إحقاقا للحق ليس البرلمان التركي وحده, الذي يحدث فيه تراشق بالالفاظ الجارحة والمشاجرات, التي قد تصل أحيانا إلي حد التشابك بالأيدي, لكن الجديد هو أن ما ينتعله النواب بدا وكأنه سلاح للحرب بينهم تارة وضد من يستضيفونهم تارة أخري كل تحت القبة وأمام مرمي ومسمع الدنيا بأركانها الأربعة, ولايمكن أن تمر مشاهد المصارعة البرلمانية دون تندر العامة في عموم الاناضول, فبجانب تهكمهم واستهاجنهم جاءت سخريتهم لاذعة وقاسية, فبعد أن شوهدت الأحذية مخزنا لمئات الالاف من الدولارات ها هي وقد أصبحت وسيلة للركلات والضرب تحت وفوق الحزام. وبدلا من الشجب والاستنكار, جاء صوت رئيس الحكومة الذي كان متواجدا خارج البلاد في جولة بجنوب شرق آسيا وقد القي باللائمة علي رئيس مجلس القضاء الأعلي, لأنه ذهب ليشرح ويؤكد عدم دستورية مشروع القانون الحكومي الذي يهدف إلي إنتهاك استقلالية النظام القضائي. وهنا تكمن المعضلة, فهدم تلك المؤسسة يعني في النهاية, تكريس الاستبداد الاردوغاني, وعلي نحو يدشن لصياغة مغايرة تماما للجمهورية الكمالية بمكاسبها التي تحققت طوال تسعة عقود, وهو ما دعا المعارضة ان تصفه بالشيء المروع الذي لم تشهده البلاد علي مدار تاريخها بما فيها حقبتها الإمبراطورية العثمانية الطويلة, وعلي ضوء ما هو مرئي ومعيش, شنت ميديا مقروءة تنوعت منطلقاتها الفكرية ما بين قومية ومحافظة ويسارية, هجوما كاسحا علي رجب طيب أردوغان, واصفة ممارسات حكومته الأخيرة بالفاشية, وفي افتتاحيتها, اعتبرت صحيفة راديكال أن تركيا تعيش حالة شبيهة بتلك التي عاشتها ألمانيا إبان حكم أودلف هتلر, عندما قام بعد فوزه في الانتخابات النيابية, بتجميع كافة الصلاحيات بيده, واضعا بلاده علي طريق الكارثة. وهكذا فأزمة الفساد التي تفجرت يوم السابع عشر من ديسمبر الفائت, والأساليب السلطوية لمعالجتها, من شأنها أن تجرف في طريقها كل أسس الديمقراطية والدولة الحقوقية, ومع فرض الرقابة الشاملة علي الإنترنت سوف يصبح الأناضول مثل صومال معدل. ومن مفارقات القدر أنه بفضل صعود العدالة والتنمية وتوليه مقاليد الأمور قبل أكثر من عقد, ويقظة زعيمه الغيور, تتداول أمام إحدي المحاكم الجنائية في إسطنبول قضية عنونت بمرحلة28 فبراير1997, وفيها أطاح مجلس الامن القومي والذي كان يسيطر عليه العسكريون آنذاك, بحكومة الراحل نجم الدين اربكان المنتخبة, في عملية عرفت بالانقلاب الابيض, والهدف هو عقاب المتآمرين أصحاب البيزات والنياشين لأنهم انقضوا علي الحكم المدني المنتخب. ومن ثم, وهذا لا يجب أن يثير الدهشة فأردوغان لا يخالجه أدني أشك في أنه ديمقراطي حتي النخاع, والدليل علي ذلك إشاراته الدائمة إلي أن هناك من يحارب الديمقراطية, ويبدو أنه من فرط ترديده لها بات يصدق أنه بالفعل يخشي علي الحرية التي تضيع, وما حدث من مزاعم فساد ما هي إلا بقعة سوداء في تاريخ تركيا الديمقراطي وخيانة أسوأ من أي انقلاب عسكري شهدته البلاد في العقود الماضية. لكن كيف والاتراك يعيشون أجواء, لا يمكن نعتها إلا بالانقلابية, صنعتها حكومة أردوغان, وفي جمل آخاذة إستطاعت صحيفة ميلليت أن تلخص الحاضر قائلة: عندما يحدث انقلاب عسكري, يضرب بالدستور عرض الحائط, وتلغي الفواصل بين السلطات, ويربط الانقلابيون القوانين ومعها السلطة القضائية بهم, ثم يضعون المجتمع تحت الضغط والقمع, هذا ما عشناه قبل33 عاما بالضبط,( في إشارة إلي إنقلاب الجنرال كنعان إقرين في12 سبتمبر1980), وهذا ما يحدث اليوم من جانب سلطة العدالة والتنمية الحاكم. غضب الصحافة المحلية, وجد من يؤازره في القارة العجوز, فإحدي الدوريات النمساوية الشهيرة لم تجد سوي توصيف اطلقته هضبة الاناضول بأنها أصبحت جمهورية الموز وكأنها ترد علي اردوغان عندما قال مزهوا أن بلاده ليست كذلك, ومضت الصحيفة مستغربة من حكومة أنقرة التي لم تبد اهتماما بفضيحة الفساد بقدر استيائها من طريقة الكشف عنها, حيث إنها لم تفتأ عن معاقبة كل من له علاقة بفتح ملف التحقيق فيها. وحتي اللحظة يتواصل مسلسل إقصاء رجال الشرطة من مواقعهم الوظيفية, تأسس علي ذلك إتساع دائرة الخوف وتنامي الهواجس لدي شرائح عريضة من الشعب بشأن المستقبل, بالتوازي أخذت الفجوة تزداد بين جناحي أهل الحكم: رئاسة الجمهورية ومجلس الوزراء, فالأولي لم تعد تخف إعتراضاتها, وملاحظاتها باتت واضحة للعيان, وأمس الأول كانت دعوة الرئيس عبد الله جول صريحة بضرورة إعادة النظر في مجمل السياسات داخليا وخارجيا مبديا إعترافا ضمنيا بوجود فشل علي الاصعدة كافة, فالسنة الفائتة, توجت مثالب لم تكن بالقليلة, وكان هناك جهد جهيد كي لا تطفوا, ولكنها وبضغط الغضب طفت علي السطح. والأيام تمضي واستحقاق المحليات يقترب والعاصفة لم تهدأ والمناوئون يزدادون, والأهم أن جول بدأ يخرج عن حياده, مبتعدا عن رفيقه أردوغان, منحازا إلي صرخات مواطنيه, مبديا تفهما لتذمر النخبة, وكلها إرهاصات يمكن أن تدفع الرجل إلي اتخاذ موقف يقلب الحسابات, بإعلانه التنافس علي منصب الرئيس لفترة ثانية, في مارثون ينتظر أن يجري في أغسطس المقبل وهذا سيناريو إذ نفذ ربما يسدل الستار ليس علي حقبة فحسب بل علي شخصية, يفترض أن يكون الغرور قد أنهكها.