية النظام الجديد، فخلال مؤتمر مصر المستقبل فى مارس 2015، تعهدت الإمارات بتقديم 4 مليارات دولار كمنحة لمصر، فضلا عن تنفيذ عدة مشاريع عملاقة، تعاقدت عليها العديد من الشركات الإماراتية فى قطاعى الطاقة والإسكان. كما أعلن ولى عهد السعودية حينها الأمير مقرن بن عبدالعزيز عن تقديم بلاده مساعدات بقيمة 4 مليارات دولار، وذلك إلى جانب المشاركة فى مشاريع استثمارية فى قطاع الطاقة والكهرباء، ومع استمرار هذه الدول فى تنفيذ المنح والمساعدات التى تعهدت بها بعد ثورة 30 يونيو 2013، سواء من خلال التنفيذ المباشر للمشروعات التى تؤثر على الحياة اليومية للمواطن المصرى كما فى حالة الإمارات، أو من خلال تقديمها للحكومة المصرية كما فى حالة السعودية، أو عن طريق دعم صفقات السلاح المصرية. وينصرف البعد الثانى إلى تقديم الدعم الدبلوماسى للتحركات المصرية فى الخارج، فعلى سبيل المثال، قدمت الإمارات والسعودية الدعم لطلب القاهرة الخاص بتشكيل تحالف دولى لمحاربة داعش فى ليبيا. يتعلق البعد الثالث بالتعاون العسكرى بينها فى مجال بناء القدرات العسكرية من خلال المناورات المشتركة، فمنذ تولى الرئيس السيسى السلطة، عقدت مصر مع الإمارات مناورات خليفة-1 فى مصر فى يونيو 2014، ومناورات سهام الحق فى الإمارات فى أكتوبر 2014، ثم مؤخرا تم ترتيب عقد مناورات برية بين مصر والسعودية على ضوء العمليات التى تجرى فى اليمن. ثلاثة تحديات تحدد المستقبل تظل عملية إعادة توجيه العلاقات بين مصر والسعودية والإمارات، بحيث يتم ترسيخ التحالف الثلاثى خلال الفترة المقبلة تواجهها ثلاثة تحديات رئيسية، يتمثل التحدى الأول فى "مأسسة" العلاقات بين هذه الدول، حيث يرتبط جزء كبير من التقارب بين الدول الثلاث فى المرحلة الحالية، بطبيعة المرحلة التى تمر بها كل منها، وبالضغوط التى تواجهها بدرجات متفاوتة على أمنها الوطنى خلال المرحلة الحالية. ويرتبط كذلك بوجود نخبة فى الإمارات "تقدر" الدولة المصرية، كما قدرها الشيخ زايد رحمه الله الذى أوصى أبناءه "بأن يكونوا دائماً إلى جانب مصر"، وبوجود قيادات فى السعودية تدرك أهمية مصر، على النحو الذى عبر عنه الملك عبدالله بن عبدالعزيز، ولعل هذا يؤكد أهمية العوامل الشخصية فى تعزيز هذه العلاقات. وبالتالى فإن عدم وجود عملية تضمن مأسسة هذه العلاقات، على نحو لا ترتبط معه بجيل ما من الحكام، يعد تحديا حقيقيا لتحول التحالف الحالى بين الجانبين من كونه تحالفا "مرن" إلى شراكة "استراتيجية" تستند إلى مباديء محددة تستمر خلال السنوات المقبلة بصرف النظر عن التحولات التى تشهدها المنطقة. وينصرف التحدى الثانى إلى وجود خلافات بين هذه الدول حول عدد من القضايا الإقليمية الأخري، مثل الصراع فى سوريا والعملية العسكرية فى اليمن والوضع فى ليبيا، والتى لاتزال تتم إدارتها فى إطار "الخلاف" دون أن يؤدى ذلك إلى توتر معلن بينها، فضلا عن الخلاف بين الإمارات والسعودية حول قضايا محددة منها مستقبل الوضع السياسى فى اليمن، على نحو سيكون له تأثيره على العلاقات مع مصر، وتظل المشكلة التى تواجهها مصر مرتبطة بأن هذه الخلافات فى ظل صيغة التحالف المرن قد تضغط على مصر باتجاه تغيير سياساتها تجاه تلك القضايا أكثر من ضغطها على الطرف الآخر لتغيير سياساته، على نحو قد يمثل "مشكلة" لمصر، لاسيما فى ظل تأكيدها "استقلال" قرار السياسة الخارجية. ويتعلق التحدى الثالث ب"السقف" الذى أصبح يفرضه التنسيق مع السعودية والإمارات على مصر، والذى أصبح يقلص مساحات الحركة المتاحة لها تجاه قضايا إقليمية محددة، ويبدو أن العلاقات مع إيران تقع ضمن هذا النوع من القضايا، كما أن هذا السقف يقلص من قدرة الدولة على تبنى سياسات محددة تقنن التأثير الذى أصبحت تمارسه هاتان الدولتان على التطورات الداخلية فيها. إذا كانت العلاقات بين مصر والإمارات والسعودية، تمثل انجازا حقيقيا للرئيس السيسى فى مجال السياسة الخارجية، فضلا عن نجاحه فى تحييد العلاقات مع قطر حتى لا تتحول إلى قضية خلافية مع السعودية، فإن استمرار هذا الإنجاز يظل مرتبطا بالتصورات السائدة عن مصر فى دوائر صنع القرار فى هاتين الدولتين، والتى ترتبط بدورها بتوجهات الحكم فى مصر، وبنوع السياسات التى يتم التعبير عنها أو تبنيها تجاه القضايا التى تهم هاتين الدولتين، مثل القضية الإيرانية بالنسبة للسعودية، وهذا التقييم المستمر لمدى تعزيز السياسات المصرية لمصالحها، قد يمثل قيدا ما فى المستقبل، لاسيما فى ظل استمرار الدعم للنظام الجديد فى مصر.