من الصعب أن نحدد بدقة متى بدأ «سوس» الفساد والبيروقراطية ينخر فى بنيان الجهاز الإدارى للدولة المصرية، ولكن من السهل جدا أن نجزم أن هذا الكيان قد تحول إلى ما يشبه الثوب الخرق الآن وسواء كنا نتحدث عن مواطنين عاديين أو عن مستثمرين فالكل يشرب «المر» إذا قدر له أن يتعامل وجها لوجه مع طابور من الموظفين يصدرون للمترددين كافة التعقيدات والمشكلات كل بدءا بالروتين وانتهاء بالرشاوى والمحسوبية والاختلاسات، والنتيجة التى نعلمها جميعا أن السكوت على الفساد الإدارى لم يعد ممكنا بعد اليوم، ليس فقط لأنه سرطان يتغول وينتشر بخلاياه المميتة، وإنما لأن أى كلام عن نهضة أو تقدم أو رقى لهذا البلد يصبح هو والعدم سواء إذا لم نقض فعلا على هذا الفساد أو على الأقل نبدأ فى محاصرته بخطط العلاج والإصلاح. خطورة الفساد الإداري، حسبما يشرح لنا المستشار محمود العطار نائب رئيس مجلس الدولة، تأتى من كون الحكومة فى مصر تلعب دورا طاغيا فى الدولة، فهى تملك زمام المبادرة فى كل شيء حتى فى المسائل الاقتصادية وأمور التنمية، وهو ما أدركه نابليون بونابرت إذ كتب فى مذكراته: إن الجهاز الحكومى المصرى له أثر مباشر على الاقتصاد والتنمية، وهنا يبرز الفرق بين حكم البطالمة. حيث استقام الجهاز الإدارى المصرى فكان الرخاء، وحكم الرومان حيث فسد الجهاز الإدارى المصرى فحدث الخراب. ولذا يكمل المستشار العطار فإنه دون إصلاح الجهاز الإدارى المصرى والدخول فى حرب مفتوحة ضد الفساد من داخله فلا أمل فى أى إصلاح أو نهضة اقتصادية حقيقية بل ستكون وقتها مجرد عملية تجميل ظاهرية لواقع ملئ بالعفن، ورغم أن الفساد ظاهرة عالمية سواء فى الدول المتقدمة أو المتخلفة فإن هناك فارقا هائلا بين الجانبين فى هذا الأمر، لأن الدول المتقدمة لا تألو جهدا فى فضح الفساد وملاحقته بكل الطرق ومحاصرته والقضاء عليه، أما الدول المتخلفة فهناك تقاعس أو تواطؤ فى ملاحقة الفاسدين، أو تكتم على قضايا الفساد ربما لكونها تمس شخصيات معينة تحظى بالقرب السياسى من دوائر صنع القرار أو تملك المقدرة الاقتصادية على إسكات الأصوات، مماجعل الجهاز الإدارى فى هذه الدول يصبح وكأنه مؤسسة فساد مستقلة بذاتها ونفوذها، الأمر الذى دعا البعض لإطلاق تعبير (دولة القرصان) عليها. ويؤكد محدثنا أننا يجب أن نعترف أولا بخطورة وضع الجهاز الإدارى فى مصر الذى ربما لا يشبه أى دولة أخري، فهو أولا جهاز متضخم كما وعددا فلدينا جيش من الموظفين، يمثلون بطالة مقنعة، فالدراسات تشير إلى أن عدد الموظفين فى مصر يصل إلى 27% بالنسبة لعدد السكان، بينما فى دولة مثل بريطانيا تصل النسبة إلى 1،3% من عدد السكان، أما بالنسبة للإنفاق الحكومى فتكاليف الجهاز ورواتب الموظفين تلتهم 57% من ميزانية الدولة مقابل 10% فقط فى بريطانيا!. ويطالب بأن نبدأ فى إجراء دراسة عميقة وجادة حول أسس الإصلاح ولا مانع من أن يتولاها خبراء أجانب لما لهم من مقدرة على ضبط آداء هذا الجهاز، ومما يذكر أن هذه المشكلة أزلية فى مصر، وأن الملك فاروق كان ممن تنبهوا إليها وحاول الاستعانة بخبراء إنجليز للإصلاح. ويجب أن تنطلق أى حلول من الاعتراف بأمراض الجهاز الحكومى فى مصر وأهمها الفساد والبيروقراطية وانخفاض الكفاءة والإنتاجية، فمتوسط عمل الموظف المصرى لا يتجاوز 13 دقيقة يوميا هذا خلاف الإجازات والعطلات، ونتحدى أن يكون هناك إهدار للوقت والقيم كما يحدث فى الجهاز الحكومى المصري، ففى الخارج لم أر مطلقا مشهد الموظف الحكومى الذى يقول لضيوفه: (اتفضل اشرب شاى أو فطار) ومع الأداء المنخفض والعمل المحدود هناك ثقافة مصرية أصيلة تتعامل مع الوظيفة الحكومية بمنطق: (إن فاتك الميرى اتمرغ فى ترابه).. ومادام أن الموظف المصرى ينظر للوظيفة على أنها مجرد ضمان لدخل ثابت أو معاش مستقبلي، أو أن العمل فيها يجب أن يظل محدودا ليتناسب مع الراتب (على قد فلوسهم) فلا يمكن أن نتوقع من مثل هذه العقلية العطاء والجهد اللذين نرجوهما لمصر فى الفترة المقبلة. كيف يمكن أن نواجه الفساد الإدارى الضارب بجذوره فى القطاع الحكومى المصري؟ الإجابة جاءت على لسان المستشار أحمد الخطيب بمحكمة استئناف القاهرة مركزة فى ثلاثة محاور أٍساسية: أولا : هو اعتماد منهج إدارى لاختيار شاغلى الوظائف القيادية والإدارية العليا من أهل الكفاءة والخبرة وليس من أهل الثقة كما هو معمول به فى الأغلب، وبذلك نبتعد تماما عن اختيارات الواسطة والمحسوبية، التى إذا طبقت فى القيادات فلا تنتج إلا سلسلة من الوسائط والمجاملات والفساد، لأن القيادة غير الكفء ستظل حريصة على اختيار معاونيها من الموالين لها ومن أصحاب نفس المنهج القائم على المصالح وعدم التمسك بالقيم. ثانيا: إصدار القوانين والتشريعات اللازمة لسرعة مواجهة الفساد الإدارى والوظيفي، وما يترتب عليه من انحرافات مالية سواء فى مجال المزايدات او المناقصات او التعاقدات الحكومية والتى تعد المجال الأخصب لنمو الفساد وتفشى الرشوة والمحسوبية، وذلك بتشديد العقوبات على جرائم المال العام، ولا مانع من التوسع فى مبدأ العفو عمن يرشد أو يبلغ عن أى من هذه الجرائم بما يسهم فى استعادة الأموال المنهوبة. المحور الثالث: وجود إرادة سياسية لديها الرغبة الصادقة فى مواجهة هذه الظاهرة المتفشية، ويعد تبنى فكرة إنشاء مفوضية عليا لمكافحة الفساد من أهم الخطوات التى تساعد على المواجهة الحقيقية بما لها من دور كبير فى توحيد وتنظيم سياسات الأجهزة الرقابية فى مصر على اختلاف أنواعها والتنسيق فيما بينها ووضع رؤية استراتيجية واضحة تحكم عمل هذه الأجهزة سواء كانت الرقابة الإدارية أو الجهاز المركزى للمحاسبات أو البنك المركزى والتنسيق أيضا مع الجهات القضائية لتشكيل منظومة يكون هدفها الكشف عن الفساد واستئصاله وعمل محاكمات عاجلة لمعاقبة المفسدين بشكل يساعد على تحقيق الردع المجتمعى لأى شخص يجول بخاطره ارتكاب مثل هذه الجرائم. ويضيف المستشار الخطيب: أننا يجب أن نتحرك سريعا فى هذا المجال واضعين نصب أعيننا المركز المتقدم لمصر فى التصنيف العالمى للدول التى تعانى من الفساد.