يستوقفنا شهر الكرم عند مشهدٍ تربويّ جليل، يتجاوز حدود اللحظة العابرة؛ ليلامس جوهر الوجود الإنسانيّ؛ حيث يتجلى هذا الشهر الفضيل بوصفه وعاءً زمنياً نقياً؛ لتدفق قيم التنوير، وانبثاق الحكمة، التي لا تُخمَد جذْوتها، وكأن القدر الجميل قد شاء أن تجتمع في لياليه كل مسارات الهداية، التي عرفتها البشرية، عبر تاريخها الطويل؛ لتؤكد لنا أن هذا الميقات ليس مجرّد فرصة للاستحضار الذهني، أو التكرار النمطيّ، بل هو دعوة حضارية؛ لاستنهاض العقل الحر، وتهذيب النفس من شوائبها، وإعادة صياغة الذات وفق موازين، ترتقي بالفكر، وتسمو بالوجدان، فتُخرج الإنسان من حيرة التيه، إلى رحاب البصيرة النافذة، التي تميّز بين الغثّ، والسّمين، فحين ندرك فلسفة هذا الاصطفاء القدري المدهش، يشتعل في أعماقنا حنينٌ جارفٌ نحو التغيير الإيجابيّ، وبناء شخصية، تعمّر الكون بقيم الحق والعدل، والجمال، محوّلين تلك المعاني السامية إلى سلوك تربوي حيّ، وواقع ملموس، يفيض بالبهاء، والسَّكينة. حين تطلُّ ظلالُ رمضان، لا يعلن الوقتُ عن تبدّلٍ في تقويمه الفلكيّ فحسب، بل يعلن الوجودُ عن فسحةٍ كونية استثنائية؛ تشكل موسم التربية الأرْقى للروح، وتجلٍّ فريد لما يمكن أن نسميه القدر الجميل؛ ففي هذا الميقات، تتهيأ للمرء أسباب السمو؛ فتشرع أبواب الفرص الواعدة، وتتفتح آفاق التغيير الإيجابي، وكأن المدى قد أُزيحتْ عنه العوائق؛ ليرحب بكل طامح؛ لاستعادة توازنه المفقود، وفي هذا الفضاء، تضيق مسالك الوهن، وتخفت ضوضاء المشتتات، وتتراجع سطوة العادات المكبلة للإرادة؛ ليجد الإنسان نفسه في مواجهة صادقة مع مكنوناته؛ بعيداً عن صخب الإغواء الخارجي، وهنا، يبرز النداء التربوي الخالد، الذي يتردّد في جنبات النفس: يا مريد الرقي هلّم، ويا أسير العثرات كُفَّ؛ إنه نداء لا يعيد ترتيب الوقت، بل يعيد ضبط الحس الداخلي؛ ليذكرنا بأن القدر الجميل، ليس مصادفة ننتظرها، بل اختيار نُقبل عليه، حين تتهيأ الظروف، وتصفو القلوب، وهكذا يتحوّل رمضان من مجرد زمن عابر إلى مدرسة؛ لبناء الإرادة الصلبة؛ حيث تمضي النفس بوعي تام من ضيق الرتابة إلى سعة التحرّر، ومن أسر اللحظة العابرة إلى أفق الحرية المسؤولة؛ لتصنع بيديها قدراً، يليق بنبل جوهرها. في تلك الليالي المتفرّدة من ختام شهر التحرّر، والارتقاء، تتبدّى أسمى معاني السمو الإنساني في صورة فرصة كونية، لا تتكرّر؛ حيث تطل ليلة، تختزل في جوهرها قيمة الزمن، وتتفوّق في أثرها على آلاف الشهور، إنها ليلة القدر الجميل، التي تمنح المرء سانحة نادرة؛ لاستثمار اللحظة في إعادة صياغة الوجود، وتطهير النفس من غبار الرّتابة، والذُّهول عن الذات؛ فكل من أضاع الجوهر القيميّ، الذي تهبه هذه الليلة، فقد خسر أثمن ما يمكن استدراكه في رحلة العمر، وما فاته من لحظات الوعي فيها، لا يعوّضه امتداد السنين، ولعلّ الحكمة في استتار موعدها، وتخفيها بين ثنايا الأيام الأخيرة، تكمن في تحفيز كوامن الاجتهاد، والتأّهب لدى الإنسان؛ ليكون أكثر حيويّةً في تحرّي مكامن القوة بداخله، مستثمراً كل نبضة في التأمل، والترّفع عن الصغائر، وطلب التصالح مع النفس، إنها مدرسة تربوية متكاملة؛ تغرس في الوجدان معاني الصبر، والتفاني في تهذيب السلوك، وترسّخ في القلب إدراكاً حقيقياً لماهية الوقت، ومغزاه؛ لتصبح كل دقيقة فيها فرصة، لا تعوض، ونسمة ملهمة، تقوي الإرادة، وتصقل الكيان الإنساني. رمضان بوصفه مدرسة للروح، والقدر الجميل لموسم الرجاء، لفكّ قيود العادة، والتحرّر من أسر الهفوات؛ ففي كل إشراقة يوم، وهدأْة ليل من أيامه، يمنح الوجود فرصة؛ للانعتاق من ثقل الماضي، وتستجيب كوامن النفس لمن أقبل بصدق، وإخلاص؛ فلا تُضيّع رغبة طامح نحو السموّ، دون أن تلقى صدى في أفق القدر الجميل، وفي رحاب هذا الموسم، تبرز قيم التسامح، والتجاوز؛ إذ تتلاشى أخطاء المسير، عبر محطات التنقية الذاتية المستمرة، وبين وقفة، وأخرى، ومن عام إلى عام، يتجدّد الصفح، وتغسل الضغائن، إذا ما عزم المرء على اجتناب كبار العوائق، ومن خاض غمار هذا الموسم بوعي، واحتساب لنتائج فعله، أو أقام ليله؛ متهجداً في محراب التأمل، نال براءة من عثرات الأمس؛ فتتزّين النفس بنقاء، لا يدركه إلا مَن اغتنى بفيض الرّحمة الكونية؛ فرمضان ليس مجرد أيام معدودة، بل هو أعظم فرصة؛ لإعادة بناء الذات، ومن لم يغتنم هذه الفرصة؛ لتقويم مساره، فقد أضاع أثمن هبات العمر، وذهبت أيامه، دون أن يغسل قلبه من شوائب الغفلة؛ فليغتنم الإنسان هذا الشهر المتفرّد، وليملأه صبراً، وسعياً، وتأمّلاً، واعترافاً بعظمة مكنونه الإنسانيّ، وقدرته على التغيير نحو الأجمل. اللّهُمّ اجعلْ رمضان ميلادًا لوعينا، وهبْنا في قدره الجميل قوة، نكسر بها قيود العادة؛ لنرتقي من ضيق الحيرة إلى رحاب البصيرة، ونصيغ من إرادتنا قدرا، يليق بنبل سريرتنا. ___ أستاذ ورئيس قسم المناهج وطرق التدريس كلية التربية بنين بالقاهرة _ جامعة الأزهر