النائب عمرو الشلمة: توجيهات الرئيس السيسي خطوة هامة لتخفيف الأعباء الاقتصادية عن المواطنين    النائب أحمد السبكي: توسيع مظلة الحماية الاجتماعية يؤسس لمرحلة أكثر عدالة    بعد توجيهات السيسي، خبير يكشف ملامح حزمة الحماية الاجتماعية المرتقبة وموعد التطبيق    أخبار مصر اليوم: حزمة جديدة للحماية الاجتماعية ودعم الفئات الأولى بالرعاية، موعد تطبيق مد سنوات التعليم الإلزامي ل 13 عامًا، حالة الطقس خلال الأسبوع الأول من رمضان    وزير الخارجية: وضعنا خطوطًا حمراء إزاء الوضع بالسودان.. وأي تجاوز لها سيقابل برد فعل مصري صارم وقوي    زيلينسكي: أمريكا تقترح ضمانات أمنية لمدة 15 عاما.. لكن أوكرانيا تحتاج لأكثر من 20 عاما    الرئيس اليمني يؤكد ضرورة مشاركة الاتحاد الاوروبي فى إنهاء الأزمة فى اليمن    ليفربول ضد برايتون.. محمد صلاح يعزز رقمه القياسي    أحمد موسى بعد تصريحات آبي أحمد باجتماعات الاتحاد الإفريقي: لن يكون لإثيوبيا مكان على البحر الأحمر    وصول 4 رواد فضاء جدد إلى المحطة الدولية بدلا من طاقم ناسا الذي تم إجلاؤه    سويسرا تؤكد إجراء محادثات بين الولايات المتحدة وإيران في جنيف الأسبوع المقبل    أول تعليق من محمد صلاح بعد الفوز أمام برايتون في كأس الاتحاد الإنجليزي    المساهمة ال 200.. فينيسيوس يقود ريال مدريد لتحقيق انتصار كبير على سوسييداد    رد الهزيمة بسيناريو مماثل وتاريخي.. إنتر يفوز على يوفنتوس في الدقائق القاتلة    صلاح: كنت تحت الضغط أثناء ركلة الجزاء.. والتتويج بالكأس يعتمد على سوبوسلاي    صفا سليمان تحصد فضية بطولة أوروبا المفتوحة للجودو    كأس الاتحاد الإنجليزي، ليفربول يتقدم على برايتون بهدف في الشوط الأول    الزمالك: عقود احترافية للاعبين الشباب بعد تصعيدهم للفريق الأول    كواليس إحباط محاولة تهريب "تاجر مخدرات" من أيدي الشرطة بقويسنا    مصرع شخصين فى حادث تصادم أثناء عبورهما الطريق الصحراوي بوادى النطرون    إصابة 4 أشخاص في انقلاب توك توك بطريق السلام في المطرية بالدقهلية    ضبط المتهم بفيديو سرقة دراجتين ناريتين بالقاهرة    مصرع شخص وإصابة 7 آخرين في حادث تصادم على طريق الفيوم القاهرة    هدى شعراوى تتصدر الترند من جديد فى قضية قتلها    عمر خيرت يروى حكايات الغرام بحفل عيد الحب فى دار الأوبرا    التنمية المحلية: تشديد الرقابة على الأسواق ومنع الألعاب النارية برمضان    «مش محتاجة لجان».. مي عمر ترد بقوة على اتهامات دعمها إلكترونيًا    عمر خيرت يداعب وجدان جمهور عيد الحب بأشهر مقطوعاته الموسيقية (صور)    7 أصناف من الفواكه تقلل الانتفاخ واضطرابات الهضم    انفوجراف| 9 خطوات للتسجيل في منصة التحقق البيومتري لتأمين بيانات المواطنين    رسالة نارية من أحمد موسى ل "آبي أحمد"(فيديو)    تفاصيل أكبر حركة للمحافظيين 2026    تعاون أكاديمي.. جامعتا المنصورة والمستقبل العراقيّة تُعلِنان انطلاق الدراسة    تعليم دمياط يحصد وصافة الجمهورية في مسابقة أوائل الطلبة للمرحلة الثانوية    محمود التراس يكتب: التغيير الوزاري يدعم قطاع العقارات ويعزز النمو الاقتصادي    موجة غضب وانسحابات بسبب تصريحات رئيس لجنة تحكيم مهرجان برلين السينمائي عن غزة    المخرجة شيرين عادل: مسلسل الكينج يقدم كوكتيل درامي متكامل في رمضان    قطار يدهس ربة منزل وابنها في أسوان    محامي أسرة فتاة "ميت عاصم" يتنحى عن القضية: رفضت أن أكون شريكًا في الظلم    12 عامًا من الكفاح والعمل غدًا.. مؤتمر الجمهورية الخامس «السيسي بناء وطن»    السعودية تقرر إيقاف شركتي عمرة لمخالفة إلتزامات سكن المعتمرين    اهتمام متجدد.. ريال مدريد يضع كوناتي ضمن خيارات تدعيم الدفاع الصيف المقبل    أوقاف الإسكندرية تعلن خطة دعوية وقرآنية شاملة لاستقبال شهر رمضان    زحام شديد أمام لجان الاقتراع لانتخابات نقابة محامي جنوب القاهرة (صور)    عاجل | «الفجر» تنشر أبرز تصريحات السيسي خلال اجتماع الحكومة.. دعم نقدي قبل رمضان وصرف المرتبات مبكرًا وحزمة إصلاحات اقتصادية جديدة    بعد توجيهات الرئيس.. هل تساهم انتحابات المحليات في تفعيل الدور الرقابي؟    كيف يؤثر نقص عنصر غذائي واحد أثناء الحمل على صحة الأم والجنين؟    روبوتات ذكية لخدمة المشاركين بمسابقة الملك سلمان المحلية لحفظ القرآن الكريم    مصرع شاب بطعنات نافذة في مشاجرة بكفر الشيخ    حين يتحول الخلاف إلى معركة.. هل تؤثر السوشيال ميديا على العلاقة بين الرجل والمرأة؟‬    روشتة ذهبية للتعامل مع العاصفة الترابية.. العدوّ الخفي للجهاز التنفسي    دراسة: التغذية الصحيحة قبل الرياضة تعزز النتائج وتحمي من الإرهاق    وفاة إبراهيم الدميري وزير النقل الأسبق    مواقيت الصلاه اليوم السبت 14فبراير 2026 فى المنيا    4 دول تعلن موعد أول أيام رمضان 2026| الأربعاء أم الخميس؟    الإدمان الرقمي.. المواجهة والعلاج    هل طلاق الحامل صحيح؟.. الإفتاء تُجيب    علماء الدين والاقتصاد والتغذية يدقون ناقوس الخطر: الاعتدال طريق النجاة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



بريد الجمعة يكتبه : أحمد البرى
الصورة القديمة!
نشر في الأهرام اليومي يوم 15 - 05 - 2015

أنا محاسبة بدرجة مدير عام، قاربت على سن الخامسة والخمسين، أعيش فى تصالح مع نفسي. ولا يحمل قلبى ضغائن للآخرين،
وعلاقتى بالجميع قائمة على الاحترام والتقدير، ويقولون عنى إننى أتمتع بالرومانسية والواقعية معا، إذ تأثرت كثيرا بأغانى أم كلثوم، وعبدالوهاب، وعبدالحليم وفريد، وغصت فى أعماق مشكلات الأسرة والمجتمع واكتسبت خبرات عديدة فى الحياة، وكانت أمى رحمها الله تستشيرنى فى أمور البيت وعلاقاتها بمن حولها، وتستأنس برأيي، وعلى هذا النحو الجاد صارت حياتي، وفى المرحلة الجامعية لم ألتفت إلى نظرات الإعجاب من زملائي، ولم أهتم بمحاولات أبناء الجيران التقرب مني، ليقينى التام بأن هذه التصرفات ما هى إلا «لهو أطفال» أو «لعب مراهقين»، وادخرت عواطفى لمن سيكون نصيبى فى المستقبل، وربطت أبى وأمى علاقة رائعة، وحب واحترام لمسهما الجميع، ولم أر خلافا كبيرا بينهما على شىء، وأنا الابنة الوسطى لهما بعد ولدين يكبرانى أحدهما طبيب، والآخر يعمل فى جهة سيادية، وبنتين تصغرانى الأولى مهندسة والثانية مرشدة سياحية، وكلهم تزوجوا وصارت لهم بيوت ناجحة ومستقرة، وبالنسبة لى فقد تزوجت زواجا تقليديا دون أى معرفة سابقة بمن ارتبطت به، حيث إنه مهندس حفيد زميل أبى فى العمل، وتقدم لخطبتى، ووافق عليه بعد أن أقنعنى أنه شاب مناسب لي، وأنه يعرف جده وصديق عمره، وعقدنا القران. ولم يتم زفافنا إلا بعد عامين، وقدم لى مهرا متواضعا، وشبكة رمزية، وتحمل والدى معظم تكاليف الزواج حبا ووفاء لجده، وخلال تلك الفترة اكتشفت صفات سيئة فيه. فهو عصبى المزاج، وغير اجتماعي، ولا يعرف الواجب الذى تمليه عليه العلاقات الاجتماعية، حيث دخل أبى وقتها المستشفى لأزمة صحية ألمت به، فلم أجده بجانبي، ولم يسأل عنه كما يفعل الآخرون، فغضبت وثرت عليه، وقررت الانفصال عنه، لكن أهلى هوّنوا من الأمر، بأنه مشغول، ولا يقصد تجاهل أبي، فرضخت لكلامهم، وتوهمت أنه سوف يتغير إلى الأحسن بعد الزواج، وأرجعت حالة الاضطراب التى يعانيها إلى ظروفه العائلية، إذ نشأ هو وإخوته فى كنف زوج أم بخيل، وسيئ الطباع، وعاملهم معاملة قاسية لا تعرف اللين، فصاروا إلى ما هم فيه من مناخ يختلف تماما عن المناخ الذى عرفته وتربيت فيه، وعندما دخلت بيتهم بعد الزفاف وجدت أن والدته وزوجها شبه منفصلين، ويعيش كل منهما فى حجرة مستقلة بعيدا عن الآخر، ثم تطور الأمر، فأصبحا يعيشان فى شقتين، ولا يعرف أحدهما طريقا إلى شقة شريك حياته!، فانزعجت لهذا الأمر، وطُبعت هذه الصورة فى ذهني، ولم تفارقه حتى الآن، وأراها ماثلة أمامى عند نشوب أى خلاف بينى وبين زوجي، وأجدنى دائما خائفة من شيء ما، ولكنى لا أعيه.
وانهالت الصدمات عليّ واحدة تلو الأخري. وأنا صامتة. لا أتكلم، ولا أحدّث أحدا بما أتعرض له لكى لا تتسع دائرة الخلافات، وأحافظ على مكانته لدى الآخرين، ونظرتهم إليه، لكن كتمانى ما أتعرض له يقتلنى فى اليوم مائة مرة، ولا سبيل إلى تداركه. أو الرجوع عنه. ولا أستطيع أن أروى لك كل ما صدر منه من أفعال، لكنى سأشير إلى بعضها لماما، حتى تكتمل الصورة لديكم عما أعانيه، فمثلا فى بعض الأوقات عندما يعود من العمل، يدخل حجرته ولا يتكلم معي، وأظل أسأل نفسي: ماذا جري؟ ولا يهدأ لى بال حتى أعرف سبب صمته وانعزاله، وفى النهاية أكتشف أن كوبا أو طبقا تزحلق رغما عنى فانكسر!.. أو أن ملح الطعام جاء ناقصا، أو زائدا قليلا عن المستوى الذى تعودت أن أطهى به الطعام. وهذا لم أعهده فى أسرتى من قبل، بل أذكر أن زوجة أخى شفاها الله وضعت ملحا فى الشاى بدلا من السكر، فضحكنا من قلوبنا، وصارت جلستنا أكثر جمالا، ولم يحدث ما يعكر صفوها، أما لو حدث ذلك فى بيتى فإن زوجى يحيل حياتنا إلى نكد لا يتوقف!
أيضا لم يحضر زوجى لحظة ولادة أبنائنا كلهم، وهم ولدان وبنت، وقد تزوج اثنان منهم، أما الثالث فيعمل فى شركة كبرى ولم يرتبط بعد، وعندما أشاهد فيلما يروح فيه الزوج ويجيء أمام غرفة العمليات، قلقا على زوجته، أتعجب لأمر زوجى الذى تمنيت أن يشاركنى تلك اللحظات، ولو لمرة واحدة!، أما أنا على الجانب الآخر فلا أتأخر عن السهر على راحته، إذا أحس بأى تعب، وذات مرة دخل المستشفى لأزمة عارضة، فتركت عملى وأولادي، وظللت إلى جواره حتى تعافى وعاد معى إلى المنزل، وبعدها بشهور دخلت المستشفى لإجراء جراحة عاجلة لي، فلم يحضر إلا بعدها بساعات، بدعوى أنه كان مشغولا بدفع المصروفات الدراسية لأحد أبنائنا!.. وبعد ثلاثة أيام عدت إلى المنزل، فإذا به يحضر كمية من اللحوم والأسماك، ويطالبنى بتنظيفها وحفظها، ولما استغربت ما يقوله وما يفعله، رد عليّ بأن أى جرح يلتئم بعد ثلاثة أيام. ولم أجد مفرا من أن أنفذ طلبه، ودموعى تسبقنى على حالي، وكدت أسقط على أرض المطبخ، ولا أستطيع أن أصف حجم المرارة والقهر اللذين أحس بهما كلما تذكرت ذلك اليوم.
وتمادى فى غطرسته فإذا تعطل مثلا الخلاط لانتهاء عمره الافتراضي، يرى أننى السبب، وإذا لم يعمل «الهاتف المحمول» فأنا التى خربته، وإذا توقفت المروحة فأنا لعبت بها، فكل شيء يصيبه عطل أو خلل يلقى بمسئوليته على كاهلي، حتى يخيل إلىّ إننى سبب ثقب الأوزون!. فهو يرى ما يريد أن يراه، ويتغاضى عن الجوانب الجميلة، ولا يتحدث عنها ولو بكلمة تطيب الخاطر، فأنا حريصة على إنفاق مرتبى بالكامل على بيتي، وتنسيقه وترتيبه، وتزويده باللمسات الفنية، فهنا أباجورة، وهناك زرع وفى أحد الأركان فازة قيمة، وفى ركن آخر تابلوه رائع، وكل من يدخل بيتنا يشيد بلمساته الجمالية إلا هو، أما إذا جمعتنا رحلة أو مصيف مع إخوتى أو زملائى فى العمل، فإنه يتعمد إحراجى أمامهم، والإنقاص مني، ويروى مواقف تافهة حدثت منذ سنوات من نوع «الطبق المكسور»!، ويكون رد فعلى هو الصمت، ثم الانتقال إلى موضوع آخر حفظا لماء وجهي.
وأذكر ذات مرة أننى احتجت مبلغا لشراء بعض الأشياء، وطلبته منه على سبيل القرض، على وعد بأن أرده إليه بعد أن أقبض مرتبي، ففوجئت به يقدم لى إيصالا بالمبلغ للتوقيع عليه!.. ولا أدرى لو لم أسدده له ماذا كان سيفعل بالإيصال!.. ولو لم يكن لى مرتبى الخاص، كيف سأشترى حقيبة أو فستانا أو دواء؟!
وفى الوقت الذى يفعل معى هذا الصنيع، أعطيه ما يشاء من مرتبى عن طيب خاطر، وأطمع فى أن تتحسن تصرفاته الغريبة، ولكن بلا جدوي!. بل إنه فى عيد الأم عاب على أولادى أنهم اشتروا لى هدية كهربائية قيّمة، وتمنى لو كانت الهدية بمبلغ أقل.. إلى هذه الدرجة بلغت تصرفات زوجى وأنا صابرة وثابتة، ولم تؤثر أفعاله فى ثقتى بنفسي، لكنى أجدنى أسترجع الصورة القديمة بين والدته وزوجها، وأتساءل فى داخلي: هل يريد أن ينتقم لأمه وأخواته فى شخصى بتقمص شخصية زوج أمه؟ وماذا جنيت ليصنع بى ذلك؟.. أم أن بحياته امرأة أخرى ربما تكون قد غدرت به، ولم يجد سواى ليصب عليها غضبه؟!
إننى امرأة طبيعية، تصيب وتخطئ، وتتقى ربها فى زوجها وأولادها، وحريصة على سلامتهم النفسية، وقد حاولت قدر استطاعتى أن أعاتبه فى هدوء، لكنه فى كل مرة أتحدث فيها معه يتحول إلى «الرجل الأخضر». وأصبح جانية ولست مجنيا علىّ. وهذا أمر عادى بالنسبة لرجل أنانى يريد أن يأخذ كل شيء ولا يعطى أى شيء.. ويجادل بالباطل، ويتوهم أشياء لا وجود لها إلا فى خياله ويصدقها، ثم يعاقبنى عليها حتى مرضت بالسكر، ثم أفقت على مرور خمسة وثلاثين عاما على زواجى منه، وأنا أعيش نفس السيناريو اليومى من تصيد الأخطاء التى يراها من وجهة نظره كبيرة، أما هو فعبقرى زمانه، ولا يخطئ أبدا، حتى إذا أعد «طبق سلاطة» يصفه بأنه رائع، وإذا أعد طعاما بسيطا، يتغزل فيه، فليس لى أن أصنع صنيعه!، وفوق كل هذا بخيل ومنافق، وليس لى أى حق نفسى ولا مادى عنده، ولا أدرى، لماذا يبخل علىّ بالمشاعر، والكلام الطيب؟ وكل ما يفعله من وجهة نظره لإرضائى ومصالحتى عندما يتمادى فى إيذائى وأنا صامتة أنه يلجأ إلى «العلاقة الزوجية» دون مراعاة لحالتى النفسية، فمن غير اللائق أن أكون مهانة نهارا ثم أسايره ليلا، وأنا لست مهملة فى نفسى وأحاول أن أكون دائما فى أبهى صورة.
والآن بلغ بى الضيق مداه فهجرت حجرتى الخاصة بعد مشكلة جديدة معه، وانتقلت إلى حجرة ابنتي، وكأن صورة أمه وزوجها تتكرر معي، وهى الصورة القديمة المطبوعة فى ذهنى منذ زواجى منه، وهكذا أجدنى وكثيرات غيرى خادمات، ومديرات منازل، وزوجات شرعيات فى الوقت نفسه، بل إن الخادمة أكثر حظا، حيث تتقاضى أجرا عن عملها وتلقى معاملة حسنة ممن تعمل لديهم حتى لا تتركهم وتذهب إلى أسرة أخري، أما أنا ومثيلاتي، فنعمل داخل البيت وخارجه، ونقوم بكل الواجبات، والمسئوليات دون أن نسمع كلمة شكر واحدة.. ولقد شدتنى رسالة «السيمفونية الحزينة» التى يقول كاتبها إن زوجته هجرته إلى دار المسنين بعد أن تزوج زواجا عرفيا فاشلا، وفضلت الحياة فيها على المعيشة معه، ويتساءل: كيف تترك بيتها ومملكتها التى تحمل كل ذكريات حياتها؟.. إنها فى الحقيقة امرأة مغلوبة على أمرها لم يكف زوجها ما قدمته على مدار السنين ليعذبها بما فعله، وهما فى سن متقدمة، وجحد وأنكر عطاءها، ولم يفكر إلا فى نفسه، وتركها تعانى الوحدة، وتصارع الأمواج وحدها، فماذا كان ينتظر منها، أما ابناها اللذان يرسلان إليها مبلغا شهريا لتعيش به فى دار المسنين فكان الأولى بهما أن يأخذاها معهما حيث يعيشان، وليت الجميع يتعلمون الدرس مما حدث لهذه الأسرة، ولولا أولادى وأحفادى لطلبت منك عنوان دار المسنين التى تنزل بها هذه السيدة، لأكون فى الحجرة المقابلة لها، وأرجو أن يعلم الرجال أن حب المرأة يكون نفسيا وعاطفيا أكثر منه جنسيا.. وأخيرا أسألك: هل ترانى قد أخطأت فى حق زوجي، بعد أن سردت لك بعض مواقفى ومواقفه دون مغالاة، وبماذا تنصحنى؟
ولكاتبة هذه الرسالة أقول:
آفة الكثيرين أنهم يتفننون فى صنع «العكننة» لأسباب تافهة، فيلجأ إليها بعض الرجال لإثبات أنهم أصحاب الكلمة العليا فى بيوتهم، ولا يشق لهم غبار فى كل ما يفعلونه، وما يتخذونه من قرارات، ولا يعترفون بعطاء زوجاتهم أبدا، حتى لا يتملكهن الغرور، وبالتالى يفلت الزمام من أيديهم، وفى المقابل تحيل بعض الزوجات بيوتهن إلى نكد لا يتوقف، ولا يهدأ لهن بال، لأن أزواجهن لا يفكرون إلا فى أنفسهم، وأنهم يتركون لهن كل أمور الحياة، ولا يشغلهم شيء سوى أعمالهم، ولو أنصف هؤلاء وأولئك شركاء حياتهم لاعترفوا بفضلهم، ولأيقنوا أن الحياة الزوجية الصحيحة قائمة على الأخذ والعطاء، وأن قوامة الرجال على النساء بما أنفقوا، وتحملوا مسئولياتهم تجاههن.. ولا يكون ذلك أبدا بالشخط والصوت العالي، أو الضرب كما يفعل بعض ضعاف النفوس، وإنما يتحقق بالتواد والتراحم، وحسن العشرة، والكلمة الطيبة التى ينعكس أثرها على الأبناء فينشأون فى جو أسرى هادئ وكيان مستقر يولد لديهم الأمان والطمأنينة، فيصبحون فيما بعد أرباب أسر لا تعرف الشجارات إليها طريقا.
وتعد الخلافات البسيطة، والتى تزيد حدتها بمرور الأيام نتيجة التغاضى عنها من «التابوهات» التى يفضل الكثيرون التكتم حولها، وعدم البوح بها حفاظا على السمعة، غير مبالين بأن هذه الخلافات تظل كامنة فى العقل الباطن لديهم، فتؤثر على حياتهم وأولادهم، فالصورة القديمة الماثلة فى ذهنك عن حماتك وزوجها، وانفصال كل منهما فى نهاية الأمر بشقة مستقلة، ومعايشة زوجك معاناة أمه، ربما يكون لذلك تأثيره العميق فى شخصية زوجك الذى يكرر معك ما فعله زوج أمه بما يدخل فى نطاق العنف الأسرى الذى يفكك روابط الأسرة، فتنعدم الثقة بين أفرادها، ويتلاشى الإحساس بالأمان.
وقد يتساءل البعض: وماذا نصنع لكى تمضى حياتنا الزوجية بنجاح إذا كانت الأمور تسير على هذا المنوال؟.. والإجابة سهلة وبسيطة وهى أن من أبرز العوامل التى تساعد على نجاح العلاقة الزوجية الحب، إذ يجب على كليهما ألا ينتظر أن يكون حبهما ناضجا مكتملا منذ بداية حياتهما معا، لأن الجانب الحسى لديهما، خاصة بالنسبة للمرأة، فى هذه المرحلة يقوم بحاجة إلى تهيئة طويلة، وتربية دقيقة، فعليه أن يحتويها، وعليها أن تقترب منه، وتقصر المسافة النفسية بينها وبينه، ويأتى بعد ذلك الاحترام، فمن المهم أن يحترم كلاهما الآخر، ويتقبل عيوبه قبل مزاياه، فقد يكون جزء منها وليد الظروف والبيئة، ولذلك يحاول ألا يعيب على شريك حياته ما يراه منه، فهناك عيوب قد تذوب تلقائيا عندما يشعر أن شريكه يقبلها فقط من أجله، برغم أنها قد تكون صفات غير مرغوبة، فالانتقاد الدائم والنزاع المستمر بشأنها لا ينتج عنه سوى مزيد من المصاعب والمتاعب، ويرتبط بالاحترام أيضا التقارب الفكري، بمعنى أن الطرفين يجب أن يتقابلا فى المنتصف، ومن هذا المنطلق يجب على زوجك أن يحترمك، وأن تبادليه الاحترام، فلا يتكلم عنك بما يغضبك، وأنت كذلك يجب أن تتحدثى عن محاسنه، ولا تقابلى إساءاته بمثلها، ولتعلما أنه لا يصح ذم شريك الحياة أمام الآخرين، حتى ولو على سبيل الدعابة، لأن ذلك يهدم صرح الشريك فى داخله، قبل أن يهدمه فى عيون الآخرين.
أيضا فإن الانتماء من العوامل المهمة لنجاح الحياة الزوجية، فالزواج ليس مجرد علاقة رسمية فقط بموجب عقد الزواج، أو مجرد علاقة جسدية أباحها العقد ذاته، بل هو أسمى من ذلك بكثير، إنه يعنى أن شخصين ارتضيا أن يكملا مسيرة حياتهما معا، فيتقاسمان مرها قبل حلوها، ويشعر كل منهما بآلام الآخر كأنها آلامه، ويرقص قلبه فرحا بأفراح شريكه، فكل نجاح أو تحقيق هدف يسجل للكيان الأسرى وليس لفرد معين، ولذلك فإنى أعتب على زوجك أنه لم يشاركك فرحة قدوم الأولاد وعدم وجوده إلى جوارك فى الأزمة الصحية التى تعرضت لها، وكان واجبا عليه أن يكرر صنيعك معه عندما تركت كل شيء ورافقتِه فى المستشفي، فالتعاون سمة ضرورية للأزواج الناجحين، والصداقة بينهم تفتح الطرق المسدودة التى قد تنشأ مع تراكمات السنين، فلا تدعى اليأس يسيطر عليك يا سيدتى واتركى حجرة ابنتك وعودى إلى حجرتك، وحاولى تضميد الجراح التى أصابت حياتك الزوجية، فلا يكفى أن تسعدى بأولادك وأحفادك فقط، وانما عليك أيضا ألا تنبذى زوجك من حياتك، فهو أساس هذه الأسرة الكبيرة، فإذا ابتعد عنكم انهار هذا الكيان المستقر، وكل ما ذكرتِه من هفوات صغيرة، وعلى مدى هذا العمر يمكن أن تتغاضى عنه، فجزء من أزماتنا أن «نخزن» فى ذاكرتنا كل شيء، ونسترجع الآلام كل حين، مع أن فى استطاعتنا دائما أن ننظر الى الجانب المشرق، وكم قلنا «إن ما مضى فات، والمؤمل غيب ولنا الساعة التى نحن فيها».. نعم سيدتي: هذا هو المنهج العقلانى الذى نتلاشى به الخلافات، وننسى الأحزان، فالماضى ولى ولن يعود، وعلينا أن نستخلص منه الدروس والعبر، لا أن نستعيده بأحزانه ومآسيه، والحاضر الذى نعيشه الآن هو ما يجب أن نركز فيه، وإنى أسأل زوجك: ترى ماذا كسبت من «العكننة» التى سببتها لزوجتك؟ وهل انكسار كوب أو عطل مروحة حتى لو كانت زوجتك المتسببة فيه، يجعلك تعاملها بهذه القسوة؟.. ألا تدرك تبعات ردود أفعالك عليها؟
إن الحياة أبسط من ذلك، فأعيدا النظر فى أسلوب حياتكما معا، وقربا المسافات بينكما، فبقليل من التدبر تسير سفينة الحياة.. أسأل الله أن يكتب لأسرتكما السعادة، وأرجو أن تنسى «الصورة القديمة» التى مازالت تنغص عليك حياتك، إذ لا أعتقد أن زوجك يفكر فيها، أو أنها تخطر بباله، وإنما هو يعيش وفق معتقدات خاطئة، وأحسب أنه سوف يعيد النظر فيها، ويصلح ما أفسده، والله المستعان.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.