ما أشقي صيادا ألقي شبكة..في بركة دم..لم يطعم زادا في يومه..ومضي يمشي فوق الماء..صدر عريان وجبين يتشح الهم أبيات من قصيدة بعنوان دم علي البحيرة أبدعها الشاعر حسن فتح الباب عام..1957 وجدت كلماتها تتردد في نفسي وأنا أري صيادا فقيرا يدفع قاربه قبيل الفجر إلي بحيرة البرلس ويصعد إليه.. تعجبت فنحن الأفندية وبكوات المدن نضج من حياتنا وتعلو صيحاتنا حاملة مر الشكوي من صعوبة الحياة. وضجيج الأيام. وقلة الدخل رغم المرتبات التي نتقاضاها بالآلاف. عابسين غير حامدين. وفي قلب مصر يصنع الحياة متولي( صياد الدكتور حسن فتح الباب) وعم زيدان صياد البرلس.. بدا لي كضوء شمعة في ليل قرية حزينة. وهناك أيضا في نهايات الأرض وجدت ست ستات تقودهن أم محمد, للغوص في مياه المصارف والترع يصدن بالأيدي السمك.. تفعيص.. ليبعنه لفقراء من جيرانهن بجنيهات قليلة جمعيهم حامدون شاكرون أنعم الله. تذكرت هنا كلمة غادة السمان: أي مأساة أن نعيش في وطن يصبح فيه بقاؤنا علي قيد الحياة خبرا يستحق الاعلان عنه!! عم زيدان أحد صيادي البرلس البسطاء, لمحته في قاربه الصغير البائس, تشققت قسمات وجهه من لفح الشمس وتلوث مياه البحيرة بالصرف الصحي والصناعي والزراعة وملوحة الطين والماء فيها.. شراع قاربه من بلاستيك شكائر الأرز والبصل والدقيق ليس من الأقمشة المخصصةلها من التيل أو البيسه, إقتربت منه.. واحد من خمسة آلاف صياد في بحيرة تعاني من زيادة نسبة التلوث فيها وتعاظم نشاط لصوص ذريعة السمك واستفحال أمر أصحاب النفوذ الذين احتلوا أغلب مساحاتها حتي لم يتبق لهؤلاء الفقراء إلا مساحات قليلة للصيد. وغالبا خالية من الأسماك. فيمض عم زيدان لياليه فيها مغروس القدمين مستخدما اليدين في الامساك بالأسماك لعجزه عن شراء شباك الصيد. عم زيدان الذي تجاوز الستين من عمره يعمل علي مركبة من المغرب حتي الفجر ينزوي في ركن قاربه الصغير كيس بلاستيكي. لماذا اعتملت شراعا من البلاستيك؟ لأنني لا أملك120 جنيها ثمن8 بوصات من التيل( البوصة متر ونصف المتر) الذي يصنع منه الشراع أو حتي24 جنيها ثمن4 أمتار من قماش البيسه وهو النوع الأرخص لصناعة أشرعة القوارب. فكرت في البديل لم أجد سوي بعض شكائر البصل والدقيق والبطاطس( أخذتهم شحاتة) أين الشباك التي تصيد بها السمك؟ غالية الثمن أيضا وعزيزة علي واليد القصيرة, فإن كنت عجزت عن توفير عشرات الجنيهات للشراع فهل معي ثلاث آلاف سعر الشبك!! فالشبكة150 مترا سعرها ثلاثة آلاف وال3 أمتار سعرها5 آلاف. والشباك الصغيرة المسماة الطراحة؟ مساحتها3 أمتار وسعرها أرخص. ولكني إن استطعت شرائها فلن تفيد ولن أصطاد بها. لماذا؟ لأن العمق الذي يمكنها الصيد فيها أصبحت غير مناسبة السمك لا يوجد فيها لارتفاع منسوب الأرض فلا تصيد إلا الروبه الوحل.. قبل ثلاثين عاما قادرون علي صيد السمك تصيد السمك أما الآن فإن المزارع التي انتشرت في أغلب مساحات البحيرة تسحب السمك إليها بسبب أن المزارع يحفرها أصحابها ويعمقونها أكثر من المناطق المحيطة بها فيهبط إليها السمك وكذلك السدود والتحاويط. كيف تصطاد؟ بيدي.. أنزل من القارب وأتجول وأمسك بالسمك تجميس أو تعفيق. وكيف تهتدي إليه, ألا يشعر بك فيهرب؟ أشعر به من حركة الماء بجوار قدمي أو أحيانا بالسمك تحتهما وصوت حركة السمك في الماء مع سكون الليل تقودني إليه.. وهنا لابد أن أكون أسرع وأخف منه في الحركة لأمسكه. ومتي تعود لدارك؟ أعمل من المغرب إلي الفجر واقفا في المياه.. يكرمني الله ب10 كيلو أو7 أو أكثر أو أقل وعلي أية حال هو رزق الله نحمده ونشكره عليه وندعوه أن يديمه. هل لديك أولاد؟ وهل تكفيك هذه الجنيهات؟ عندي6 أولاد. الأكبر فايز أنهي دراسته بكلية الهندسة. والثانية شيماء حصلت علي بكالوريوس تجارة انجليزي, والثالث محمد في عامه الأول في كلية السياحة والفنادق. أجلت دراسته العام الماضي حتي الحالي لعدم تمكن من دفع مصروفات الدراسة وشراء ملابس له. وتهامي في الإعدادي واثنين في الإبتدائي. والمبلغ الذي يرزقني به الله أخذ ب20 جنيها يعني نصفه فطار للعيال فول وطعمية وطماطم وخضار. والباقي أشوف بيه طلباتهم وأحوش منه أدفع إيجار السكن. وكأنه يبتلع مرارة الأيام قال.. كان لدي بيت ولكني بعته عشان أعلم عيالي واستأجرت عشه في المصيف( بلطيم الصيف) ب5 آلاف جنيه في السنة من5 سنوات. الثورة ستقضي علي الفساد وربما يكون هناك عدل في الجديد؟ عندما قامت الثورة فرحت.. لكن للأسف الثورة باظت. كان نفسي أن الشعب المصري يفضل إيد واحدة!. بماذا تحلم يا عم زيدان؟ بحلم ان تخف نار الدنيا علينا وإن الأمن يرجع تاني وترجع البنات تشتغل عشان تساعد أهاليها في المعيشة اللي بقت نار.