تقرير:سيد عبد المجيد أيام عصيبة يعيشها الشارع التركى، والمعارضة لا تريد أن تفوت حالة الهياج التى عمت البلاد من أقصاها لأدناها، وها هى تدعم المظاهرات وتقودها والهدف إزاحة الحزب الحاكم الرابض على قلوب العباد منذ أحد عشر عاما، وفى منحى مهم ونتيجة لعنف الأمن المفرط، أخذت المظاهرات التى بدأت سلمية تتحول إلى اشتباكات عنيفة فى الشوارع والميادين، بإسطنبولوأنقرة وإسكى شاهير وملاطيا وإزمير، وغيرها، بين المحتجين وقوات الشرطة، أدت إلى مصرع مواطن لتعيد إلى الأذهان مشاهد جيزى بارك، والتى أفضت إلى مقتل ستة أشخاص بينهم شرطى وديار بكر، فى سبتمبر المنصرم . المتغير اللافت للنظر بالقياس إلى موجة الغضب الأولى، تلك الانشقاقات التى دبت فى أوصال الحزب الذى كان يعتقد انة عصى على الانقسام واقتراحات للتشرذم بعد ميسور انفرط عقد التحالف الذى ربط أردوغان بفتح الله جولين الداعم الرئيسى للأول من خلال 500 مدرسة تابعة له داخل تركيا وعشرات الصحف والفضائيات المملوكة له أيضا، وجميعها سخرت لمؤازرة العدالة الحاكم، غير أن أردوغان لم يعد يطيق حليفه لانتقاداته الكثيرة، فقام بفرض قبضته على تلك المدارس وذلك بتفتيشها وإخضاعها لحكومته، وبالتالى فقد قرر جولين الانقلاب على تلميذه النجيب أردوغان وتلك هى المعضلة. ومع استقالات نواب من الحزب، كانوا مقربين من زعيمه أمثال: هالوك أوز دالجا ممثلا عن أنقرة، وآردال كلاكان نائب إزمير غرب البلاد، إضافة القمة آرطغرول جوناى، وزير الثقافة السابق، تزداد الاضطرابات، ففى غضون أيام شهدت 7 استقالات فى سابقة هى الأخطر، ولينخفض نوابه بالبرلمان من 327 نائبا إلى 320، والأمور مرشحة للتطور بالتوازى مع أنباء تفيد بحدوث استقالات جماعية، فى مؤشر ينبئ باقتراب نهاية الحزب، وباستمرار الأزمة، ربما تحمل الأيام المقبلة ما هو أسوأ. فقد أعلن رئيس هيئة الادعاء فى أسطنبول، تورهان جولا، أنه تم إبعاد المدعى العام، معمر أكاش المكلف بالتحقيق فى قضايا الفساد بعد أن اتهم الشرطة ضمنيا بإعاقة عمله، منددا فى الوقت ذاته بالضغوط التى تمارس على النظام القضائى، وكان قد أمر بإيقاف نحو 30 شخصا متورطين فى مسلسل فساد بينهم برلمانيون ورجال أعمال، لكن ذلك لم يتم. ويوما بعد يوم تكشف التحقيقات عن المزيد من الفضائح، منها عمليات تجارة ذهب غير مشروعة من تركيا إلى إيران، الخاضعة لحظر دولى بسبب برنامجها النووى المثير للجدل وعمليات اختلاس ومخالفات ارتكبت فى إطار استدراجات عروض عامة فى مجال العقارات. أما التحقيق الثانى فيستهدف مباشرة رئيس بلدية منطقة فاتح فى أسطنبول، مصطفى ديمير، المعروف بتدينه الشديد، والمقرب من أردوغان والتهم التى وجهت ضده قيامه بمنح تراخيص بناء غير قانونية مقابل رشاوى مالية فى منطقة محظورة بسبب بناء نفق لسكك الحديد تحت مياه البوسفور. وكانت الحكومة قد أصدرت تعليمات لقوات الشرطة بتغيير إجراءات التحقيقات وإبلاغ المسئولين قبل تنفيذ أى منها أو تطلبها النيابة، إلا أن محكمة عليا، ألغت القرار لكونه يسبب "دمارا لا يمكن معالجته" وهو ما جعل مفوض توسعة الاتحاد الأوروبي، ستيفان فولي، يعلن ترحيبه بقرار المحكمة، حيث اعتبر تغيير قواعد التحقيقات "تقييدا لعمل القضاء"..وإجمالا أبدى الاتحاد الأوروبى قلقه بشأن الأزمة المتعلقة بقضايا الفساد التى طالت شخصيات موالية لرئيس الوزراء أردوغان كما ناشد الاتحاد أنقرة معالجة الأمر "بشفافية وحياد"..كذلك دعا وزير خارجية السويد، كارل بيلدت الحكومه التركية بالعودة للقمة "الإصلاحات والديمقراطية المستوحاة من الاتحاد الأوروبى" ، وطبيعى أنها ستنفر الوضع المتفجر جانبا من ميديا الداخل برغم القيود الهائلة التى فرضت عليها ولاتزال، ففى يوم السبت الفائت انتقدت حريت أردوغان وناشدته بالتخلى عن سياسة "لن أسلم بطانتى للعدالة"، مؤكدة أن الأزمة "لن تدمرك (أردوغان) وحدك، بل ستدمرنا جميعا "لكن يبدو أن أردوغان لا يسمع وها هو يعيد ويزيد مصرا على أن من يتهمون الحكومة بالفساد هم أنفسهم فاسدون"..وطالب الكاتب الصحفى ممتاز أر ترك أونه ، بصحيفة زمان التى يملكها فتح الله جولين، مفجر فضائح الحكم الأردوغانى، أردوغان بالاستقالة قائلا: الاستقالة حل ناجع فى مثل هذه الحالات. أما المجازر التى يقوم بها فى جهاز الأمن، وكذلك الحرب التى يخوضها أردوغان ضد القضاء، فهى محاولات يائسة، وتؤدى إلى تفاقم الدمار، ولا فائدة لمحاولات البحث عن التوافق بعد اليوم "ومضى مسترسلا" الأيام التى نعيشها فى الآونة الراهنة تمهد لفوضى مروعة سيأتى يوم لن تتمكن الحكومة من إدارة البلد فالخطوات الناجعة اليوم، سوف تفقد قيمتها غدا، أما ما يدور فى خلد أردوغان من خطة تقديم الانتخابات، فلا يحل الإشكال، إنما يزيد من حدة الفوضى لأن الأزمة الحالية أزمة قضائية بامتياز. ولأن الدائرة تتسع فقد تبين أن الفساد متغلغل فى منزل الحاكم، وقيل قبل شهور إن زوج ابنته ضالع هو الآخر فى صفقات مشبوهة غير أن المفاجأة تمثلت فى الابن بلال أردوغان والذى قالت عنه الصحف المناوئة للعدالة الحاكم إنه فر إلى جورجيا خشية اعتقاله، وهنا المفارقة..بعد ميسور ورد اسمه فى فضائح فساد اعتمادا على نفوذ والده وقبل ستة أيام عطلة وفى نهايه الأسبوع أصدر المدعى العام بأسطنبول، أمرا بضبطه وإحضاره، للتحقيق معه أمس الأول الخميس الثانى من يناير فى اتهامات بضلوعه مع آخرين فى بالتزوير والفساد والرشاوى فى 28 مناقصة تصل قيمتها إلى 100 مليار دولار. وبعد الانقسامات فى الحزب وتسرب الفساد فى السلطة عائلات، ها هى بذور الخلاف تخترق الأيديولوجية نفسها الإسلامية منذرة باستقطاب بين مؤمن وآخر كافر، فالذى يحدث فى الأناضول العتيق، بات معروفا وأسبابه أيضا معلومة، ولا مبالغة فى القول لو وصفت بأنها واضحة وضوح الشمس، ولكن عندما يطرح تساؤل استشرافى، عما هو المنتظر فى الغد القريب وعلى المدى المتوسط، تجد الإجابة عصية وذلك لضبابية المشهد وغموضه فى آن وهذا فى حد ذاته يبعث على القلق..عامل آخر هو ظهور فاعلين جدد، فبرغم أنهم ولدوا ودعموا فى أحضان العدالة والتنمية، فإنهم مرشحون للانقضاض عليه كونه لا يطبق شرع الله ففى أحد أحياء إسطنبول العتيقة، بدأت هناك نذر شر مستطير، بعد أن قرر القائمون على مجلس البلدية التابع للحزب الحاكم، دون توجيه، إصدار تعميم أهاب بأهل الحى ألا يحتفلوا برأس السنة، باعتبارها بدعة يجب ألا تكون فى مدينة إسلامية كانت قبل عقود تسمى عاصمة الخلافة. خطورة الحدث أن نفرا من الشباب أخذ على عاتقه مهمة التنفيذ بالقوة إن لزم الأمر، فى تطور لم تعتده البلاد يذكر أن هؤلاء كانوا وقوداً لحزب العدالة والتنمية فى حشد الجماهير وراء أردوغان فى جولاته، وهم أيضا وبتعليمات من حركات خيرية مثل جمعية مظلوم صاحبة سفينة مرمرة الشهيرة للمساعدات الإنسانية التى هاجمتها البحرية الإسرائيلية أمام سواحل غزة فى 31 مايو عام 2010، وقتل فيها تسعة مواطنين أتراك وكانت سببا فى تردى العلاقات مع إسرائيل، يحتشدون فى الميادين للتنديد بحبس الرئيس المعزول محمد مرسى ودعما لرؤية العدالة والتنمية تجاه الحداث فى مصر عقب ثورة 30 يونيو التى يعتبرونها انقلابا على الشرعية، فهل ينقلبون على أردوغان؟