مضى نحو 13 عقدا منذ أن بدأ الإصلاح الدينى فى مصر، سواء الإصلاح الفكرى على يد الأفغانى ثم الشيخ محمد عبده، أو الإصلاح المؤسسى منذ عهد الخديو إسماعيل. النتيجة كما هو واضح لا تبدو عظيمة حقا سواء نظرنا إلى استفحال العنف الديني، أو انتشار المشاعر الطائفية المعادية للأقليات، أو تفشِّى الخطاب الأصولى و«مبدأ» الحاكمية بكل ما ينطوى عليه من عنف. يبدو أن الأمر يتطلب بعض المراجعة للرواية السائدة فى تفسير الظاهرة. يرسم التنوير التقليدى صورة مفادها منحنى صاعد نحو التنوير، يبدأ من محمد عبده، ويصل إلى ذروته مع طه حسين، يعقبه منحنى هابط نحو «الظلامية» يبدأ من حسن البنا، وينتهى بقتل المبدعين والمثقفين، فيما يُعرَف ب«الصحوة الإسلامية». وهكذا يبدو الأمر وكأن ثمة مسارين مختلفين لا صلة بينهما، وكأنهما لم يتفاعلا ولم يتأثرا ببعضهما البعض. هذه الصورة التى تنقسم إلى أبيض وأسود لا تبدو حقا جديرة بأن تؤخذ بجدية كتفسير، أو حتى كتصوير للتاريخ أو لأزمة الإصلاح الدينى الحالية. من جهة أولى، ليس صحيحا أن الأصولية الإسلامية نابعة من التراث فى حد ذاته، أو قادمة من بيئة «صحراوية» أو مذهب بعينه، بل هى تنتسب بقدر أكبر للإصلاح الدينى نفسه، وإلى الحداثة بصفة عامة. على سبيل المثال فحسب، كان مُنَظِّر التكفير الأهم، سيد قطب، ابنا أصيلا للجماعة الثقافية المصرية الحديثة، فكان تلميذا للمفكر الليبرالى الكبير، عباس العقاد، وشاعرا رومانتيكيا، وقارئا للعلوم الحديثة والثقافة الأوروبية (التى أصبح يسميها الجاهلية لاحقا)، وناقدا أدبيا بارزا فى أهم مجلاتها الثقافية فى الثلاثينيات والأربعينيات، مثل «الرسالة» و«الثقافة» وعضوا فى حزب الوفد ثم الحزب السعدى، ومُصلحا اجتماعيا (بالكتابة) فى مجلة وزارة الشئون الاجتماعية منذ صدورها. وباختصار، ليس فيه أى شيء «أصولى» ولا مستورد، بل لم يكن فى تحوله الإسلامى متأثر أصلا بالإخوان الذين كان يحتقرهم حتى عام 1949. لعل هذا النموذج - الذى قد يستحق التفصيل فى مقال آخر - كافيا للتنبيه إلى ضحالة الصورة التى يطرحها التنوير التقليدي. لنعد إذن إلى البدايات، إلى أصول الإصلاح الديني، للبحث عما قد يوجد من صلات بين الإصلاح الدينى والأصولية. يعرف جميع المهتمين أن ثمة مسارا واصلا من محمد عبده إلى سيد قطب. فمن أهم تلاميذ الشيخ محمد عبده رشيد رضا، الذى اتخذ منحى أكثر سلفية بالمقارنة بأستاذه، وكان هو نفسه من أساتذة حسن البنا، وصولا إلى سيد قطب الذى انضم فى النهاية لتنظيم الإخوان وأخذ يجتهد لكى يطور عقيدة التنظيم ليكون أكثر مناعة تجاه النظام، بعد أن تعرض لقمع شديد فى الخمسينيات. يرى هذا المقال أن هذا المسار لم يكن مصادفة أو انحرافا عن مبادئ الإصلاح الديني، برغم أنه ليس النتيجة الوحيدة الممكنة له. لا شك أن الشيخ محمد عبده قد قدَّم اجتهادات منفتحة وإنسانية، تقف على النقيض من الاتجاه الأصولى وتشدداته، مثل قوله بإباحة فوائد البنوك، أو تقييد تعدد الزوجات. لكن من جهة أخرى كان المنهج الذى اتبعه الإمام محمد عبده يتيح أيضا السير فى مسارات مختلفة تماما عما انتهى إليه من أحكام فقهية. طرح محمد عبده فكرة أساسية مؤداها العودة إلى الأصول وفتح باب الاجتهاد الفقهى الذى أُغلق على المذاهب الأربعة السُنِّية الشهيرة، بغرض تحقيق توافق المسلمين والبلاد الإسلامية مع أوضاع الحداثة. كان هذا الموقف يعنى إنهاء التقسيم التقليدى للإسلام السُنِّى إلى مذاهب، وبالتالى تفكيك مجمل التراث الفقهى إلى عناصر متاحة فيما يمكن أن نسميه «وعاءً خليطا» من أحكام المذاهب القديمة (شافعية، مالكية، إلخ)، متاحة لانتقاء ما هو مناسب منها، بغير تقيد بأى مذهب بعينه، لتُصبح أشبه بمواد خام متاحة للانتقاء، والإضافة إليها باجتهادات جديدة، وفقا لاحتياجات العصر، مع التخلص من الباقي، باعتباره فقه عصور مضت. هذا التصوُّر يعنى بالضرورة تصور الإسلام ك«إسلام واحد» إسلام بألف لام التعريف، بلا بنية داخلية. بطبيعة الحال لم يكن ممكنا أن يسفر هذا التحول عن إجماع بشأن هذا الإسلام الواحد، لكن هدم «التقليد» - أى الإسلام التقليدى بمذاهبه المستقرة - أسفر عن صراعات عديدة على تحديده وصياغته وتوجيهه. الاختلاف طبيعي، لكن لم يكن من شأن المنهج الذى اقترحه محمد عبده أن يحصر هذه الاختلافات أو الصراعات فى الإصلاح بالمعنى الذى يقصده هو. صحيح أن كثيرين واصلوا مساره، لكن «التجديد الأصوليس» - إن جاز التعبير - أصبح أيضا متاحا. انطلق الأصوليون من فكرة وحدة الإسلام لكى يقيموا تصورا سلطويا عن «الإسلام» يقوم على إخضاع الدولة والبشر «لتصوُّر كلِّي» إسلامي، أى الأسلمة الشاملة للدولة الحديثة نفسها. مثلما انتقى الإصلاحيون ما رأوه يتفق مع العصر وأضافوا اجتهاداتهم، انتقى الأصوليون ما يتفق مع تصوراتهم عن الدولة السلطوية، وأضافوا اجتهاداتهم، من قبيل «فقه الحركة» الذى وضعه سيد قطب، ليحدد ما يُعتبر مشروعا أو غير مشروع فى بناء التنظيم الإسلامى وكيفية وصوله إلى السلطة. وفوق ذلك، فإن كل ما لم يختره الإصلاحيون من أحكام فقهية (سواء لأنها معادية للنساء أو للحريات أو شديدة العداء لأصحاب الأديان الأخرى، أو حتى تقنن أوضاع العبيد، وغير ذلك)، ظل متاحا للاتجاهات الأصولية والسلفية المتشددة، التى ظل بمقدورها أن تتهم الإصلاحيين بأنهم أهملوا ما لم يعجبهم من الأحكام، و«كذبوا على الله». بهذا المنطق، أصبح الإصلاح، مع انتشار الأصولية، أشبه بسُبَّة، بما أدى فعليا إلى دفع معظم المؤسسات الإسلامية، بما فيها الرسمية، نحو التشدُّد. كان الانتقاء من - والإضافة إلى - «الوعاء الخليط» الذى أقامه إصلاح الشيخ محمد عبده معتمدا فى الواقع على نوايا الفقيه، إصلاحية كانت أم أصولية أم سلفية. فوق ذلك أدى هذا النمط الإصلاحى إلى تدعيم مركزية الفقه على نحو غير مسبوق، بحيث أصبح الدين الإسلامى أشبه بمقدمة قصيرة فى العقيدة، الغرض منها الوصول إلى ضرورة اتباع الفقه. وبتسيد الرؤية الفقهية للإسلام، جرى توريث ضغائن الفقه تجاه جوانب ثرية أخرى من التراث الحضارى الإسلامي، مثل التصوف والفلسفة، وحتى الأدب، بحيث أصبحت مدانة، إن لم توصف بالكُفر. وترتب على مركزية الفقه أيضا تكريس المبدأ القديم الذى يضع الفقهاء فى موقع الوسيط الضرورى بين المسلمين ودينهم، بحيث لا يستطيع عامة المسلمين أن يستلهموا القرآن وغيره من مصادر المعرفة الدينية مباشرة، ليقتصر دورهم على الاختيار بين ما يذهب إليه «العلماء». لم يكن إصلاح الشيخ محمد عبده أصوليا بالضرورة، لكنه كان من شروط الأصولية، التى هى ابنة شرعية لهذا النمط من الإصلاح الديني. لقد تحددت أطراف الصراع على معنى الإسلام بشكل جديد فى ضوء هذا الإصلاح، ولم يعد يحتمل تغيرا كبيرا فى مساراته. الإصلاح الدينى فى حاجة إلى بداية جديدة. لمزيد من مقالات د. شريف يونس