ما لم يكتبه هيرودوت أبوالتاريخ في كتابه: تمحيص الأخبار عن مصر والمصريين.. جرت فصوله الأخيرة ولكن حزينة هذه المرة أمام عيني.. علي لسان عمنا هيرودوت نفسه الذي يمشي بخطوات ثقال إلي جواري الآن.. علي شاطيء النهر العظيم الذي أطعمنا وأسقانا الدهر كله وصنعنا معه وبه أعظم حضارة عرفها الإنسان. وبنفس كلمات عمنا هيرودوت الحزينة التي تدمي القلوب وتوجع الصدور وتوقظ النيام وتجمع من حولنا اللئام: لقد أتي علينا حين من الدهر ترقد فيه مصر صانعة الحضارة علي سريرها عطشي حيري جوعي.. وأولادها من حولها يتخاصمون.. يتشاجرون.. يتعاركون.. يتواثبون علي بعضهم كما الثعالب والذئاب والسحالي والأفاعي من حول سريرها.. وليس في عيون أي منهم نظرة ندم واحدة.. أو حتي قطرة دمع حزينة.. الكل يريد أن يعتلي وحده كرسي الحكم من أي طريق.. وبأي سلاح.. والأم راقدة في سريرها تناشدهم أن يبلوا شفتيها بكوب ماء.. ولا مجيب.. وتناديهم: الحقوا الأحباش يا أولادي.. لقد حولوا مجري النيل العظيم وأقاموا فوقه السدود الجبارة والقناطر التي تناطح السحاب.. الحقوا يا أولادي.. ويا أحفادي.. نهركم العظيم باعث الحياة.. جف منه الماء.. وجف حلقي وذبل زرعي ومات ضرعي!.. والأولاد والأحفاد من حول سرير مصر الأم لاهون ماضون في غيهم.. عفاريت تمرد الصغار يجمعون توقيعات لا أحد يعرف من أين أتوا بها.. نحو خمسة عشر مليونا من التوقيعات يطالب أصحابها برحيل من يجلس علي كرسي الحكم في03 يونيو المقبل. لماذا03 يونيو بالذات؟ لأنه موعد رحيل الفرعون الأخير قبل عامين.. وهو الذي يجلس في قفص الاتهام الآن.. ينتظر الإفراج عنه ويديه مازالت ملوثة بدماء نحو خمسة آلاف شهيد من خيرة وأنبل وأعظم شباب مصر الثائر.. يا للمفارقة الغريبة.. وبالتوقيت العظيم.. يقول عمنا هيرودوت وهو يضرب كفا بكف.. قلت ضاحكا: يا عم هيرودوت.. مادامت قد خرجت إلي الوجود جماعة مصرية تمرد.. فلماذا لا توجد أمامها جماعة مقابلة سمت نفسها تجرد شوف السجع لمقاومة دعوي تمرد بإسقاط الحكم؟ وحتي من يسمون أنفسهم جبهة الإنقاذ نسوا أو تناسوا قضية مصر الأولي وهي الموت عطشا وجوعا وهوانا لو أتمت إثيوبيا مخططها الجهنمي وأقامت هذا السد الشيطاني في غفلة منا.. وراحوا يشتبكون مع الحكم بمناسبة ودون مناسبة طالبين بانتخابات رئاسية مبكرة.. وهو ده هدفهم الأول والأخير, وعندما دعاهم الرئيس محمد مرسي للحوار حول قضية الساعة.. قالوا: نعم سنحضر بس من أجل مصر.. ثم اعتذروا في آخر لحظة.. ليه ماحدش عارف! قال هيرودوت بمكر وخبث أفروديت ملكة الجمال عند الإغريق: أنا عارف السبب! قلت: قل لي وحياة زيوس رب الأرباب عندكم؟ قال ضاحكا في خبث عمره أربعون قرنا من الزمان: أصل يا سيدي اكتشفوا أن النسكافيه اللي بيقدموه في جلسات الرياسة.. بلاك من غير لبن! قلت: دولم ما عندهومش حاجة يقولوها.. كل واحد منهم في ناحية.. دول لو عرفوا المصائب التي سوف تحدث لمصر بعد بناء هذا السد الشيطاني.. كانوا غيروا رأيهم.. نفسي بس حد فيهم يقرأ ما كتبه في الأهرام زميل العمر مكرم محمد أحمد عن خبث نيات إثيوبيا.. قال: التزم الجانب الإثيوبي منذ بداية تفكيره في مشروع سد النهضة نهجا ملتويا انعدمت فيه الشفافية عندما أعلن رئيس الوزراء الإثيوبي الراحل ميليس زيناوي أن الهدف من بناء سد النهضة توليد الكهرباء التي يعاني الإثيوبيون نقصا حادا في إنتاجها, أبقي علي البلاد في حالة تخلف دائم, وأن تخزين المياه ليس من أهداف السد الإثيوبي الذي لن يتسبب في الإضرار بمصالح دول المصب.. مصر والسودان.. ثم تكشف بعد ذلك أن السد جزء من استراتيجية متكاملة تستهدف بناء ثلاثة سدود لتخزين المياه( كاراوني وماندليا وماين) سوف تؤدي إلي أن تفقد مصر علي الأقل9 مليارات متر مكعب من حصتها المائية إن لم يكن أكثر! ولأن نقص مليار واحد من المياه يؤدي إلي بوار003 ألف فدان من الأرض المصرية, فإن خسائر مصر من جراء انتقاص حصتها من مياه النيل يمكن أن تصل إلي حدود تبوير مليوني فدان يعيش علي زراعتها ما يزيد علي01 ملايين نسمة.. ثم كانت الخديعة الثانية عندما وعد زيناوي وفد الدبلوماسية المصرية الشعبية بتأجيل البدء في تنفيذ مشروع سد النهضة إلي أن تنتهي اللجنة الثلاثية المشكلة من مصر وإثيوبيا والسودان, وعدد من الخبراء الدوليين من تقريرها, لكن زيناوي نكص علي عقبيه, وبدأ في تنفيذ بناء السد وتحويل نهر النيل الأزرق قبل أن تصدر اللجنة الثلاثية تقريرها, كي يفرض علي الأرض واقعا يصعب تغييره, ويكتشف الجميع أن حجم التخزين أمام السد سوف يرتفع إلي حدود تصل إلي57 مليار متر مكعب بدلا من41 مليار متر كان قد أعلنها رئيس الوزراء الإثيوبي بهدف توليد6 آلاف ميجاوات من الكهرباء! والأخطر من ذلك ما تكشف أخيرا عندما أعلنت إثيوبيا أنها اختارت من دون خلق الله جميعا الإسرائيليون ليديروا عملية إنتاج وتوزيع كهرباء سد النهضة نكاية في المصريين! قلت في سري: قطرة ماء فصادها قطرة دم, كما قال رئيس البلاد. ................. ................. قلت لأبوالتاريخ كما يسمونه: لقد أصبحت يا عمنا هيرودوت مصريا أكثر من المصريين أنفسهم! قال: يا سيدي من عاش في مصر نحو ربع قرن مضي.. يصبح مصريا دما ولحما وهوية! قلت: في عصر من جئت إلينا؟ قال: في عصر الملك بسماتيك الثالث.. وقد غزا الفرس مصر وأنا موجود علي أرضها في عام525 قبل الميلاد بقيادة قمبيز الذي حطم كل معابد طيبة عاصمة مصر أيامها.. وقد أسر جنوده الملك بسماتيك الذي آثر الانتحار فور سقوط مصر في أيدي الفرس.. وقد مكث قمبيز في مصر ثلاث سنوات.. أرسل خلالها حملة قوامها001 ألف من جنوده إلي معبد آمون في واحة سيوة لتأديب كهنتها علي نبوءتهم بنهاية حكم الفرس في مصر.. لكن العواصف الرملية ابتلعت جيشه بالكامل تحت رمال الصحراء الغربية! قلت: يا عم هيرودوت لقد شاهدت بعيني في صباي الصحفي.. بقايا جيش قمبيز عندما ذهبت إلي معبد آمون في واحة سيوة.. وكان الوقت بعد غروب الشمس.. وعندما عدت في الصباح لألتقط صورا لبقايا جيش الفرس.. كانت الرمال قد ابتلعتهم وغطتهم من جديد.. فلم يظهر لهم أثر بعد ذلك أبدا! قال ضاحكا: واسعة شوية الحكاية دي يا صحفي ياعجوز! قلت: موش زي حكاياتك الغريبة التي سمعتها من المارة وعابري السبيل عندما افتريت في كتاباتك عن بنات الملك خوفو, وكيف أنهن كن يقدمن أنفسهن لزوار هرم خوفو مقابل حفنة من الذهب.. لبناء أهرامات صغيرة لهن.. ألم تقل ذلك يا مفتري؟ قال: أبدا لم أقله أبدا.. ولكن أعدائي وحسادي من المؤرخين والرجال الاغريق الذين جاءوا من بعدي وأرادوا أن يشوهوا كتاباتي وتاريخي.. قالوا ذلك وليس أنا! قلت: ألم تقل إن المصريين غارقون لشوشتهم في أكل العدس والبصل والثوم والكوارع ولحمة الرأس؟ قال: هذا صحيح.. قلت: ألم تقل إن المصريين غارقون في أكل الفول المدمس الذي أدي بهم إلي البلادة في التفكير.. هو الفول ورانا ورانا من أيام الفراعنة؟! قال: هذا صحيح.. ومازال المصريون يأكلون الفول حتي يومنا هذا.. ولكن هذا لم يصبهم أبدا بالبلادة والقصور في التفكير! وقد قلت أيضا.. إن التماسيح تملأ بحيرات وأراضي وأحراش طيبة العاصمة المصرية.. وتتجول داخل المعابد والمقابر والمسلات! لقد ملأت بكلامك ورحلاتك تسعة مجلدات فيها كل ما كتبته عن مصر والبلدان المحيطة بها التي زرتها.. قال: لقد زرت كل دول حوض البحر الأبيض: ليبيا وأوكرانيا وروما وصقلية.. وبعد أربعة وعشرين عاما.. عدت إلي أثينا. ................. ................. لحق بنا وهو يلهث صاحب الكوخ الذي استضافنا فيه ليلة بحالها ونصف نهار.. وقدم لكل واحد منا سنارة لصيد السمك.. مجرد غابة طويلة في آخرها خيط رفيع وقطعة من فلين وسنارة رفيعة مغموسة بالطعم برفع الطاء وهي مجرد دودة حية أخرجها من طين الشاطيء.. وقال لنا: احضرا لنا غذاءنا في يومنا الأغبر هذا.. الذي يشتبك فيه الرفاق وشياطين الأحباش في سبيلهم لقطع مسار النهر العظيم! ولأنني قنطراوي من القناطر تربيت وسط الحدائق الفضاء ومن حولي سبعة أفرع للنيل العظيم.. فقد تعلمت من صغري صيد السمك وتفوقت علي أقراني.. وأصبحت صيادا ماهرا.. ولكن عمنا هيرودوت فاجأني بقوله: سأهزمك يا كبير قلم كتاب مصر كما يقولون عنك بتعويذة تعلمتها من كهنة طيبة.. مجرد أن أتلوها علي صفحة الماء.. يتسابق السمك إلي سنارتي ويخضع حابي إله النيل عند الفراعنة لأوامري! قلت له ساخرا: يا عم هيرودوت التعاويذ السحرية عمرها من عمر الزمن, وقد فات زمانها وأوانها.. وأنا الذي سأخيب ظنك! قال ضاحكا في سخرية: المية تكدب الغطاس كما يقول المثل الشعبي المصري وأمامنا النهر وفي يدي السنارة.. وأحفظ عن ظهر قلب تعويذة صيد الأسماك وكل ما يسبح في النهر سيأتي إلي سنارتي.. وستري بنفسك! قلت له: ألا تعلم أنني كنت رئيس تحرير مجلة باسم حابي إله النيل.. وكانت حديث مصر بحالها.. ولكنها توقفت بعد العدد العاشر! يسألني: وما الذي أوقفها عن الصدور بعد عشرة أعداد؟ قلت: لعله الإله ست إله الشر عند المصريين! وبدأت مباراة الصيد.. وبرغم أن الإله حابي صديقي ويحفظ لي جميلي بإصدار مجلة باسمه.. فإن عمنا هيرودوت العظيم سبقني وهزمني بعد أن تحولت كل أسماك النهر إلي سنارته.. وصاحب الكوخ من خلفنا يصفق بيديه ويجمع أسماك عمنا هيرودوت.. أما سنارتي فقد خرجت من الماء كما نزلت بيضاء من غير سوء.. بلا سمكة واحدة توحد الله! قبل أن نفترق قال أبوالتاريخ: الشيطان ياعزيزي يسكن الآن أحراش إثيوبيا! يا أهل مصر الكرام.. العطش والجوع قادمان.. وإذا كان عاجبنا وعاجب اللي بيدوروا بس علي الكرسي! ....................... ....................... علي نار العشب والحطب.. صنع لنا صاحبنا صاحب الكوخ الذي لم يقل لنا حتي عن اسمه ولا من هو.. ومن أين بلد جاء, وإلي أين المسير؟ كأنه رسول الأقدار براد شاي لم نذق مثل حلاوته ولا طلاوته. ولا أعرف من أين أتي صوت هذا الناي الساحر.. وشمس الغروب تصنع من تيجان أشجار النخيل مشهدا عبقريا يجمع بين الجمال والرهبة والسحر والغموض. وصوت راع أسمر الوجه جميل الصوت حلو المحيا يشدو بأبيات أحمد شوقي: من أي عهد في القري تتدفق.. وبأي كف في المدائن تغدق.. أمن السماء نزلت أم فجرت من عليا الجنان جداولا تترقرق. قلت في سري: ماذا فعلوا بك يا نهرنا العظيم.. آه يا زمان الغدر.. إلي أين تقودنا معصوبي الأعين.. مسلوبي الإرادة؟ ليرد أبوالتاريخ وقد سمعني: لا تقلق يا عزيزي ولا تحزن مصر لن تغمض عينيها أبدا.. قد تغفو أحيانا ولكنها لا تنام أبدا!{ لمزيد من مقالات عزت السعدنى