"هدنة الطاقة" على طاولة المفاوضات الأوكرانية في جنيف    أحمد هيكل: مصر ستظل تستورد الغاز لسنوات.. وملف الطاقة هو الهاجس الأكبر عند الرئيس السيسي    أحمد هيكل: الدعم كارثة.. وكمية الثروات التي تكونت في مصر بسببه خرافية وبالقانون    عباس عراقجي يصل إلى جنيف لجولة ثانية من المفاوضات النووية    عراقجى يصل إلى جنيف لبدء الجولة الثانية من المفاوضات النووية    ويتكوف وكوشنر سيمثلان واشنطن في المحادثات مع إيران في جنيف    "تلغراف": وزير الدفاع البريطاني مرشح محتمل لخلافة ستارمر    إصابة 3 أشخاص نتيجة انقلاب سيارة في قرية الخربة بشمال سيناء    وزير التعليم العالي ومدير مكتبة الإسكندرية يسلمان «جائزة مكتبة الإسكندرية العالمية»    د.حماد عبدالله يكتب: " الأصدقاء " نعمة الله !!    اكتشاف إصابتين بجدري القردة في روسيا    لاعب كرة يتهم ناديًا بالبحيرة بتدمير مستقبله: إيدي اتكسرت في التمرين وفسخوا عقدي    شوبير: لعبنا مباراة رائعة ضد الجيش الملكي رغم التعادل    أبو مسلم: الأهلي مع توروب بلا شكل.. والفريق يفتقد للمهاجم الحاسم    المتحدث باسم «الكهرباء»: لا انقطاعات في صيف 2026.. والشبكة جاهزة للأحمال    الأرصاد: استمرار الارتفاع في درجات الحرارة اليوم الإثنين على أغلب الأنحاء    كشف ملابسات فيديو التعدي على مسن داخل محل بالشرقية.. وضبط المتهم    مواقيت الصلاة اليوم الإثنين 16 فبراير 2026 في القاهرة والمحافظات    داليا عثمان تكتب: خلف الأبواب المغلقة: ماذا كشفت لنا قطة السيدة نفيسة؟    ب 40 مليار جنيه.. المالية تعلن تفاصيل حزمة الحماية الاجتماعية الجديدة    أدعية الفجر.. كنوز من القرآن والسنة لبداية يوم مبارك    إسرائيل والضفة الغربية.. لماذا الآن؟    مالين: جاسبريني لعب دورا كبيرا في اختياري للانضمام لروما    شي جين بينج يهنئ قمة الاتحاد الإفريقي ويعلن إعفاءً جمركيًا ل53 دولة    محمد طلعت ينفي توليه رئاسة قطاع الفنون التشكيلية خلفًا لقانوش    الصحة تكشف السبب وراء العطس المتكرر صباحا    جاريدو: حسام غالى لم يتدخل فى قراراتى الفنية وأزماته مع وائل جمعة بسبب قوة شخصيته    غارة إسرائيلية قرب الحدود السورية تخلّف 4 قتلى    بصفتها الشريك الرسمي لسلسلة التوريد في "مليون باوند منيو 2".. "كايرو ثرى إيه" ترسم ملامح جديدة لمستقبل قطاع الأغذية في مصر    المكتبة المتنقلة تشارك بفعاليات متنوعة لدعم ذوي الهمم بكفر الدوار    بشير التابعى: عدى الدباغ أقل من قيمة الزمالك    إخلاء سبيل المتهمين في واقعة أجنة المنيا بضمان محل الإقامة وعلى ذمة التحقيقات    سقوط عصابة الأحداث المتورطين في ترهيب قائدي السيارات بالعطارين    الأمن يكشف ملابسات سرقة تروسيكل في الغربية عقب تداول فيديو    الجنح المستأنفة تعيد محاكمة متهم في قضية مسن السويس    أحمد هيكل: لا حل لأزمة الدين دون نمو بنسبة 8% ل 15 عاما على الأقل    وفاة والدة الفنانة ريم مصطفى.. وهذا هو موعد تشييع الجثمان    النيابة الإدارية تختتم فعاليات برنامج التحول الرقمي في مؤسسات الدولة    بعد إحالتهم للمحاكمة.. النيابة توجه 7 اتهامات للمتورطين في واقعة إهانة الشاب إسلام ببنها    رئيس الوزراء: تنسيق مع القطاع الخاص لتطبيق زيادة الأجور فور تصديق الرئيس على حزمة المرتبات    محافظ الدقهلية يفتتح ملاعب ومنشآت جديدة بنادي جزيرة الورد بالمنصورة    موعد مباريات اليوم الإثنين 16 فبراير 2026| إنفوجراف    رئيس الوزراء: دراسة مالية شاملة لضمان استدامة التأمين الصحي الشامل وتوسيع نطاق الخدمات للمواطنين    نشأت الديهي عن حزم الحماية الصحية: المرض إحساس صعب والأولوية للعلاج    مدير مركز الإرشاد الزواجي بالإفتاء: الخرس الزوجي والانشغال بالأجهزة الحديثة يهددان استقرار الأسرة    أبرز محاور مداخلة نقيب الصحفيين في اجتماع لجنة إعلام مجلس الشيوخ    «القومي لذوي الإعاقة»: الإستراتيجية الوطنية تقود خمس سنوات نحو مجتمع بلا حواجز    وزير المجالس النيابية: الحكومة تؤمن بالمصارحة والالتزام بالحقيقة لتحقيق الصالح العام    أطفال يدفعون الثمن و«سن الحضانة» يقرر موعد الرحيل    الصحة: 3 مليارات جنيه لتعزيز الخدمات بالقطاع الطبي ضمن حزمة الحماية الاجتماعية    استقبالًا لشهر رمضان المبارك... الأوقاف تجدد الحملة الموسعة لنظافة المساجد الثلاثاء المقبل    محمود مسلم: الصحفي ليس على رأسه ريشة لكن القلم أو الكاميرا على رأسها ريشة وتكشف التجاوزات    ماسبيرو 2026.. "حكايات نعينع" على شاشة التليفزيون المصري في رمضان    استمرار التقديم لمسابقة «زكريا الحجاوي لدراسات الفنون الشعبية»    قرار جديد ضد عاطل بتهمة قتل صديقه وتقطيعه في العياط    مواقيت الصلاه اليوم الأحد 15فبراير 2026 فى المنيا....اعرف مواقيت صلاتك بدقه    السيسي يشدد على ضرورة الجدارة والكفاءة فى الأداء الحكومى    معركة الصدارة تشتعل في القاهرة.. الأهلي يواجه الجيش الملكي في ليلة حسم مصير المجموعة بدوري أبطال إفريقيا    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



محمد المخزنجى يكتب: بيانو فاطمة
نشر في الشروق الجديد يوم 22 - 01 - 2010

(يستخدم الكاتب فى هذه القصة تقنية «التخييل الذاتى» المفضلة لديه فى معظم كتاباته الأدبية، فهو يحكى بضمير المتكلم، المُسمَّى لدى بعض نٌقاد الأدب «الضمير الأول»، ويتكئ على أسماء حقيقية لأشخاص وأماكن، متطلعا إلى مزيد من الإحساس بالحميمية عند الكتابة، وآملا فى حميمية تالية لدى القارئ، لكن، يظل «واقع الحرفى» مختلفا بالضرورة عن «الواقع الفنى» الذى ينشده الأدب).
كبر عندى الشك بعد أن أكملت قراءة الخبر المنشور تحت عنوان «بيانو يتنبأ بالهزات الارتدادية»، وفى تفاصيل الخبر: «كتبت ياسمين الشرقاوى: فى قاعة الموسيقى بمدرسة الفرينسسكان ببنها، اكتشف العاملون والتلاميذ ظاهرة عجيبة ترتبط بجهاز بيانو مما يستخدم فى دروس الموسيقى، فبينما يكون البيانو مغلق الغطاء ولا أحد يجلس عليه.
فجأة يصدر عنه عزف لنغمة مستمرة تشبه هدير طاحونة دوّارة، ومع استمرار هذه النغمة لدقائق قليلة يأخذ الصوت فى الارتفاع حتى يتحول إلى ضجيج مزعج يأخذ فى الاشتداد، وعند هذه النقطة تهتز الأرض فى واحدة من هذه الهزات الارتدادية التى لم تنقطع منذ الهزة الكبرى لزلزال 12 أكتوبر الماضى.
وقد أثارت هذه الظاهرة استغراب العاملين فى المدرسة ووصل الاستغراب إلى حد الرعب لدى مُدَرِّسة الموسيقى بالمدرسة روزا عازورى التى لم تعد تقترب من هذا الجهاز، فيما تُردِّد «أم أيمن» العاملة بالمدرسة والتى تدخل غرفة الموسيقى فى نطاق خدمتها، أن هذا «البيانو» «مسكون»، لكن الرعب من البيانو وهاجس أنه مسكون لم يمنع مديرة المدرسة فيولا أندراوس من توظيف هذه الظاهرة الغريبة.
فما إن يبدأ البيانو فى عزفه الذاتى لنغمة الطاحونة الدوارة هذه، حتى يتم قرع جرس المدرسة كإنذار عاجل، ويتم إخراج التلاميذ من الفصول بخطة إخلاء مدروسة، ليتجمعوا فى الحوش حتى تنتهى الهزة الارتدادية الصغيرة الخاطفة التى لم يخطئ البيانو فى الإنذار المبكر بها سوى مرة واحدة من خمس مرات».
اتصلت بالجريدة محاولا محادثة الصحفية التى كتبت الخبر، لكنها لم تكن موجودة، وحصلت على رقم هاتفها النقال من زميل لها كان يعرفنى، وحادثتها محاولا الحصول على تفاصيل أكثر، لكنها لم تضف إلى ما كتَبَتْهُ أى جديد.
شكرتها، ورجوتها أن تعطينى رقم تليفون مُدرِّسة الموسيقى بالمدرسة، لكن لم يكن لديها غير رقم المدرسة، ووصفت لى عنوانها وكيف يمكننى الوصول إليها.
اتصلت بالرقم، ورد علىّ صوت أنثوى ناضج، فطلبت من صاحبة الصوت أن أحادث مُدَرِّسة الموسيقى روزا عازورى، وعندما جاءت هذه إلى التليفون وما إن بدَأْتُ بسؤالها عن البيانو وأعجوبته تمهيدا لسؤالها عن ماركة هذا الجهاز وشكله، حتى أوصدت فى وجهى كل النوافذ والأبواب بصوتها الحاد الرفيع المرتعش، كان واضحا أنها مذعورة بالفعل من هذا الجهاز وما يحدث منه، حتى إننى لم أحصل منها إلا على فلتة لسان عرفت منها أن الجهاز روسى.
وهذا مما أذكى وهج فضولى، وقررت أن أسعى بنفسى للحصول على تفاصيل أكثر عن البيانو الذى تمكّن منى هاجس أنه هو نفسه الذى أعرفه، وكان لابد من سفرة إلى بنها، وبموازاتها كانت هناك سفرة أخرى.. فى الذاكرة.
بعد ثلاث سنوات عشتها دارسا وطبيبا عاملا فى العاصمة الأوكرانية «كييف» على زمن السوفييت، هبَطَت علىّ ثروة جاءت فى وقتها، سبعمائة دولار أرسلتها دار لينوس بزيورخ مكافأة نشر أولية لكتاب لى ترجمه إلى الألمانية هارتموت فاندريتش.
وهو نفسه من تطوع مشكورا لإرسال الشيك بالمبلغ المذكور على عنوانى حيث كانت هناك مراسلات ودية بيننا، لأننى تقريبا كنت باكورة ترجماته من العربية إلى الألمانية والتى صارت مع الزمن مكتبة كاملة ترجمها هذا المستعرب السويسرى النشيط، الذى كان شابا وأصلع قليلا ويرتدى نظارة طبية وله لحية أتذكر أنها كانت حمراء.
سبعمائة دولار جاءت وأنا أحزم حقائبى عائدا إلى مصر بشهادة الاختصاص، وبأحلام غائمة وضاحكة قليلا، أن يتحسن وضعى الوظيفى كطبيب إخصائى فى وزارة الصحة، وأن أفتح عيادة، وأتزوج، وأنجب أطفالا، وكانت الدولارات السبعمائة، إضافة لثلاثمائة دولار كانت معى، أى ألف دولاركانت تتيح لى أيا من هذه الخيارات :
1 أن أشترى سيارة لادا صغيرة بالسعر الرسمى مع التمتع بالإعفاء من الجمارك المقرر للمبعوثين بعد إنهاء دراستهم، وأن أبيع هذه السيارة فى مصر وأبدأ مشروع تجهيز شقة الزوجية وشقة العيادة.
2 أن أشترى أثاث شقة كاملة صغيرة من خشب «الكونتر» الروسى الفاخر كانت معروضة بحوالى ربعمائة دولار، ومعها ثلاجة روسية مبتكرة لا تصدر صوتا لأنها مصممة لتعمل بلا موتور، بل بتدوير ديناميكى حرارى لغاز الفريون، مع فرن كهربائى وميكروويف وحلتى ضغط وطاقم سرفيس، أى مستلزمات مطبخ شبه كامل، هذه كلها كانت لاتتجاوز الألف دولار، أى تجهيزات كاملة لشقة يبقى أن أستأجرها فى مصر، وأتزوج، ولتنتظر العيادة حتى إشعار آخر.
3 أن أفعل مثلما يفعل كثير من المبعوثين المصريين والعرب إلى الاتحاد السوفييتى، أى أشترى بضائع تُباع بأسعار زهيدة جدا فى روسيا وأشحنها معى إلى مصر، ومن ثم أبيعها فى مصر بأضعاف أضعاف أسعارها فى روسيا، وأستثمر العائد فى مشاريع الاستقرار التى كنت أحلم بها، وكانت الألف دولار يمكن أن تتحول بهذه الطريقة إلى عشرين ألف دولار لو أننى استثمرتها.
تبعا لآراء الخبراء من المبعوثين العرب، فى تشكيلة من سيجار هافانا ومثاقب الحديد المسننة ببودرة الماس الصناعى، وكاميرات كييف الاحترافية لتصوير البوسترات، وبعض المناظير الليلية، وأشياء أخرى أعطانى أحد الخبراء العرب قائمة بها.
كان الخيار الأول معقدا ويتطلب أوراقا من هنا ومن هناك، وهى مهمة مُروِّعة بالنسبة لى، لهذا استبعدت هذا الخيار. وكان الخيار الثالث بذيئا ولطالما أثار امتعاضى ممن يقومون به لتحولهم من طلبة دكتوراة إلى تجار شنطة، فشطبته ومزقت القائمة السحرية للثراء الموعود. وظل الخيار الثانى قائما، فهو إنسانى وغير مبتذل، خاصة وقد استبعدت منه الحلل والطناجر والمغارف برغم الجودة المشهودة للصلب الروسى، بينما بدت الثلاجة المبتكرة وفرن الميكروويف أشياء بها وجاهة علمية وحداثية تبعد عنها شبهة الفظاظة.
لكننى لم أكن أعرف بالضبط ما يمكن أن يروق للمرأة من خيارات أثاث البيت المدمج المتكامل التى كانت هناك عدة نماذج منها معروضة فى مكان واحد، «جوم» أو مركز تجارى كبير يشبه المولات التى نعرفها الآن. وكان لابد من الاستعانة بصديق، بل صديقة!
كانت صاحبتى الأوكرانية مسافرة إلى بلدتها، وكانت تحمل معها فى تلك السفرة حقيبة زوابع ثقيلة هاجت بيننا، مما جعلنى أفكر بعمق فى استبعادها كزوجة. فكيف أستدعيها لتختار معى أثاثا لبيت الزوجية. «لا»، أكدت ذلك لنفسى المستمرة فى الغضب. و«نعم»، قلتها عندما تمثَّلت أمامى «فاطمة».
وفاطمة لبنانية جميلة، بل رائعة الجمال مظهرا وجوهرا، طالما جمعت بيننا علاقة أعمق قليلا من مجرد الصداقة، كانت تدرس اختصاص طب الأطفال، وكانت فائقة الذكاء لدرجة أنها حصلت على «كراسنى دبلوم»، أى الدبلوم الأحمر، وهو أعلى درجة على سلم التفوق الدراسى السوفييتى، لا ينالها إلا النادرون من الدارسين السوفييت المتفوقين أنفسهم، وردة حقيقية من الجنوب اللبنانى بلون الحليب بالقرفة، شيوعية بلا إلحاد ولا تلوث ذكورى أو حنجورى، خدومة وذات همة، مثقفة ثقافة حقيقية بلا أى ادعاء، وتقرأ الأدب فى اللغات الثلاث التى تجيدها غير العربية، فهى تعرف الفرنسية والإنجليزية، والروسية طبعا. وكانت مستشارتى فى شئون اللغة الفرنسية إذا اقتضت الظروف استشارة، وكنت أخلق الظروف وأختلق الاستشارة لأذهب إليها أو تأتى هى إلىّ.
فى متجر الأثاث الكبير ذى الطوابق المتعددة صعدت وهبطت ودرت مع فاطمة بين نماذج البيوت الكاملة، وكانت متحمسة بصفاء مذهل، صفاء نفس طيبة حلوة، تسألة عن المكونات والضمانات وتتفقد بدقة الأرفف والأدراج وتتلمس المقابض، وتنهمر بسيل من الأسئلة الباحثة عن تفاصيل التفاصيل، كأنها تشترى أثاث بيت لها، وأوحت لى هذه الصورة بأن أتفرغ لتأملها وهى تفعل ذلك باستغراق آسر، ورأيتها أبدع ماتكون. ماذا أريد أجمل من ذلك؟ عربية، وجميلة، ومتفوقة، وذكية الروح، وبنت مهنتى، وتقرأ الأدب بثلاث لغات. وفوجئت بها تنتزعنى من شرودى ملتفتة تسألنى: «شو رأيك ؟».
كانت تشير إلى نموذج أعجبها بين النماذج المعروضة فى صالة المتجر الشاسعة، ووجدت نفسى أسألها «شو رأيك نتجوز»، فأبصرْتُ فاطمة الواضحة المحددة البيضاء بلون الحليب بالقرفة تحمر وترتبك وتتلعثم، لكنها كصاحبة عقل اعتاد التفوق الحاسم، سرعان ما تماسكت مستعيدة لونها الناعم وكلماتها الواضحة، وضحكتها الرقيقة الجادة، وأشارت لى كشرطى مرور يحدد مسار السير عند المفارق «تعا»، فتبعتها.
كانت هناك «استلوفيا» أو مقهى لطيف من مقاهى أرصفة شارع الكريشياتيك فى قلب كييف، ووجدنا مكانا تحت مظلة برتقالية وزرقاء مبهجة، بينما كان هناك رذاذ من مطر الصيف العذب يصنع حولنا أقواس قزح صغيرة شفافة متعددة. وبادرتنى فاطمة ونحن نلحس قمعين من أقماع الجيلاتى الروسى الشهير، أو البوظة تبعا للهجتها اللبنانية: «شو قلت هلا ؟». فكررت سؤالى الذى رشقتها به فى الجوم، ببطء، ومترجَما إلى لهجتها اللبنانية: «شو.. رأيك.. نتجوز (بتعطيش الجيم) ؟!».
وإذ بعقل الدبلوم الأحمر يتجلى كأنها كانت تجيب عن سؤال ممتحن فى أحد الاختبارات الإكلينيكية الشفوية، وإن بعربية وسط بين الفصحى والعامية، بل العاميتين المصرية واللبنانية :
أولا، أنا لبنانية بنت جنوب (بتعطيش الجيم أيضا) ولا يمكن أعيش غير فى الجنوب مو قضية وطنية بس، لا، لأن الجنوب عندى أجمل أرض وأطيب ناس فى الدِنى.
ثانيا، أنا شيعية وأنت سُنِّى، وهادا ما بيهمنى، لكن باعرف إن هادى مشكلة عنكم.
ثالثا، انت معتّر، يعنى فقير، وأنا فقيرة، وأنا تعبت من الفقر والتعتير ومقررة أتجوز واحد غنى، غنى كتير، يعمل لى بيت كبير جميل ع الجبل، وعيادة، ونقضى الإجازات فى باريس.
كانت لحسات الجيلاتى لذيذة، وكانت فاطمة نوعا من البشر يصعب أن تفقده مهما كانت درجة الخلاف، لأنها تتكلم بشفافية ورهافة وصدق، ووجدت نفسى أقول لها باللغة الروسية دون أى انفعال سلبى، ودون أن أنقطع عن لحس الحليب الشهى بالفانيليا:
«واضح.. أنت لاتحبِّينى».
وأجابت بالروسية أيضا، وأيضا دون أن تتوقف عن لحس بوظتها التى بالشيكولاتة:
«أنت مجنون».
لم أفهم بالضبط المعنى الذى تقصده بجنونى، هل أننى مجنون لأننى أطلب حبها، أم أننى مجنون لأننى يمكن أن أتصور أنها لا تحبنى. طبعا فضلت الاختيار الثانى، راضيا بأى شكل من الحب يمكن أن تكنه لى مخلوقة رائعة مثل فاطمة. وغير غاضب أبدا، بل بارتياح صاف قررت أن أنسى حكاية أثاث البيت هذه، وكان علىّ أن أبحث عن شىء آخر أنفق فيه الألف دولار. وبالارتياح الصافى نفسه، لم تبخل فاطمة بمشاركتى فى البحث، فاقترحت أدوات وتجهيزات عيادة.
وكانت هذه لاتتجاوز الخمسمائة دولار، فماذا أفعل بالخمسمائة المتبقية؟ طرحت أنا السؤال، وألحقت به شرطا يناسب طبعى النزق: أن يكون ما أشتريه غير مثقل بالتفاصيل، وحبذا لو كان شيئا واحدا له قيمة وغير متوافر فى مصر، وهتفت فاطمة «بيانو»، وأى بيانو ؟ إنه بيانو حجزته لنفسها، لأنها تجيد العزف عليه وتحب الموسيقى، لكنها قررت ان تتخلى عنه لى لأنها ستسافر بعدى، ومن ثم أمامها وقت، ويوم أذهب لتسلم البيانو المحجوز، تأخذ منى ثمنه وتحجز آخر لها. وهنا بدأت رحلة البيانو!
خلال الأسبوعين أو الثلاثة، قبل سفرى، وهى الفترة التى لازمتنى فيها فاطمة، لم أكف عن الإحساس بالخسارة لعدم التمكن من الاقتران بمخلوقة مثلها، فهى إضافة لكل جمالاتها التى لم تكف عن التجلى، كانت عملية بشكل رائع، وهو جانب أفتقده تماما، وظللت أتحسّر وأنا أتملاها فى صحبتى، لو كنت حسن الحظ لكانت زوجة مناسبة لى تماما، جميلة وذكية ولذيذة، تدير شئونى وترحمنى من إجراء الحسابات التى لم أُجدها ولن أجيدها، وتُدبر شئون حياتى بهمتها النشيطة والنقية هذه.
لعَنْتُ الطائفية والفقر والحنين للأوطان، وأسلمت قيادى لفاطمة لتدبر شئونى إلى أن أسافر. هى التى حصلت لى على تذكرة بسعر مخفض، وهى التى حجزت لى موقعا فى طابور شحن متعلقات سفرى، وكان البيانو أثمن قطعة فى هذه المتعلقات، ليس فقط من حيث ثمنه وقيمته، ولكن لأنه جاء كهدية مناسبة لأخى الأصغر «على»، الموسيقى وطالب طب الأسنان. فلطالما كان هذا الولد الطيب هو شقيقى الأقرب، فبعد مرض الوالد وتراجع دخل ورشته إلى ما يقارب الصفر.
وجدت نفسى معه فى مأزق حقيقى، ولم يكن ممكنا حل مأزقنا المشترك إلا بتعاون عجيب، فأنا براتبى الحكومى المتواضع، وهو بعائد مشاركاته فى العزف على جيتار ضمن «باند» محلى يحيى حفلاته فى صالات وكازينوهات المدينة والمدن المجاورة، استطعنا أن نعيش على الساندوتشات وندخن مايكفينا من سجائر ونشترى مايلزمنا من جرائد ومجلات وكتب. فأن أعود إليه ببيانو، كان ذلك يسعده بالتأكيد، وبالتأكيد يُفرِح قلبى، ويجعل هذا القلب ينحنى امتنانا لفاطمة، «شكرا يا فاطمة» قلت لها فى نوبة وجد حقيقى، فالتفتت تقول لى بدهشة : «على شو؟» .
شكرا على الكثير، والكثير جدا، الذى بدونها ما كان ممكنا أن أقوم به وحدى، وفيما يخص البيانو تحديدا، كانت تدابير نقله معقدة جدا، وعجيبة، متاهة فى دهاليز البيروقراطية السوفييتية، المركبة جدا، والدقيقة أيضا. عشرات الأوراق وعشرات الأماكن المتباعدة للحصول على إذن الشحن، ودفع تكاليف الشحن، وإعداد تجهيزات الشحن، والتى كان أعقدها وأطرفها تجهيز البيانو.. قبل الشحن!


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.