سأحكي عن ثلاثة شبان بلا تجربة هامة في الحياة ، اتفقوا في معتقل الواحات الخارجة ..أنهم سوف يكتبون عن السد العالي . كان ذلك في وقت بلا زمن محدد .. فالوقت في السجن له زمنه الخاص ..لكن بالتأكيد (قد) يكون عام 63 .. أي قبل الخروج المفاجئ من المعتقل عام 64 بقرار من رئيس الجمهورية جمال عبد الناصر . كنت الوحيد من بين الثلاثة له «معرفة « بأسوان . خالي صليب بطرس صليب كان يعمل في هيئة السد العالي في وظيفة «مراقب عام الحسابات» يسكن في فيلا تابعة لوزارة الري (خالي أعزب) وكنت ازوره في عطلة نصف السنة.. قبل إن يتم اعتقالي ومحاكمتي بتهمة (حقيقية) وهي الانضمام لتنظيم شيوعي عام 1960.. .. تم خروجنا من المعتقل على دفعات عام 1964 وتم العفو عنا بعد ذلك بأشهر قليلة.. وكنت أقيم مع الاسرة في إسكندرية. انتهزت فرصة العفو ونزحت نهائيا إلى القاهرة التقي بأصدقاء السجن: كمال القلش وصنع الله إبراهيم وعبدالحكيم قاسم.. وبدأنا نخطط لرحلة السد العالي ونحن لا نملك نقودا أو حتى خطة عمل.. كان صلاح حافظ رفيقنا السابق في الواحات قد تسلم منصبا إداريا وصحافيا هاما في مجلة روز اليوسف.. اتصل به صنع الله وكمال ليقنعاه بتولي المجلة تمويل الرحلة فوعد خيرا وعدا مطاطيا، بان يدفع لنا مقابل ما نبعث به من أخبار ومادة عن السد. ولم يقل لنا كم سيدفع ولم نلح في السؤال.. لكن هذا أيضا لم يكن كافيا... وكنت اعرف مراسل وكالة تاس السوفيتية بالصدفة، لتردده على المكتبة التي كنت اعمل فيها والتي تمتلكها أرملة رفيقنا شهدي عطية الشافعي الذي قُتل تحت التعذيب في السجن.. قلت له على مشروع السد.. فكر وقال سيرد علينا.. وبعد ايام طلب لقاءنا وقال إن الوكالة يهمها إن تنشر لكتاب مصريين عن تجربة كتابتهم عن السد.. وانه على استعداد إن يدفع مبلغا بسيطا مقدما أظن حوالي مائة جنيه، تكاليف سفر وإقامة ، حتى يستلم «الشغل» وقلنا له بحماسنا سنكتب ما نراه بدون تدخل منه لأننا نؤمن بالسد كمشروع لا مثيل له في تاريخ مصر الحديثة.. .................................... استدنا أيضا من أصدقائنا قدرا من النقود احتياطي وسافرنا في الدرجة الثانية في القطار المتجه إلى أسوان بعدها بأيام قلائل! وحينما نزلنا في الصباح المبكر في محطة أسوان الموحشة أخذنا حنطورا إلى بيت الشباب الذي كنا قد سجلنا عضوية فيه باقتراح من صنع الله وأعطونا غرفة بثلاثة سرائر وقالوا انها لمدة ثلاثة ايام على الأكثر وبعدها ندبر حالنا.. حللنا مشكلة النوم مؤقتا. .. بدأت نقودنا تنفد بعد إن ذهبنا إلى فندق رخيص وأقمنا في غرفة واحدة ثلاثة أسرة في عز اغسطس 1964.. .................................... هاهم الروس هنا أمامنا ولكن لا يمكن الحديث معهم ..«رفاقنا» لكنهم لا يكلموننا.. يركبون أتوبيسات مخصصة لهم. عرفنا إن لهم ناديهم لا يقبل وجود اهل البلد فيه .يسكنون في مستعمرة خاصة بهم لا يشاطرهم مصريون.. أسلمنا قيادتنا إلى صنع الله اعتقادا منا كمال وأنا انه أحسن مننا في التنظيم وهذا حقيقي إلى حد كبير.. قرر إن نكون في أسوان في اغسطس بدعوى إثبات اننا جادون ولسنا نرغب في قضاء الشتاء في أسوان . اكتشفنا بعد ذلك إن وجودنا في الصيف أعاق عملنا كثير... وحينما قاربت ميزانيتنا بعد ايام قلائل، على الانتهاء، قررنا اللجوء إلى خالي في فيلته الكبيرة.. لكنه يبدو انه خاف منا.. هو «موظف كبير» لا علاقة له فعليا بالسياسة..موظف مصري تقليدي.. وبدلا من إن يستضيفنا في منزله.. قرر أن يتخلص منا بشكل عملي وان يقدمنا إلى المهندس إبراهيم زكي قناوي، ممثل الوزير في موقع السد .. بالفعل التقينا قناوي. موظف عالى المقام لأنه مهندس وبناء سدود، وليس موظف حسابات قبطيا يخاف من خياله اسمه «صليب»! لسبب غامض قرر قناوي إن يساعدنا، منذ اللقاء الأول.يبدو إن خالي شرح له موقفنا، هاتف المهندس حسب الله الكفراوي، رئيس بعثة المقاولين العرب في السد، وطلب منه، أن يوفر لنا غرفة وثلاث وجبات في استراحة المقاولين .. بعد ساعات قليلة كنا في غرفة واسعة مكيفة الهواء بمطعم مكيف أيضا . بالطبع كان السد «مؤمنا» امنيا ضد التخريب.. وكنا نتوقع إن يستعدينا «الأمن» في أسوان أو السد ليسألنا أو «ليتعرف» علينا.. لكن هذا لم يحدث.. طوال اقامتنا بمنطقة السد لأكثر من شهرين.. يبدو إن كلمة في صالحنا من «مسئول نافذ».. فتحت لنا الأبواب.. كان مراسل تاس قد أعطانا اسم كبير المهندسين الروس هناك في السد وهو مشهور باسم « ابو سنة دهب» وتحولت بعد ذلك ابو ضحكة دهب.. لكي نستطيع من خلاله الالتقاء بالمهندسين والخبراء الروس. .................................... قسمنا العمل ..أصبحت مسؤول النيل.. اي علي إن اعرف كل شيء عن النيل.. كمال سيقوم بالحوارات مع المصريين من سواقين إلى صناع الشاي والسندوتشات.. وعمال ومهندسين. صنع الله مع المهندسين الروس.. احيانا نشاركه وأحيانا بمفرده. تأسست علاقة «أبوية» مع إبراهيم زكي قناوي.. وحافظ كمال، استمرت هذه العلاقة حتى بعد انتهاء بناء السد، الى وقت وفاة قناوي.. كمال كتب عن مآثره.. المصري الذي شارك في تعلية خزان أسوان وبناء سدود وخزانات أخرى. انه بالفعل كما أطلق عليه كمال «كاهن النيل»! .................................... قررنا الذهاب إلى «ابو سمبل» لمراقبة تقطيع صخور المعبد الكبير والكتابة أيضا عن هذه التجربة الفريدة ..لكني سقطت صريعا للحمى.. كانت «ضربة شمس» قوية ثم تحولت إلى حمى غامضة.. وبالطبع حملوني إلى المستشفى الخاص بالمقاولين العرب، لكن الوقت لم يكن في صالحنا، فقرر صنع الله وكمال السفر إلى ابو سمبل وتنفيذ خطة العمل . قرأت ثلاثة كتب هامة عن النيل. كتاب «النيل» للنمساوي إميل لودفيج.. ثم كتابي «النيل الأبيض والنيل الأزرق» للبريطاني آلان مورهيد.. هذه الكتب أسست عندي بداية اهتمامي العلمي بالنيل .. خرجت من تجربة السد بمسرحية عنوانها النفق؛ عن حكاية حقيقية سمعتها من العاملين هناك: عن نفق كان ينهار دائما قبل إكماله.. قال العمال إن الجبل يريد «ضحية» خاطبوا المهندسين الذين اخبروا صدقي سليمان (وزير السد أيامها) فقال.. نذبح عجلا ونوزع لحمه زكاة . ذبحوا العجل.. أعجبتني الفكرة فكتبت المسرحية مؤسسا إياها على مبدأ «التضحية» وعلى العمل المشترك بين ثقافتين مختلفتين. هي مسرحية ساذجة ومباشرة. صنع الله قدم له السد فكرة روايته الثانية المهمة «نجمة اغسطس».. كمال قدم له السد حب النيل .سافر بعد سنوات من خروجنا من أسوان مع صندل كبير في النيل يحمل اول توربين لتوليد الكهرباء، قادم من الاتحاد السوفيتي. وصاحبه من ميناء إسكندرية حتى أسوان، وكتب سلسلة تحقيقات خاصة في آخر ساعة بعنوان «التوربين». كتابنا تمت طباعته في موسكو بعد ترجمته. عنوانه بالعربية «إنسان السد العالي».