قائد قوات شرق القناة: استصلاح 790 ألف فدان وتنفيذ 155 مشروعا تعليميا لخدمة أهالي سيناء    رويترز نقلًا عن التلفزيون السوري: سماع دوي انفجارات في العاصمة دمشق وريفها    بريطانيا توجه اتهامات ل3 بالحرق العمد لسيارات إسعاف    أستاذ علوم سياسية: لا يمكن تحريك وحدات النخبة الأمريكية للمنطقة دون عمل عسكري    رويترز عن مصادر: المخابرات الأمريكية ترى أن إيران لن تخفف قبضتها على مضيق هرمز قريبا    خبر في الجول - الأهلي يستعيد ياسين مرعي بعد تعافيه من الإصابة    إنريكي: راموس يقاتل طوال الوقت ويظهر أنني أخطئ في حقه    مابولولو وأفشة يقودان قائمة الاتحاد لمواجهة الجونة في الدوري    كونسيساو بعد الفوز على الحزم: انتصار صعب وطموحنا التتويج بدوري أبطال آسيا    ضبط سائق توك توك تعدى على طالبة وحطم هاتفها المحمول بسبب "الأجرة" في سوهاج    مسرح نهاد صليحة بأكاديمية الفنون يقدم عروضًا وورشًا فنية متنوعة خلال إبريل 2026    ترامب: لن أقول ما قد تفعله أمريكا حال تعرض الطيار للأذى في إيران    حزب الله: اشتبكنا مع قوة إسرائيلية متموضعة قرب مثلث التحرير وحققنا إصابات مؤكدة    ماذا تقول اللائحة حال تعادل ليفربول والسيتي في كأس الاتحاد؟    بمشاركة حمدي فتحي.. الوكرة يقسو على قطر برباعية    انضمام محمد عواد لقائمة الزمالك استعدادًا لمواجهة المصري واستبعاد صبحي    تأهل بيراميدز لنهائي كأس مصر يقرب زد من الكونفدرالية    "القاهرة الإخبارية": اتصال بوتين وأردوغان يدعو لتحرك دبلوماسي لاحتواء الأزمة وحماية أمن الطاقة    الداخلية تضبط سائق توك توك تعدى على طالبة وحطم هاتفها بسوهاج    "القاهرة الإخبارية": الغزو البري الإسرائيلي لجنوب لبنان بدأ فعليًا.. والتوغل يتجاوز 10 كيلومترات    استشاري جراحة: وجدنا شاي ناشف داخل رئة طفل بسبب وصفة منزلية    التعليم العالي: دعم الابتكار الطلابي وتحويل الأفكار إلى حلول مجتمعية    وزارة التعليم تكشف حقيقة قرار تحديد الوحدات الأخيرة من المناهج للقراءة فقط    بعد الانتقادات اللاذعة للجزء الثاني.. طارق العريان يعلن: يتم العمل الآن ل «سلم وتعبان 3» للمراهقين    فرح الموجي تفاجئ أحمد جمال بعيد ميلاده الأول بعد الزواج بحضور نجوم الغناء    أسعار السلع التموينية في أبريل 2026 ومواعيد عمل المنافذ    إصابة سيدة ونجلها بطلق ناري في ظروف غامضة بقنا    تحديد مصدر تسرب بقعة السولار بترعة الإسماعيلية بالقليوبية وغلق الخط    الأوقاف: يوم اليتيم مسئولية إنسانية ودينية تؤكد قيم التكافل وبناء المجتمع    كشف ملابسات واقعة التحرش في حلوان    مقهى يتخفى داخل محطة بنزين بالقليوبية هربا من قرارات الغلق    طلاب "من أجل مصر" بعين شمس يشاركون في ورشة "مواجهة مخططات إسقاط الدولة"    محافظ الوادي الجديد تتابع توفر السلع الأساسية والجاهزية لموسم حصاد القمح    وليد ثابت: "كرامة المبدع" ليست شعارًا عاطفيًا.. وأسعى لسد "فجوة المعاش" بدراسات علمية    احتفال عائلي مميز.. عمرو أديب ولميس الحديدي يحتفلان بخطبة نجلهما    الداخلية تكشف ملابسات فيديو طالب عالق بشرفة مدرسة بالقليوبية    عاجل.. إصابة 10 أشخاص فى حادث انقلاب أتوبيس أثناء ذهابهم إلى حفل زفاف فى الغربية    رئيس الطائفة الإنجيلية يشهد رسامة وتنصيب القس مينا غطاس بمُنشية ناصر بديروط    بالصور.. تكريم سهير المرشدي وسيف عبد الرحمن ومحسن محي الدين في ختام مهرجان الأقصر الأفريقي    الجمعة العظيمة في لبنان.. طقس روحي جامع    محافظ الإسكندرية يشهد احتفالية «أطفال بلا سرطان»    عضو بالشيوخ: استجابة وزير الصناعة لمقترح تطوير التعدين خطوة مهمة لتعظيم القيمة المضافة    يا منتهى كل رجاء    أناكوندا.. رمزية تناول الموروثات الاجتماعية في "شباب الجنوب"    نقابة المهندسين بالإسماعيلية تبدأ أولى لقاءاتها المباشرة لتطوير منظومة مزاولة المهنة    أوقاف كفر الشيخ تواصل عقد «مقارئ الجمهور»    وزيرة التنمية المحلية والبيئة: إزالة مباني مخالفة بحي ثان المحلة الكبرى واتخاذ الإجراءات القانونية تجاه المخالفين    فيديو| لماذا لجأت مصر ودول أخرى لترشيد استهلاك الطاقة؟    إعلام الوزراء: لا صحة لرفض شحنات فراولة مصرية مصدرة للخارج لاحتوائها على مواد مسرطنة    محافظ الدقهلية: تحرير 141 مخالفة تموينية خلال يوم واحد    إنجاز غير مسبوق.. تعليم الأقصر يحصد مراكز متقدمة في مسابقة الإذاعة المدرسية بجميع المراحل التعليمية    بسام راضي يستقبل وفد الكنيسة المصرية بروما    الصحة: افتتاح وحدة تطعيمات بمركز الخدمات الطبية للجهات القضائية في منطقة التوفيقية بالقاهرة    الرعاية الصحية: مستشفى طيبة التخصصي قدمت 3.5 مليون خدمة طبية بالأقصر    الصحة تطلق عددا من الفعاليات احتفالا باليوم العالمي للتوعية باضطراب طيف التوحد    فضل عظيم وسنة نبوية..... فضل قراءة سورة الكهف يوم الجمعه    خشوع وسكينه..... ابرز أذكار الصباح والمساء يوم الجمعه    أوقاف جنوب سيناء تطلق حملة شاملة لنظافة المساجد وإزالة مياه الأمطار من الأسطح    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



استحضار «السّياب» فى ذكراه الخمسين
نشر في الأهرام اليومي يوم 11 - 05 - 2014

تلبية لدعوة من معرض أبوظبى الدولى للكتاب، أتيحت لى المشاركة فى إحدى ندواته الرئيسية، عن الشاعر العراقى الكبير بدر شاكر السياب فى مناسبة ذكراه الخمسين التى تحين فى هذا العام، وبالتحديد فى الأسبوع الأخير من شهر ديسمبر. قام بتنظيم الندوة اتحاد كتاب وأدباء الإمارات بعد إعلان المكتب الدائم لاتحاد الكتاب العرب عام 2014 عامًا للسياب. وكان جميلاً ومؤثرًا أن ألتقى من خلال الندوة بابن السياب «غيلان» الذى درس فى أمريكا، وعاد منها مهندسًا يعمل فى شركة أرامكو بالسعودية.
كان اسم «غيلان» الذى تردد فى عدد من قصائد أبيه السياب، مدعاة لتساؤل قرائه عنه، حتى أدركوا أنه الاسم الحقيقى للشاعر « ذى الرمة» الذى عشق البادية وسجل مشاهدها وظواهرها وحيواناتها فى صور حية نادرة المثال بديعة التصوير، وارتبط اسمه بمحبوبته «مية». وقد ولد وعاش فى ختام القرن السابع وأوائل القرن الثامن الميلادي. ويبدو أن إعجاب السياب بهذا الشاعر القديم وشعره كان سببًا فى تسمية ابنه الأكبر به، وقد توفى السياب وابنه غيلان فى السابعة من عمره.
أعود إلى ندوة أبو ظبى عن السياب، وقد كانت حافلة بالذكريات البعيدة التى جمعتنى بالسياب حين جاء إلى الكويت فى ختام رحلة علاجه بعد أن طاف بلندن ودَرمْ وباريس وبيروت والبصرة، قبل أن تستضيفه الكويت فى مستشفاها الأميرى فى منتصف عام 1964 للعلاج مما أصيب به من شلل كامل. كنا ثلاثة ننتظره فى الموعد المحدد لوصوله إلى مطار الكويت: الشاعر الكويتى على السبتى والناقد الفلسطينى ناجى علوش وأنا. وحين صعدنا إلى سلم الطائرة كان جالسًا فى انتظار أن يحمله أحد. وحين حملته من رأسه - ويبدو أنى كنت مبالغًا فى الإمساك به - قال فى لهجة مرحة: حافظ على رأسى يا فاروق، إنه العضو الوحيد الحيّ فى جسدي. وفى المستشفى تحولت غرفة بدر صباحًا ومساء إلى صالون أدبي، بالرغم من أن حالته الصحية كانت فى تدهور وقروح جسمه - نتيجة لرقاده الدائم - تتزايد، وإحساس زواره أن مرضه العضال الذى أصيب به منذ عام 1960 سيقضى عليه فى النهاية، بعد أن طاف بمستشفى الجامعة الأمريكية فى بيروت، ثم فى إنجلترا، وكان دخول المستشفى الأميرى فى الكويت بتاريخ السادس من يوليو عام 1964، حيث قضى ما يقارب ستة أشهر، وانتكست حالته الصحية عدة مرات، حتى كانت وفاته فى الرابع والعشرين من ديسمبر عام 1964م.
كان صالون بدر فى مستشفى الكويت الأميرى يتوهَّج عندما يبدأ فى الكلام متحدثًا عن مكوناته الأولى فى كلية دار المعلمين حيث كان تعرّفه بالشاعرة العراقية الكبيرة نازك الملائكة، واتفاقهما على إصدار ديوان مشترك، لكنه لم يصدر. ونجح فى إصدار ديوانه الأول « أزهار ذابلة» فى القاهرة بواسطة بعض أصدقائه فى خريف عام 1947، ولم يوفَّق فى إصدار قصيدته المكونة من ألف بيت التى أرسلها إلى الشاعر على محمود طه لكتابة مقدمة لها، ويبدو أنها ضاعت عنده، وفقدها السياب إلى الأبد. كنت أقضى عامًا فى الكويت خبيرًا فى إذاعتها لتدريب مذيعيها، وتزويد القسم الأدبى فيها بعدد جديد من البرامج الثقافية. وكان شباب الكويت المتطلع إلى الالتحاق بالجامعة التى كانت فى طور الإنشاء، بكل ما لديهم من موهبة واستعداد فطرى وطموح كبير، هم دعامة ما تحقق فى إذاعة الكويت من تطوير وازدهار، وكان مجيء السياب إلى الكويت فى منتصف هذا العام الوحيد الذى عشته بعيدًا عن الوطن بمثابة منعطف كبير فى حياتى شعريًّا وأدبيًّا وفكريًّا، كما كان صالونه مناسبة لكى نسمع فى الصباح ما أبدعه فى الليل من شعر يمليه على ممرضته التى تكتبه بخطها غير الواضح وأخطائها الإملائية، لكى نعيد تصويبه وحفظه لديه. ولم تكن تمر ليلة على السياب وهو أسير غرفته فى المستشفي، يرى نفسه وحيدًا مسكونًا بالهواجس والأشباح وصور الجن، إلا وهو يواجه احتمال الموت ويتحداه بالمزيد من شعره، وحكاياته، وروايته لشعر شعراء الرومانسية الإنجليز الذين أعجب بهم وترجم العديد من قصائدهم، وأهداهم كثيرًا من مقطوعاته وفى مقدمتهم: وردزورث وكيتس و إديث سيتْويل وستيفن إسبندر وشيلي.
وتحدث «غيلان» عن مختزنات ذاكرته فى الطفولة عن أبيه الأب والإنسان، وكيف كان دائمًا مبتسمًا ومرحًا حتى عندما دخل مرضه مرحلة حرجة، ولم يكن يتبرَّم؛ بل ظل مليئًا بالحيوية. كما حكى عن قدرة أبيه على تأليف القصص، وكانت موهبته هذه تشمل ما حوله من الأماكن ومن حوله من الأشخاص، وحتى نوعيات الطعام. كما فسّر كتابة عدد من القصائد تدور حوله بالذات، بأنه كان الأقرب إلى قلب أبيه، وأنه رافقه فى رحلة علاجه عندما قصد بيروت. وقال إنه لم يبق من كل مقتنيات أبيه إلا قلم، وإن معظم الصحفيين ومُدّعى الكتابة الذين مرّوا ببيت السياب بعد وفاته نهبوا العديد من المخطوطات والمقتنيات التى لم يعيدوها، حتى التسجيلات الصوتية التى كانت بصوته فى إذاعة بيروت لم يعد لها وجود. وكان لحرب العراق تأثير كبير فى نهب كثير من أوراق السياب وضياعها.
يبقى أن الاحتفال بخمسينية السياب فى أبوظبى أو فى أى مكان آخر من عالمنا العربي، هو تأكيد لحضور السياب بوصفه فى طليعة رواد حركة الشعر الجديد أو الشعر الحر، وأن عروبة شعره ورصانتها قد أقامت جسرًا لسدّ الفجوة بين قصيدة الشعر العمودى - بكل شموخها وجلالها - وقصيدة الشعر الحر، التى نفخ فيها من روحه الشعرية، وتحدّى بها بنيان القصيدة العمودية، فجاءت قصيدته الجديدة حاملة لعمود الشعر الحر، الذى يتوقف أمامه قارئه حتى الآن بكل الإعجاب والدهشة والانبهار فى قصائده الباذخة مثل: أنشودة المطر، وغريب على الخليج، وملحمته عن بورسعيد، وأيوبياته فى المرحلة الأخيرة من رحلته الشعرية، ومن رؤيا فوكاي، وفى المغرب العربي، والمومس العمياء، ومرثية الآلهة وغيرها من روائعه. يقول فى مستهل «أنشودة المطر» التى أبدعها وهو فى الكويت عام 1954 مبعد عن وطنه العراق، يتطلع إليه عبر أمواج الخليج العربي، ويتابع جهاد الملاحين وصيادى اللؤلؤ والذين يشعرون أنه لم يمر عام على العراق إلا وفيه جوع:
عيناكِ غابتا نخيلٍ ساعةَ السَّحرْ
أو شرفتانِ راح ينأى عنهما القمرْ
عيناكِ حين تبسمان تُورق الكروم
وترقصُ الأضواءُ كالأقمار فى نَهرْ
يرجُّه المجذاف وهْنًا ساعة السّحَرْ
كأنما تنبضُ فى غوريْهما النجومْ!
ولسوف تبقى القصيدة السيّابية، الغنية بعروبتها الأصيلة، البعيدة عن الهجنة والغرابة وشبهة الترجمة، وحسّها الوطنى والقومى والإنساني، علامة فارقة فى ديوان الشعر الحرّ أو الجديد كله، تحتلُّ منه موضع الصدارة والتفرُّد، وتحظى بالمكانة اللائقة بها، ريادة شجاعة، وإبداعًا دائم القدرة على التجدُّد والحياة.
لمزيد من مقالات فاروق شوشة


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.