في عام1999, أي قبل نهاية القرن العشرين بعام, ألقي الفيلسوف الكندي تشارلز تيلر عدة محاضرات بجامعة ادنبرة باسكتلندا تحت عنوان نحن نحيا في عصر علماني؟. وعلامة الاستفهام في آخر العنوان تعني أن العلمانية في القرن العشرين موضع تساؤل, والجواب عن هذا التساؤل يستلزم تحديد معني العلمانية. والرأي عند تيلر أن العلمانية تعني أن الدولة الحديثة,في الغرب, قد تحررت من علاقتها مع الله, ومن ثم أصبحت الكنائس مستقلة عن المؤسسات السياسية باستثناء بريطانيا والدول الاسكندنافية. وقد ترتب علي ذلك الاستقلال ثلاثة أمور: الأمر الأول أن الايمان أصبح مسألة تخص الفرد وحده دون غيره من أفراد المجتمع. والأمر الثاني أن المؤمن تساوي مع غير المؤمن في الحقوق والواجبات. والأمر الثالث أن في إمكان الفرد الاشتغال بالسياسة دون أن يدخل في علاقة مع الله. وبناء علي هذه الأمور الثلاثة انفصلت الطبيعة عما فوقها من عالم قيل عنه إنه عالم ما بعد الطبيعة وهو عالم مملوء بالأرواح والملائكة. وبناء علي هذه الرؤية العلمانية نشأت حركة لاهوتية جديدة, في نهاية الخمسينيات من القرن العشرين, اسمها ز اللاهوت العلمانيس. وقد عبر عن هذا اللاهوت لاهوتي أمريكي اسمه هارفي كوكس في كتاب له بعنوان المدينة العلمانية(1965) طبع منه ربع مليون نسخة في أمريكا ثم طبع في انجلترا وبعد ذلك ترجم إلي الفنلندية والألمانية والهولندية والكورية والسويدية والفرنسية. وإثر ذلك حدث جدل حاد حول ما جاء فيه من أفكار نشر في كتاب بعنوان جدل حول المدينة العلمانية(1966). والسؤال إذن: ماذا أحدث ذلك الكتاب من ثورة لاهوتية؟ قول كوكس إن العلمانية تعني انتقال المسئولية من السلطة الكنسية إلي السلطة السياسية وبذلك يتحرر المجتمع من القبضة الدينية. ومن هنا يميز كوكس بين الانسان العلماني والانسان ما قبل العلماني. الثاني يحيا في عالم من الأرواح الخيرة والشريرة, وفي واقع مشحون بقوة سحرية قد تكون نافعة وقد تكون ضارة. أما الأول فالطبيعة عنده منفصلة عن الله, ومن ثم تمكن العلم الطبيعي من التطور, وتمكن الإنسان من الحكم من غير استعانة بما يسمي الحكم الإلهي, وبالتالي أصبح التقدم الاجتماعي ممكنا باعتبار أن التقدم يستلزم سلب القداسة من السياسة. ومع ذلك يبقي السؤال المثار في بداية المقال: هل نحن نحيا في عصر علماني؟ الجواب عن هذا السؤال ليس بالأمر الميسور لأن العصر الذي نحياه ليس مقصورا علي الغرب, فثمة عالم إسلامي اكتفي فقط بضبط لفظ العلمانية مع قرار بضرورة سحقها لأنها هي العدو وليس من عدو سواها. وقد تم ضبط اللفظ في المؤتمر السنوي لمجمع اللغة العربية في عام1987 جاء فيه أنه قد تردد في العصر الحديث استعمال كلمة علماني علي أقلام بعض الكتاب والمفكرين بفتح العين غالبا وبكسرها في النادر. فمن فتح العين أراد النسب إلي العلم بمعني العالم, ومن كسر العين أراد النسب إلي العلم. وقد انتهي المجمع إلي أن ضبط الكلمة هو بفتح العين, أما ضبطها بكسر العين فلا سند له من لغة أو تاريخ. العلمانية إذن في العالم الإسلامي إنما هي مسألة لغوية لا علاقة لها لا بالفقه ولا بالسياسة. ومن هنا دخل العالم الإسلامي اللاعلماني في تناقض حاد مع العالم الغربي العلماني. ومن هنا أيضا قيل إن لدينا حضارتين متناقضتين تناقضا حادا. والتناقض الحاد هنا يقوم بين الأصولي والعلماني. واذا كان التناقض الحاد يعني اقصاء أحد الطرفين للآخر فالعلماني يقصي بالعقل والأصولي يقصي بالإرهاب. والسؤال بعد ذلك: كيف يتم الاقصاء بالعقل؟ الجواب عندي أن هذا الاقصاء ممكن إذا تناولنا العلمانية علي أنها مسألة معرفية تخص مجال العقل قبل أن تخص أي مجال آخر. والذي دفعني إلي ذلك الجواب نظرية كوبرنيكس عن دوران الأرض حول الشمس. فمن شأن هذا الدوران أن الأرض لم تعد مركزا للكون وبالتالي لم يعد الانسان مركزا للكون. واذا لم يكن الانسان مركزا فلا يكون من حقه الزعم بأنه قادر علي قنص الحقيقة المطلقة لأن هذا القنص ليس ممكنا إلا اذا كان الانسان في مركز الكون. ومعني ذلك أن العقل الإنساني ليس في امكانه التفكير بالمطلق وفي المطلق إنما في امكانه التفكير بالنسبي وفي النسبي. ومن هنا جاء تعريفي للعلمانية بأنها التفكير في النسبي بما هو نسبي وليس بما هو مطلق. والسؤال إذن: هل في امكان هذا التعريف أن يكون مدخلا إلي تأسيس علاقة سوية بين العالمين الغربي والإسلامي؟ جواب هذا السؤال مرهون بالعالم الإسلامي دون العالم الغربي لأن المتحكم فيه ملاك الحقيقة المطلقة وهم الاخوان والسلفيون. لمزيد من مقالات مراد وهبة