بكلمات صريحة وواضحة جاء الحكم بالسجن80 عاما علي الرئيس الجواتيمالي السابق ايفراين ريوس مونت البالغ من العمر86 عاما ليغلق ولو مؤقتا فصلا داميا في حياة هذه الدولة, وذلك بعد إدانته بارتكاب جرائم حرب وابادة ضد السكان الاصليين من عرقية المايا خلال فترة حكمه القصيرة التي لم تتعد17 شهرا بين عامي1982-1983, وان كانت تعد في نظر الكثيرين من أحلك الفترات التي مرت بها جواتيمالا, و ذروة الحرب الاهلية التي استمرت36 عاما من عام1960 وحتي عام1996 وراح ضحيتها أكثر من200 الف شخص بين قتيل ومفقود لايعرف ذووهم مصيرهم حتي الان. ورغم أن الحكم بسجن ريوس يعد رمزيا نظرا لتقدم عمره, فضلا عن أن الدعوي التي أدين بسببها تركزت علي قتل1771 من أفراد قبيلة ايكسيل من عرقية المايا وهو رقم لا يمثل إلا نسبة ضئيلة من عدد الضحايا الضخم الذين سقطوا خلال فترة حكمه, الا ان هذا الحكم في نظر الكثير من المراقبين يعد حكما تاريخيا وخطوة ضخمة للأمام في مجال حقوق الانسان في المنطقة, نظرا لأنها المرة الاولي التي يتم فيها محاكمة وادانة رئيس سابق علي ارتكاب جرائم ابادة في بلده, بعد أن كانت الجرائم المشابهه تتولاها المحاكم الدولية. وهنا يشير المتابعون لسير المحاكمة التي استمرت شهرين تقريبا وضمت الي جانب ريوس مونت رئيس المخابرات السابق خوزيه رودريجيز انها لم تكن سهلة علي الاطلاق فالي جانب التأجيل وتعليق أعمالها عدة مرات فقد شهدت القضية عدة ثغرات قانونية دفعت البعض للتشكيك في استمرارها, ولكنها مع ذلك ظلت محور اهتمام العديد من المواطنين الذين اعتادوا التجمهر خارج قاعة المحكمة وهم يهتفون للمطالبة بالعدالة والقصاص حتي صدر الحكم الذي أرضي طموح جماعات حقوق الانسان وعائلات الضحايا الذين ظلوا يحلمون بهذا اليوم لعقود طويلة. وبينما نفي الرئيس السابق التهم الموجهه اليه ودفع في كلمة ألقاها قبل أن يجتمع القضاة لاصدار حكمهم ببراءته, مؤكدا انه لم تكن لديه النية أو القصد اطلاقا للتنكيل بأي جماعة عرقية وأن مهمته كرئيس كانت تقتضي استعادة الأمن لبلاده بعد أن أوشكت علي الانهيار, فان كلماته لم تجد آذانا صاغية لدي المحكمة, حيث جاء علي لسان القاضية ياسمين باريوس التي ترأست هيئة القضاة أنه بحكم منصبه كرئيس كان علي علم بكل ما كان يجري ولكنه لم يرفع اصبعا لمنعه, كما أن أبناء عرقية الايكسيل اعتبروا في هذه الفترة معاديين للدولة, بل كانوا ايضا ضحايا حملة عنصرية إذ كان ينظر إليهم نظرة دونية فقد كان العنف الممارس ضدهم مخططا له مقدما ولم يكن عفويا أو عشوائيا مما أقنع المحكمة أن أعماله ترقي لمستوي الابادة. وهو يقين ترسخ لدي الكثيرين بعد سماع شهادات الناجين من تلك الفترة الدامية, حيث تعاقب علي منصة الشهود خلال المحاكمة أكثر من مائة شخص رووا وقائع التعذيب والانتهاكات المؤسفة التي قام بها الجنود كما سردت النساء من عرقية المايا جرائم الاغتصاب المرتكبة ضدهم, في اطار سياسة الارض المحروقة المتبعة ضد كل من يشتبه فيه من السكان الاصليين بالتعاون أو مساندة الميلشيات اليسارية التي دخلت في صراع ضد النظام العسكري الحاكم آنذاك وفي خضم الحرب الباردة بين الولاياتالمتحدة والاتحاد السوفيتي في تلك الفترة. الامر الذي ساهم في أن تخلص المحكمة الي أن ريوس غض الطرف عن استخدام جنوده للاغتصاب والتعذيب والتخريب والتهجير القسري بل والتجنيد الاجباري لابناء هذه العرقية في اطار سعيهم للتغلب علي التمرد اليساري. ان القضاء الذي قال كلمته في قضية شغلت الرأي العام بجواتيمالا ولم يتصور إثارتها من الأساس سوي قلة قليلة, أنصف هؤلاء الذين لم يعانوا فقط مرارة الظلم والاضطهاد ولكن فراق الآباء والابناء, ولعل هذا هو السبب الرئيسي في ترحيب اقارب الضحايا وقادة عرقية المايا بهذا الحكم, وهو ترحيب ربما لا يستمر طويلا خاصة أن اسئناف القضية يعد في حكم المؤكد. فالرئيس السابق الذي جاء للحكم عن طريق انقلاب عسكري وأقصي كذلك في انقلاب عسكري قاده وزير دفاعه ويعد في نظر الكثيرين من أكثر الشخصيات المثيرة للجدل في امريكا الوسطي لن يتقبل بالتأكيد فكرة أن يقضي بقية حياته وراء القضبان. وأيا كان الأمر فان الشيء المؤكد أن جواتيمالا بهذا الحكم بدأت عهدا جديدا من مداواة جراح الماضي, وأن الحكم ربما يكون بداية عهد جديد من المصالحة بين الجميع.