أخطر المشكلات التي تواجه30 يونيو, أن كل الأطراف في مصر, والعالم تتعامل مع الإطاحة بمرسي ثم صدام الدولة والشعب مع الإخوان من منظور تاريخي خطي, يؤمن بأن حركة المجتمع تسير وفق قوانين منتظمة لا يمكن تغييرها, وأن التاريخ يحدد مسار المستقبل من دون تغيير. بالتالي فإن تدخل الجيش هو انقلاب عسكري تقليدي سيدمر عملية التحول الديمقراطي, كما أن علاقة الدولة بالإخوان ستكون عنيفة ودموية كما كانت منذ أواخر عصر فاروق, وخلال الفترة الناصرية. ولا يمكن التسليم بصحة هذه المسارات والأحكام, لأن هناك مدرسة معتبرة في العلوم الاجتماعية تري أن الأحداث التاريخية والتطورات المجتمعية لا تتحرك دائما في خط مستقيم وصاعد, وإنما هناك تحولات وطفرات, ومسارات متعرجة قد تدفع أو تعرقل تقدم المجتمعات, وتشكك هذه المدرسة في فرضية أن التاريخ يملي أحكامه بشكل حديدي وملزم علي الواقع والمستقبل, ذلك أن المستقبل ليس امتدادا طبيعيا وخطيا لأحداث التاريخ ودروسه, ولنتأمل مثلا تطور الطب والحروب والصناعة والزراعة والتعاون البشري حيث سنجد أن واقع ومستقبل هذه المجالات مختلف تماما عن تاريخ كل منها, فقد تراجعت أعداد الحروب, وسجل التعاون البشري تقدما كبيرا, وتحققت قفزات وتحولات نوعية في الطب والصناعة والزراعة غيرت من مسار التطور التاريخي في تلك المجالات, وتشكل واقعا مختلفا تماما عن أغلب سيناريوهات المستقبل التي توقعها العلماء قبل ربع قرن أو أقل. في ضوء ذلك ليس شرطا حتميا أن يكون تدخل الجيش انقلابا علي النمط التقليدي المعروف تاريخيا, والذي ينتج أنظمة شمولية استبدادية علي غرار أنظمة صدام والأسد والقذافي, ولابد من الانتظار ومراقبة مسار الأحداث, خاصة أن تدخل الجيش ضد مرسي جاء كاستجابة لتحرك شعبي, أي أن الجيش حقق رغبة أغلبية الشعب, كما وعد بإجراء انتخابات حرة تخضع لرقابة دولية, تماما كما فعل الجيش عقب خلع مبارك. لقد قدم الجيش بقيادة طنطاوي- رغم ما ارتكبه من أخطاء- نموذجا للتدخل الداعم للتحول الديمقراطي, فأشرف علي إجراء أول انتخابات برلمانية ورئاسية نزيهة إلي حد كبير, وبالتالي ما المانع في منح السيسي فرصة مماثلة كالتي حصل عليها طنطاوي؟, ثم لماذا نتسامح ونرحب بتدخل أو انقلاب الجيش الناعم ضد مبارك, ولا نرحب بنفس نهج الجيش ضد مرسي!! خاصة أن الملايين التي خرجت في30 يونيو فاقت في أعدادها وانتشارها الجغرافي في الريف والصعيد الجماهير التي خرجت ضد مبارك, طبعا سيقال إن مرسي كان رئيسا منتخبا, ولم يرتكب أخطاء مبارك, وهذا كلام صحيح, لكن كل منهما خسرا الشرعية, بمعني رضا أغلبية الشعب والتي خرجت ضدهما, مما أجبر الجيش علي التدخل. عموما أصحاب المنظور الخطي يسترجعون تفاصيل صدامات الإخوان بعبد الناصر والسادات ويرون أنها هي التي ستحكم علاقة الدولة بالإخوان بعد30 يونيو, أي أنهم يرون المستقبل من زاوية الماضي فقط, من دون محاولة لتشوف مسارات أخري للمستقبل تختلف عن التاريخ, مثل إمكانية المصالحة والتعايش بين الطرفين, صحيح أن التاريخ ودروسه لها تأثير كبير في تشكيل الواقع والمستقبل, لكنه ليس تأثيرا حتميا, فالواقع قد يختلف تماما عن الماضي, كما أن المستقبل قد يكون مناقضا لمسارات التاريخ, خاصة أن الظروف مختلفة داخليا ودوليا, ويمكن للإرادة الإنسانية لنخبة الدولة والإخوان اتخاذ قرارات أكثر رشدا, وأفضل لمصر والمصريين من قرارات الخمسينيات والستينيات, التي قامت علي الصدام ونفي الآخر وفق نظرية المباريات الصفرية. إن التاريخ له دروسه والتي من بينها ألا يكرر نفسه وإلا أصبح مهزلة!! وهنا أتمني أن تراجع الدولة وقيادات الإخوان حساباتهما, ويتخلي كل منهما عن إغراء أو قيد تكرار الماضي التصادمي, وعن المباريات الصفرية, ويبدي كل منهما قدرا من المرونة, للتوصل إلي حل وسط. في هذا السياق لابد من: 1- البحث عن مسارات بديلة عن مسارات الصدام والعنف, تعتمد علي فكرة التعايش وقبول الآخر, والعمل المشترك لما فيه صالح الوطن. 2- أن تطرح الحكومة رؤية واضحة لأسس المصالحة, وشروطها, ومكانة أحزاب الإسلام السياسي في النظام السياسي, وضوابط الفصل بين الدعوي والسياسي, والتي أري أن في مقدمتها التوقف عن لعبة الجماعة الدعوية التي لها ذراع سياسية( نماذج الإخوان والدعوة السلفية والجماعة الإسلامية). 3- أن تمارس الجماعة وحزبها نقدا ذاتيا, يبدأ بالاعتذار للشعب عن الأخطاء التي ارتكبوها في الماضي, وأن يدفعا بعناصر من الصف الثاني, قادرة علي تجديد خطاب الإخوان والحزب, والدخول في حوار مع الدولة من أجل تحقيق مصالحة وطنية تضمن مشاركة الجميع ما عدا من تورط في جرائم عنف وإرهاب أو حرض عليه. اعتقد أن الوقت لا يعمل لصالح الدولة والإخوان, وعليهما البحث عن المصالحة لأنها الأقل تكلفة أخلاقيا وسياسيا واقتصاديا, وأكاد أجزم بأن المصالحة هي البديل الوحيد أمام الإخوان لضمان بقائهم, وعليهم أن يتحركوا سريعا, فالتيار الشعبوي الكاره للإخوان والرافض لعودتهم إلي الساحة السياسية ينتشر ويزداد قوة ويلقي دعما غير محدود من الإعلام, والأخطر من أفعال الإخوان الغاضبة وسلوكهم العدواني ضد مؤسسات الدولة والمواطنين. لمزيد من مقالات محمد شومان