في ظل استعراض الرئيس عبد الفتاح السيسي لأولويات ومحددات السياسة المالية لموازنة العام المالي 2026 /2027 تبرز ملامح مرحلة اقتصادية دقيقة تسعى فيها الدولة المصرية إلى تحقيق معادلة شديدة الحساسية بين دعم المواطنين وتحقيق الانضباط المالي وضمان الاستدامة الاقتصادية. من جانبه أكد الدكتور محمد الجوهرى، الخبير الاقتصادى ورئيس مركز أكسفورد للدراسات الاقتصادية، أن توجه الدولة نحو زيادة الأجور في هذا التوقيت يعكس إدراك الدولة لحجم الضغوط المعيشية التي يواجهها المواطن المصري نتيجة موجات التضخم العالمية وارتفاع تكاليف الطاقة وسلاسل الإمداد، وهو ما يؤكد أن البعد الاجتماعي لا يزال حاضرًا بقوة في قلب السياسات الاقتصادية، إلا أن الأهم في هذا الطرح ليس فقط قرار الزيادة بل كيفية تمويلها دون تحميل الموازنة العامة أعباء إضافية تؤدي إلى تفاقم العجز أو زيادة معدلات الدين.
التوازن بين زيادة الأجور وخفض الدين وأوضح الجوهرى أن الحديث عن خفض الدين العام وترشيد الإنفاق يمثل محورًا بالغ الأهمية، حيث إن الاقتصاد المصري لا يحتاج فقط إلى إجراءات توسعية لتحفيز الطلب بل يحتاج أيضًا إلى إعادة هيكلة الإنفاق العام بما يضمن توجيه الموارد نحو القطاعات الإنتاجية والاستثمارية بدلاً من الأوجه الاستهلاكية غير الضرورية فترشيد الإنفاق لا يعني التقشف بقدر ما يعني رفع كفاءة استخدام الموارد وتحقيق أقصى عائد اقتصادي واجتماعي من كل جنيه يتم إنفاقه.
وتابع رئيس مركز أكسفورد للدراسات الاقتصادية: خفض المديونية الحكومية لم يعد خيارًا بل ضرورة استراتيجية في ظل ارتفاع تكلفة خدمة الدين عالميًا حيث يؤدي تراجع الدين إلى تخفيف الضغوط على الموازنة العامة ويمنح الدولة مساحة أكبر للتحرك في تمويل مشروعات التنمية والبنية التحتية دون الاعتماد على الاقتراض.
تحول فى فلسفة الإدارة المالية للصمود أمام الصدمات وأضاف الجوهرى أن توجهات الدولة المصرية تعكس تحولًا واضحًا في فلسفة إدارة المالية العامة من مجرد إدارة للأزمات إلى بناء اقتصاد قادر على الصمود أمام الصدمات الخارجية سواء كانت أزمات جيوسياسية أو تقلبات في أسعار الطاقة أو تغيرات في حركة رؤوس الأموال العالمية، وتابع: التحدي الحقيقي أمام الحكومة في المرحلة القادمة يتمثل في تحقيق التوازن بين ثلاث معادلات رئيسية أولها حماية محدودي ومتوسطي الدخل من آثار التضخم وثانيها الحفاظ على استقرار المؤشرات المالية وثالثها تحفيز النمو الاقتصادي القائم على الإنتاج والتصدير وليس الاستهلاك.
وشدد الخبير الاقتصادى على أن ما تم طرحه من محددات للموازنة يعكس رؤية اقتصادية تسعى إلى تحقيق الاستقرار المالي دون إغفال العدالة الاجتماعية، وهو ما يمثل خطوة مهمة نحو بناء اقتصاد أكثر توازنًا وقدرة على مواجهة التحديات ولكن تبقى فعالية التنفيذ والمتابعة هي العامل الحاسم في تحويل هذه الرؤية إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية.