مع أن الأعمار بيد الله ورغم أن والدتى كانت مسنة متقدمة فى العمر، إلا أن بداخلى يقين كبير لا يتبدل أنها ماتت منذ سنتين نتيجة شعورها برعب كبير..حين أحاطت بيتها فى 17 شارع قصر النيل جحافل الرعاع الذين قادهم رهط من العملاء والخونة والجواسيس لمدة سنوات أربع بدأت فى يناير 2011. وجدت السيدة الطيبة نفسها أمام مشهد ضياع العالم الذى عاشت فى كنفه لعشرات السنين وسط البنايات التاريخية الجميلة وقد صممها وهندس بعضها كبار المعماريين العالميين، ولم تعد قادرة على مزاولة عاداتها البسيطة كشراء جرائدها، أو احتساء فنجان قهوة فى جروبى (طلعت حرب) أو التمشية الهوينى والفرجة على الناس ! لم تعد أمى قادرة على الدخول إلى أو الخروج من بيتها وسط تجمعات مجرمة تهتف بوحشية ضد مؤسسات الحفاظ على النظام العام وأمن المواطنين. تآكلت الحماية وتكسرت القوقعة التى يتدرع بها المصريون..كنا أمام غزو أجنبى انضم إليه بعض الخونة واستهدف- ضمن ما استهدف- منطقة وسط البلد، وراح يشوه طقسها ومعالمها، فيما يكتب المجرمون الأشرار شعاراتهم الساقطة والسافلة على كل الجدران وقواعد التماثيل. ولهذه الأسباب أشعر بغبطة كبيرة وعرفان للجهة التى تقوم- الآن- بتجديد وسط البلد، ونقاشة العمارات، وتمليط البنايات وترميم النقوش التاريخية، وزراعة النخيل الملكى الرخامي، سواءً كان ذلك عمل محافظة القاهرة أو أى جهاز آخر. هذه الجهات تعيد إلينا قطعة من تاريخنا ومن وجداننا، وتوقظ- من جديد- الضمير الشعبى للحفاظ على التراث الوطني، والحنو على ذكريات البنى آدمين الذين يعيشون فى هذا البلد ولا يرغبون أن يعتدى أحد- تحت أى ادعاء- على أمنهم أو يخدش ارتباطهم الإنسانى بالمكان. كل ما أطلبه أن يشمل التجديد والترميم كل بنايات وسط البلد، وليس التاريخى منها فحسب، وأن تمتد أعمال النقاشة إلى كل جوانب العمارات وليس الواجهات فقط، وأن يتم تجديد مرافق البنايات من الداخل. ثم إن إعادة وسط البلد ببهائه ومهابته يحتاج إلى إعادة النظر فى شكل المحلات والدكاكين بحيث يتناغم مع الطبيعة المعمارية للمنطفة. ورحم الله أمى. لمزيد من مقالات د. عمرو عبد السميع