الجمعية المصرية لحماية الطبيعة: "ضرورة تحرك الدولة سريعًا لوقف الصيد العشوائي للعصفوريات"    تراجع المبيعات المؤجلة للمساكن في أمريكا بأكثر من المتوقع الشهر الماضي    سوق الأسهم الأمريكية تنتعش بعدما ألغى ترامب الرسوم الجمركية المتعلقة بجرينلاند    ترامب يقترب من حسم اختيار رئيس الاحتياطي الفيدرالي    ترامب يتراجع عن تهديداته بشأن جرينلاند ويؤكد قرب التوصل لاتفاق مع حلفاء الناتو    ستارمر: تهديدات ترامب لن تجعلنا نتراجع عن موقفنا تجاه جرينلاند    مبعوث بوتين: الصفقة الأمريكية المقبلة بعد جرينلاند تستهدف كندا    واشنطن بوست تطالب قضائيًا بإعادة أجهزة صحفية صادرتها الحكومة    خمس وفيات وأكثر من 260 عملية إجلاء في فيضانات تونس    الزمالك يوضح موقف سيف جعفر من الرحيل عن النادي    هاري كين يقود بايرن ميونخ للفوز على سان جيلواز بهدفين    فوز مثير لبلباو على أتالانتا في دوري الأبطال    نيوكاسل يكتسح آيندهوفن بثلاثية ويعزز تقدمه في دوري الأبطال    برشلونة يهزم سلافيا براج برباعية ويعزز آماله في دوري الأبطال    ضبط سلع غذائية منتهية الصلاحية ومجهولة المصدر بدمياط    فن الهروب من الأسئلة الثقيلة    قصور الثقافة تطلق قافلة ثقافية لدعم المواهب وتعزيز الوعي بعزبة عمرو بأشمون    دورى أبطال أوروبا.. محمد صلاح يقود ليفربول لاكتساح مارسيليا بثلاثية نظيفة    علاء ميهوب: حسام حسن حقق المطلوب فى أمم أفريقيا وكان غير مطالب باللقب    رئيس الوزراء اللبناني يوجه بسرعة تقديم الدعم لمتضرري الغارات الإسرائيلية    اتصال بين قائد «سنتكوم» والشرع لبحث وقف النار ونقل معتقلي «داعش»    البرلمان الأوروبي يدعو لتفعيل الدفاع المشترك مع تزايد الشكوك حول موثوقية "الناتو"    ملتقى الدمى الخامس يكرّم رواد فنون العرائس في الوطن العربي.. صور    «في يدي مكنسة» جديد محمد السيد الطناوي بمعرض الكتاب    السياحة تطلق حملة ترويجية للمقصد المصري في إسبانيا    نشأت الديهي: انضمام الرئيس السيسي لمجلس السلام الدولي يؤسس لنظام عالمي جديد    10 فوائد ل شوربة العدس في فصل الشتاء.. تعرف عليها    مجلس الدولة يوقع بروتوكول أكاديمي مع الجامعات الأوروبية بمصر    محافظ الغربية يضع منظومة النظافة في صدارة الأولويات.. ويوجّه بالطرح الشامل للجمع المنزلي    جودي شاهين تفوز بلقب أحلى صوت في ذا فويس    عالم أزهرى عن الحديث فى مصير والدى النبى: ليس محل جدل ولا نقاش    الأرصاد تعلن أماكن سقوط الأمطار غدا الخميس    السفير محمد حجازي: ملف سد النهضة محور حيوي في لقاء الرئيسين السيسي وترامب    النيابة العامة تُجري تفتيشًا لمركز إصلاح وتأهيل الوادي الجديد    مباراة نارية الليلة.. بث مباشر مشاهدة النصر وضمك مجانًا في دوري روشن السعودي    القومي لذوي الإعاقة يشارك في فعاليات معرض الكتاب    وكيل الأزهر يستقبل وزير الشؤون الدينية بولاية صباح الماليزية لبحث سبل التعاون المشترك    كيف يتم احتساب زكاة شهادات الاستثمار والودائع البنكية؟.. أمين الفتوى يجيب    هل قص الأظافر ليلاً مكروه؟.. أمين الفتوى يجيب    البنك المركزي: تراجع العجز في حساب المعاملات الجارية بمعدل 45.2%    محافظ الإسكندرية يستقبل وفد الهيئة العامة للتأمين الصحي الشامل    وكيل قصر العيني: قسم طب العيون بالكلية يلعب دورا هاما في مجال زرع القرنية    إحالة أوراق قاتل طفل البازار ببورسعيد للمفتى تمهيدًا للإعدام    تماثل 22 حالة تعرضوا لأعراض اضطرابات معوية بقرية أدندان بنصر النوبة للشفاء    «الحياة بعد سهام» يشارك في مئوية يوسف شاهين بمعهد العالم العربي    سكك حديد مصر: إطلاق خدمة جديدة بعربات مختلطة بين والقاهرة وأسوان    علاج المواطنين مجانا بقافلة طبية بقرية في الشرقية    جنايات الإسماعيلية..السجن المؤبد لمواطن اعتدى على زوجة نجله في أبو صوير    وصول الأنبا يوآنس مطران أسيوط إلى النمسا للاطمئنان على صحة البابا تواضروس    إعلام الشرقية ينفذ 3 ندوات توعوية تستهدف 400 مستفيد    وزير العمل: الذكاء الاصطناعي يجب أن يخدم الإنسان ويعزز فرص العمل اللائق    «التموين»: ضبط مشغولات ذهبية وسبائك فضية مغشوشة وأدوات تقليد لأختام الدمغة    ما حكم الصيام تطوعًا في شهر شعبان؟ وما هى الأيام المنهى عن صيامها؟    السعودية تمنع بث الصلوات عبر الوسائل الإعلامية خلال رمضان    الرئيس السيسي من منتدى دافوس: العالم يواجه تحديات جسيمة أمام التنمية    غدا انطلاق المؤتمر الدولي السنوي الثامن عشر لمعهد بحوث أمراض العيون بالقاهرة    أسعار الفاكهة اليوم الأربعاء 21 يناير في سوق العبور    نقابة الإعلاميين تُخاطب الوسائل الإعلامية لتقنين أوضاع العاملين بها في الشُعب الخمسة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



جلال أمين وحلاوة رحيق العمر‏(2-2)‏
نشر في الأهرام اليومي يوم 26 - 04 - 2010

تسجيل بعين التخييل ورث جلال أمين عن والده العظيم عادة مخاطبة الأوراق وممارسة الكتابة‏,‏ وتعززت هذه العادة فيما يبدو بتأثير أخيه الأكبر حسين الذي كان أقرب إلي عالم الأدب‏,‏ حيث قام بدور أشد فاعلية في حثه علي التسجيل والتحليل‏,‏ ومن هنا تكونت لدي الكاتب ثروة نفيسة من الرسائل المتبادلة بينهما أسعفته في هذه السيرة الثانية‏,‏ ونشطت لديه قدرة التخيل الضروري لإعادة بناء تفاصيل الحياة الصغيرة وهوامشها الدقيقة مما كان يسميه الدكتور مندور فتات الحياة‏,‏ وهو الذي يعطي القارئ مذاق اللحظة الطازجة ووهجها اللافت‏,‏ ولولا هذه الرسائل‏,‏ وما دونه الكاتب من مذكرات‏,‏ لما كان بوسعه أن يعتمد علي ذاكرته فحسب وهو يحلل ولعه بالفن مثلا‏,‏ وإصراره علي الاعتزاز بما توهم انه قد وصل اليه باجتهاده الشخصي في اكتشاف بعض القوانين الجمالية التي تحكمه‏,‏ وكلها مثبوتة في فلسفة الفن وما كتب عنها‏,‏ ومن الطريف ان يظل حتي كتابة هذه السيرة متمسكا بوهمه دون ان ينتبه لإشارات أخيه الذكية إلي ان يكتشف بنفسه ما سبق إليه المبدعون من قبل‏,‏ وليس هناك ما يضمن ان يكون قد اختزن في وعيه الأفكار دون أن يدري‏,‏ فهو يقول أخيرا وصلت إلي أن العنصر المشترك في الأعمال الفنية كافة من الموسيقي والشعر والأدب والرسم والنحت هو إثارة التوقعات ثم اشباعها‏,‏ لم أعد الي التفكير في الأمر ولكني لازلت أشعر بأن مثل هذه اللحظات التي استغرقت فيها بدافع ذاتي محض هي من أشد لحظات حياتي خصوبة وإمتاعا‏.‏
وإذا كان هذا صحيحا في جملته فإن ما أتاح له الاحتفاظ بما يشوقه من هذه اللحظات هو تسجيلها في رسائل متبادلة لم يعلق بذاكرته منها سوي شعوره الخاص‏,‏ اما ما لفته اليه اخوه الأكبر من توافقه جزئيا مع نظرية شوبنهاور في الموسيقي فلم يعتد به‏,‏ كما أنه لم يطلع علي الدراسات المستفيضة في علم الجمال ولم يتبين ان ما عبر عنه هو ما يسمي بجماليات الائتلاف‏,‏ وأن هناك نوعا آخر أشد قدرة علي تفسير الابتكارات الإبداعية وهو جماليات الاختلاف‏,‏ وهي التي كان يرفضها بشدة الأستاذ حسين في تعليقه علي إعجاب أخيه بمسرحية الكراسي ليونسكو ويصيح فيه أين الحياء لمجرد أنه أبدي هذا الإعجاب‏,‏ وذلك لما يمتلكه الأستاذ حسين متعه الله بالصحة من حس أخلاقي جارف يصبغ نظراته للفن‏,‏ هذا الحس الذي منع فيما يبدو أخاه الأصغر من البوح في سيرته الأولي بتجاربه الجنسية الغضة‏,‏ ولكنه هذه المرة يستجمع كل شجاعته ليحلل عديدا من تجاربه‏,‏ ابتداء من تجربته الساذجة التي دونها في دفتر مذكراته بعنوان المرأة الأولي كما يسجل علاقته الآلية الرتيبة مع غانية عابدين في صباه الباكر قبل سفره للبعثة‏,‏ لكن الأهم من ذلك هو علاقته الحرة لمدة ثلاث سنوات مع صديقته الانجليزية التي يقول عنها التقيت بها وأنا جالس مع مجموعة من الزملاء العرب الذين يدرسون في نفس كليتي‏..‏ أبدت هي أيضا اهتماما بي يفوق اهتمامها بالآخرين‏,‏ دعوتها للعشاء فقبلت بسرور‏,‏ ولم تمض بضعة أيام حتي كنا قضينا الليلة في غرفتي الصغيرة‏,‏ كانت تجربة جديدة تماما علي‏,‏ ولكنها جلبت لي ثقة بالنفس‏,‏ استمرت علاقتنا الحميمة ثلاث سنوات‏,‏ ثم يورد أسباب عدم انتهائها بالزواج‏,‏ كما يورد أصداءها بعد سنوات طويلة ومدي ما أثارته من شجن في نفسه يجسد حكمة مذكراته كلها كما يعبر عنها شكسبير في مسرحية الملكك لير الحب يبرد والصداقة تتصدع والأشقاء ينقسم بعضهم علي بعض مما يورث هذا الشعور المرير الذي يطلق عليه خيبة الآمال‏.‏
وإذا كانت هذه السيرة تتضمن جوانب أخصب وأعقد من محاولة الإحاطة بها في مقال فإن البعد السياسي الماثل فيها يمنحها حيوية فائقة‏,‏ خاصة عندما يتكئ علي مذكراته العجيبة ويستحضر في الفصل المعنون ماذا يحدث لنا في مصر وضعه بد العودة من بعثته‏,‏ والإحباطات التي أصيب بها مع أبناء جيله بالرغم من حظوظهم الأوفر ممن جاء بعدهم‏,‏ مما يؤدي الي فقدان القدرة علي العمل العملي الخلاق‏,‏ لعل الجدول الطريف الذي سجله لخطوات حصول الاستاذ حينئذ علي إذن بحضور مؤتمر دولي ان يكون بالغ الدلالة علي هذا التاريخ المسكوت عنه‏,‏ لقد قدم جلال أمين في هذه الرواية الثانية لسيرته ما افتقدناه في روايته الأولي وكشف عن تطوره الفكري والثقافي بوعي غير شقي وثقة تجاوزت ما كان يزعمه عن نفسه من الشك في قدراته حينا وهوس التفوق الذي يركبه في معظم الأحيان فيتيح له قدرا من النجومية التي يحظي بها الأفذاذ في مجالتهم العلمية الرصينة لكن هذا الإحساس العام بخيبة الأمل لا يخفي شعورا بالسعادة يعبر عنه قائلا‏:‏ إني لا أتردد في اعتبار نفسي سعيد الحظ‏,‏ علي الرغم من كثرة ما تعرضت له في حياتي‏,‏ مثلما تعرض غيري‏,‏ من حالات خيبة الأمل‏,‏ سعيد الحظ بأبي وأمي واخوتي وبزوجتي وأولادي‏,‏ وبوظيفتي وكتاباتي‏,‏ ولكني اعتبر ان أهم ما كنت سعيد الحظ فيه هو ما ولدت به من ميل طبيعي للانشغال بمشكلات عقلية ومحاولة حلها‏,‏ فقد كان هذا مصدر سرور مستمر لي‏,‏ سواء وصلت الي حل للمشكلة أو لم أصل‏,‏ إن هذا الميل الطبيعي الذي لا فضل لي فيه هو الذي جعلني أجد سرورا في التدريس بالجامعة‏,‏ في إعداد المحاضرات وإلقائها وهو يعود في هذا المشهد إلي تأكيد ما سبق أن انتهي اليه في سيرته الأولي من أن الحياة لا تكاد تزيدنا شيئا عما فطرنا عليه‏,‏ مقللا من شأن الخبرة والتجارب والمراس الصعب في التدريب والتعلم‏,‏ وأحسب أن الكثيرين لا يوافقونه علي ذلك‏,‏ ويرون ان إرادة البشر وما يصنعونه بحياتهم هي مناط عظمتهم ومسئوليتهم في الآن ذاته‏,‏ وإذا كان جلال أمين قد تعرض لبعض اللوم إثر نشره لبعض أسرار أسرته في السيرة الأولي فإنه قد غطي هذه السيرة الثانية علي ما يتصل بغيره بقدر ما أمعن في تعرية ذاته وهذا موقف أخلاقي صائب يمارس فيه حريته في الكتابة والكشف بشجاعة تحسب له‏,‏ تزيد من فرص التواصل الصادق بينه وبين قرائه وقدرته بالتالي علي التأثير فيهم‏,‏ إذ أن من أهم النتائج الجمالية للسير الذاتية العميقة الجارحة لسطح الحياة الأملس انها تعيد ترتيب منظومات القيم لدي الضمير الجماعي بحيث يعتبر الصدق والاعتراف بما يمكن ان يعد ضعفا من قبيل القوة النفسية والمعنوية للفرد والمجتمع‏,‏ وأحسب ان هذه السيرة قد تداركت قدرا مما أحدثته في السيرة الأولي بشيء من التوازن الصحيح بين الفن والتاريخ‏,‏ وكشفت عن موهبة الكاتب السردية ووعيه بأدواتها من مذكرات ورسائل‏,‏ وقدرته علي التعبير التلقائي دون تكلف‏,‏ وأهم من ذلك تلقيه بجدية ما أثارته سيرته الأولي واستجابته الطيبة للإضاءات النقدية التي وجهت له‏,‏ بطيبعة الاستاذ الذي يري انه فطر عليها ويسعد بممارستها تعليما ومتعة وعلما‏.‏

المزيد من مقالات د‏.‏ صلاح فضل


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.