كان قد انتهي للتو من القاء محاضرة لطلابه في كلية طب الأسنان وكعادته لم تفارقه الإبتسامة والرضا والحماس والتفاعل معهم ، وفي المدرجات كان يتحسس المكان الذي عشقه كواحد من الطلاب النجباء المتفوقين الذين عينوا كمعيدين وكأنه كان يلقي عليه النظرة الأخيرة مودعا ومفارقا. الدكتور أحمد إبراهيم الشباب الثلاثيني المنحدر من قرية برج النور حمص مركز أجا محافظة الدقهلية ، الفتي الأسمر الذي إستطاع بسلوكه وأدائه وخلقه وإخلاصه أن يلفت انتباه الجميع في كلية طب الأسنان وأن يكون صديقا ومقربا مع كل من حوله . قبل شهور قليلة نوي إكمال نصف دينه فخطب طالبة في السنة النهائية بكلية الطب وبدأ في تجهيز عيادته الخاصة حلم العمر الذي اقترب من التحقق وعاش معه لحظة بلحظة كرسالة إنسانية لتخفيف آلام المرضي قبل أن يكون مشروعا إستثماريا شخصيا . خرج الدكتور أحمد إبراهيم من الكلية بسيارته البسيطة متجها إلي قريته ، وبينما كان يتذكر بسعادة مشوار حياته العلمية وتغمره الفرحة بعد أن تحدث مع خطيبته عن يومه وما حدث فيه وعن مستقبلهما وعن ترتيبات إفتتاح عيادة الأسنان ، كانت سيارة نقل مجنونة تتربص له في مكان قريب من كوبري المنصورة ، لم يفكر سائقها الطائش لحظة واحدة في أن يتريث أو يهدئ السرعة فدهس الدكتور أحمد مع سيارته التي تحولت إلي كومة من الصفيح وسط ذهول المارة ولعناتهم علي طيش العربات وجنون الأسفلت الذي يحصد يوميا عشرات الأرواح البريئة. وعاشت جامعة المنصورة كلها حالة صدمة وحزن عندما علموا من مستشفي الطوارئ أن روح الدكتور أحمد إرتقت في عليين إلي خالقها ، فتحولت جنازته إلي شبه مظاهرة ضخمة صامتة مشحونة بالحزن والألم . وفي منزله تتذكر خطيبته الدكتورة ساجدة يحيي بعض حواراتهما الأخيرة عندما قال لها : فيه أوضه فاضية جنبي يا ساجدة في العيادة ، فردت عليه : بجد يا أحمد طيب خلاص هفتح فيها بقي ونكون احنا الاتنين أطباء بس أنت يادوب بتاع سنان يعني سباك زي ما بتقول علي نفسك لكن انا هكون بتاع كله وهتعلم منك الأسنان كمان ، فيرد عليها : ماشي يا سجودتي هو أنا اطول اعلمك ؟؟ ويوم ما جه يكتب اسمه علي العيادة قال لها ، ساجدة انا هكتب اسمك جنبي بقي عشان لما تفتحيها تكوني اتشهرتي في برج النور " القرية " فقالت له : نعم هو انا هشتغل في برج النور برده أنا عايزة مكان راق ، فأجابها : يا بنتي مش أحسن من ميت عباد بتاعتكم دي ، هكتب بقي دكتور أحمد ابراهيم وحرمه . وكتبت ساجدة علي حسابها بالفيسبوك : كان نفسي أكون لابسه الفستان الأبيض وأنت البدلة السودا مش العكس ، ربنا يرحمك يا أغلي ما ليا ويصبرني علي فراقك ، كل وعد وعدته لك عمري ما هرجع فيه ، ثم تقول : من الصدمة مش مصدقة ومش قادرة أفوق ، عندي إحساس انك بتشوف غلاوتك عند الناس بس، يارب الفردوس الأعلي وحورية تكون شبهك وزيك لأنك كنت كتير عليا . أما صديقه الدكتور حسام حمدي فيقول أن الدكتور أحمد كان أرسل له تصميم العيادة قبل أن يفتتحها ، وكان فرحان جداً بتحقيق حلمه ، معتبرا أنه خسر صديقا لن يتكرر وتؤكد الطالبة آية رضا كبشة أن الدكتور أحمد رحل جسده وبقي عبير سيرته الحسنة ، ومهما ذكرناه بالخير لن نوفيه حقه فالله نرجو أن يجزيه عنا خير الجزاء ، أما زميلتها هند إبراهيم فتتحدث بمرارة وصدمة عن أستاذها النبيل قائلة أن الطيبين يذهبون بسرعة ، الدكتور أحمد قامة علمية وخلقية لا تتكرر كثيرا . ويقول جاره أحمد عبد الله الديب أن والده كان يثني علي طالب عنده هو الدكتور أحمد ثم عرفه في المسجد وإقترب منه فوجده صاحب دين ، دمث الأخلاق ، هاديء الطباع ، مبتسم الثغر ، ولم يزرع تفوقه بداخله أي تكبر علي زميل أو مريض أبداً ، مشيرا إلي أنه في آخر لقاء منذ أيام حدثه عن خطوبته وخطة زواجه وعن تجهيز عيادته وأحلامه وأمنياته. ويتذكر رفيق دربه إبراهيم حسن بمرارة ذكرياته مع أحمد قائلا: انا لحد دلوقتي مش قادر استوعب اللي حصل ربنا يرحمك يا صديقي أحلي أيام عشناها سوي في الجيش ماكنتش بتاكل غير من إيدي يا صاحبي آخر مكالمة كنت عايز تشوفني وتقولي انزل يابني انت طولت في الغربه ليه واحشني . وكان اللواء سعيد شلبي مدير أمن الدقهلية تلقي إخطارا من العميد عصام الشابوري مأمور قسم أول المنصورة يفيد بمصرع أحمد إبراهيم 31 عاما معيد بكلية طب الأسنان بجامعة المنصورة ومفيم قرية برج النور حمص التابعة لمركز أجا وذلك اثر تصادم سيارته مع سيارة ربع نقل أمام كوبري الجامعة بالمنصورة. انتقلت سيارات الإسعاف برئاسة الدكتور هاني جميعة رئيس مرفق إسعاف الدقهلية وتم نقله لمستشفي الطوارئ وتحرر محضرا بالواقعة وتواري جثمان احمد النابغه خلف الثري ترك ذكري اليمه لكل من حوله ولكن يبقي السؤال الي متي سيظل الاسفلت يرتوي بدماء الابرياءعلي الطرق بسبب السرعه الجنونيه لسائقين ضلت الانسانيه طريقها الي قلوبهم بعد ان تلوثت دماء الكثيرين منهم بسموم المخدرات التي اطاحت بعقولهم وساروا في الطرق يزهقون ارواح عباد الله ويهربوا كالجبناء مستغلين عدم وجود كاميرات مراقبه علي الطرق او حتي كمائن لضبطهم حتي وان تم ضبطهم تكون التهمه قتل خطأ وتصل العقوبه الي الحبس لمده عام والسؤال الاهم دم الطبيب الشاب في رقبه من ؟بعد ان فقدت امه الوعي حزنا علي فراق فلذه الكبد وزهره العمر والشاب بينما انزوي ابيه في ركن منزله وهو يحتضن ملابس الحبيب الراحل وبدله العرس السوداء التي تبدلت بالكفن الابيض وراح يصرخ بأعلي صوته علي ابنه العريس الذي واري بيديه جسده خلف الثري بدلا من ان يزفه الي عش الزوجيه