هارتموت لم تكن الزيارة السنوية التي يقوم بها المترجم والمستعرب السويسري هارتموت فايندريتش للقاهرة ككل زياراته السابقة، الصدفة وحدها قادته ليعيش تجربة مهمة في أكثر أجزاء العالم العربي التهاباً. زارنا هارتموت في اليوم التالي لإعلان القبض علي شبكة تضم سويسريين تعمل علي قلب نظام الحكم في مصر، تلقينا اتصالا من حراس المبني، وبنبرة تحمل الكثير من الشك يخبرنا الأمن أن سويسري يريد أن يصعد إلينا. التردد وحده كان كافيا للفتك به، لكنه مع ذلك لم يندهش من منع الحراس ولم يستغرب نظرات الشك التي لاحقته من أمن المبني، فكان طوله الفارع ولحيته البيضاء وشكله الأوروبي يجعله مثار شك من الجميع، هارتموت الذي زار القاهرة عشرات المرات من قبل تعود علي هذه النظرات التي تلاحقه كلما تحرك في شوارع القاهرة، ولم تعد تضايقه..لكنها هذه المرة كانت نظرات مغايرة. هارتموت روي لأخبار الأدب تفاصيل أسبوع ساخن قضاه في القاهرة، بدأ بتحذيرات أصدقائه من السفر لأن الأجواء غير مستقرة في مصر، لكنه أصر قائلاً:"أنا أسافر كثيرا، وفي أسفاري لا أخاف علي حياتي، كما أنني لم أخش في مصر أبداً علي حياتي" تجول في وسط المدينة وعاين تصرفات الناس اليومية لكنه لم يدخل ميدان التحرير "أنا بطبعي حتي في أوروبا أتجنب التجمعات، وأتجنب الاحتكاك بالناس" لكن ومن خلال جولته تحدث مع شباب وشاهد التحركات بالقرب من الميدان "كنت في منطقة جامعة الدول العربية ورأيت الجماهير تحتشد في الميدان، وطرحوا عليّ أسئلة عما يحدث في مصر الآن، وسألوني عن عرض الأحداث في الصحافة الغربية، بشكل عام كان الجو بشوشاً للغاية، ولم تحدث أية مواجهات، بل إن الناس كانوا يساعدون الجيش في الدخول للميدان وكان الأمر يشبه العيد!". رغم كثرة زياراته للقاهرة فإنه يري هذا الوجه للمرة الأولي، يقول إنه يراقب الحياة السياسية في مصر كما يراقب الحياة الثقافية، وتحدث كثيراً مع الناس وسمع منهم نقدا للسياسة وللحياة اليومية ولم يكن كل ما قالوه غريبا عليه، لكنه لاحظ خلال العقود الماضية أن مستوي الحياة أصبح صعبا جدا لكثير من الناس، وفي المقابل لم تصبح الحياة السياسية أكثر تفتحا، لذلك يفهم تماما عدم الرضا الذي نمي لدي الجماهير، لكن صدمته كانت في خروج كل هذه الحشود الغاضبة: "لم أتوقع أبدا أن مثل هذا العدد من المصريين يمكن أن يخرج إلي الشوارع للإعلان عن نقد أو عدم رضا عن حياتهم". سألناه:في تقديرك كيف استقبل الغرب نبأ اندلاع ثورتنا؟ وأجاب:المواطن العادي في أوروبا لا يستغرب مثل هذه الحركات، فهي حركة عادية تحدث في كثير من البلدان، لكن بالنسبة للحكومات فأعتقد أن الأمر صعب لأن حكومة مبارك كانت حليفا مهما للغرب علي امتداد فترة طويلة، وعليها الآن توقع أي شيء تسفر عنه الأمور، وهذا صعب علي المستوي الدولي لأن مصر حليف مهم في الشرق الأوسط، ولا أحد يعرف الآن ما سيحدث بعد انتهاء عهد مبارك، أريد أن أقول إنه بعد ثورة 1952 التي كانت ثورة للضباط الأحرار، تحالفوا فيها مع الإخوان المسلمين، تغيرت الأمور تماما، لذا لا يمكن أن نعرف الآن أية قوي يمكن أن تسيطر؟ -البعض يتحدث عن نظرية المؤامرة وعن أن الغرب ربما كان وراء ما يحدث في مصر، وقرأنا عن ضبط سويسريين يوزعون منشورات، وأيضا ضبط أشخاص من إثيوبيا في السويس، كيف تنظر لهذه الآراء؟ أنا لا أري أن هذا ممكنا، أنا مقتنع بأنها حركة شعبية، ربما تكون هناك مجموعات من الخارج مهتمة بما يحدث هنا، ولكن الأمر لا يتجاوز الاهتمام، من وجهة نظري هي حركة شعبية نتيجة عدم رضا عن الحياة اليومية، ويجب أن نطرح علي أنفسنا سؤالاً مهماً وهو: إلي أي حد يمكن أن تكون الحياة صعبة علي المصريين لدرجة تدفعهم إلي الانفجار؟ -هل تعتقد أن ما يحدث في مصر الآن يمكن أن يؤثر علي الإبداع؟ لا أعرف. لكني قرأت عدة روايات من بلدان عربية مؤخرا وقرأت رواية تاريخية لمحمد المنسي قنديل "يوم غائم في البر الغربي" وهي رواية جميلة أحب أن أترجمها إلي الألمانية، لأنني اعتقد أنها تعطي دلالات، وتعكس الأجواء المصرية مصحوبة بجزء مهم في التاريخ المصري، وهذا مهم جدا، أن يظهر تاريخ البلدان العربية في أدبها، فلا أحد في أوروبا يقرأ بحثا علميا في تاريخ البلدان العربية، ولكن يمكن أن يقرأ ذلك في روايات..لكن للأسف صعب جدا أن أجد دار نشر ألمانية أو سويسرية تقبل نشر الروايات التي أحب أن أترجمها، هذا أصعب شيء بالنسبة لي لنشر الأدب العربي في أوروبا. -بعيدا عن الأجواء السياسية ماذا كانت مشاريعك في مصر؟ أنا أقوم بهذه الزيارة سنويا، إلي القاهرة وبيروت، لأقابل الأصدقاء، وأحضر معرض الكتاب، لكن الظروف منعتني من مقابلة أحد، كما أن معرض الكتاب تم إلغاؤه..تفرجت علي المظاهرات لكني مللت الأمر الآن، وأنا شبه مسجون في الفندق. -هل لديك مشاريع في بيروت؟ لقاء الأصدقاء أيضا ايملي نصر الله، وحسن داود، ورشيد الضعيف أقوم بعدة لقاءات شخصية وأدبية وأتمني دائما التعرف علي كتاب جدد. -ما المشروعات التي تعمل عليها الآن؟ انتهيت من ترجمة رواية "القاهرةالجديدة" لنجيب محفوظ أقدمها في عيد ميلاده المئوي وستصدر في أغسطس، والآن أترجم رواية "وراء الفردوس" لمنصورة عز الدين، وأردت الالتقاء بها لمناقشة بعض الأمور المتعلقة بالرواية، تحدثنا تليفونيا لكن للأسف منعتنا الأحداث من اللقاء. وهي رواية جميلة، تعرض لحياة فتاة مصرية في علاقاتها مع الماضي، وعلاقتها الشخصية بعد 30 عاما مع بيتها القديم، وهذا موضوع يجذب القاريء الأوروبي.