إذا أصبحت السيادة معومة ، على أساس الوزن الفعلي والتأثير الحقيقي للدولة، بحكم الواقع الجديد القائم على المشروطية والانتقائية، فالتساؤل ليس حول ماهية السوق الذي تتداول فيه، وإنما طبيعته، فالسوق هو نفسه لم يتغير وهو المجتمع الدولي، ولكن حاله ككل الأسواق متقلبا ومتغيرا، وهو الآن في أوج مرحلة التغيير، فلا توجد حماية قانونية ضامنة لسيادة كاملة، دون قوة حقيقية، والقوة نفسها متغيرة بتغير الظروف، وتواتر الأزمات. ففي الماضي، كانت هناك عوامل خارجية من شأنها إضفاء المزيد من القوة للدولة، تتجاوز إمكاناتها، منها القانون الدولي الذي أشرت إليه في مقالي السابق باعتباره الغطاء "الذهبي" الذي يقدم حقوقا سيادية لأي كيان يعترف به كدولة، بالإضافة إلى قدرتها في الانغماس في تحالفات، تمنح الدولة قدرا من التأثير والمزايا مقابل تنازلات تتخذها بمحض إرادتها، بناء على قرار سيادي، وهو الأمر الذي لم يعد كافيا في ظل التغييرات الجذرية التي يشهدها العالم، والتي باتت تتطلب قوة تستلهمها الدولة من ذاتها، على غرار الجغرافيا والتاريخ والبنية الأساسية والتكنولوجيا وغيرها من العوامل التي من شأنها رفع قيمة العملة الدولية الجديدة وهي السيادة. ولعل التحالفات شهدت العديد من المراحل خلال العقود الماضية، بدءً من التحالفات العسكرية، إبان الحروب العالمية، مرورا بتلك القائمة على الأيديولوجية خلال الحرب الباردة، بين معسكر رأسمالي في الغرب، وآخر شيوعي في الشرق، ثم ظهرت التكتلات الاقتصادية، وحتى ما يسمى بتحالف الحضارات، والتي تماهت مع النظرية التي أرساها صموئيل هنتنجتون في التسعينات من القرن الماضي، والتي حملت عنوان "صراع الحضارات"، وكانت السمة الجامعة لكل المراحل سالفة الذكر هي الحالة الناعمة التي حظت بها، فالتحالف كان طوعيا، متماهيا مع وجود طرف قائد يمنح المزايا، وأطراف تابعة تتنازل بإرادتها عن جزء من القرار لصالح الدولة القائد مقابل ما تحظى به من حماية، أو مزايا وهو ما اختلف كليا في اللحظة الراهنة، فالمزايا باتت محدودة من قبل القيادة، والتبعية لم تعد خيارا خاضعا بالكامل للقرار السيادي للأطراف. الاختلاف الجذري بين المراحل السابقة والمرحلة الراهنة التي أطلقت عليها " Global Architecture for Policy Sovereignty " أو اختصارا "GAPS" (الهندسة العالمية لسيادة السياسات)، تتجلى في انتقال التحالف من كونه إطارا طوعيا، يقوم على اعتماد مطلق من الأطراف على المركز (الدولة القائد) إلى بنية تشغيلية ينبغي ان تتفاعل فيها الأطراف، بحيث يكون لكل طرف دورا فاعلا في إطار المنظومة، يستلهمه من قدراته الذاتية، وهو ما يفسر الانتقائية التي باتت تميز الهياكل الجديدة في إطار اختياراتها للأعضاء، فالعضوية مرهونة بالقدرة على التأثير داخل بنية تشغيلية متكاملة وليست منظمة دولية بالمعنى التقليدي، تمنح عضويتها لمن يحمل لقب "دولة" فحسب. فإذا كانت المؤسسات الدولية التقليدية تقوم على ميثاق قانوني يمنح العضوية للدول بوصفها كيانات سيادية متساوية من حيث المبدأ، فإن الهياكل الجديدة تبدو أقرب إلى المنصات الرقمية، حيث لا تتحدد مكانة الأطراف بمجرد الانضمام، وإنما بقدرتها على التفاعل داخل البنية التشغيلية التي صممتها الدولة القائد، والتي بدورها لا تدير تحالفا بالمعنى التقليدي، وإنما تشرف على نظام تشغيل كامل، يضع القواعد والمعايير التي تتحرك في إطارها الأطراف الأخرى، بحيث تتحول الدول داخل هذه المنظومة إلى مستخدمين لمنصة عالمية، تختلف أدوارهم وقيمتهم بقدر ما يملكونه من قدرة على التأثير داخلها. والواقع ان التغيير سالف الذكر يتماهي مع طبيعة المرحلة، ويترتب عليه تغييرا كبيرا في طبيعة أدوار الدولة القائد وكذلك الأطراف، ففي المراحل السابقة، كانت القيادة تسيطر على ما يمكننا تسميته ب"السوق الدولي"، عبر ما تمنحه من مظلة سياسية واقتصادية وأمنية للأطراف، وهو ما بات مكلفا إلى الحد الذي تتآكل معه مكانتها ليس فقط لصالح الخصوم الدوليين وإنما حتى في إطار صعود الحلفاء في حدود تتجاوز سيطرتها، ليتطور دورها في اللحظة الراهنة ليصبح معتمدا على إعادة صياغة القواعد داخل الشبكة الدولية، بحيث تصبح البنية كلها معتمدة عليها، سواء ما يتعلق بقواعد التكنولوجيا وسلاسل الامداد والبنية المالية والمعايير التنظيمية، وهو ما يشكل عائقا أمام الأطراف فيما يتعلق بالخروج من المنظومة، وبالتالي تعزيز دورها القيادي. سلوك الدولة القائد في الاطار سالف الذكر، يخلق تحولا في شكل التحالف من طبيعته الناعمة نحو نهج أكثر خشونة، في ضوء تحركات الأطراف، والتي باتت فاقدة لضمانة البقاء داخل المنظومة، بحكم القانون، بل مهددة بالإقصاء حال عجزها عن القيام بدورها داخل البنية الجديدة، أو بالأحرى حال تراجع قيمة سيادتها في السوق الدولي، في ضوء ما تحظى به الهياكل الجديدة من مرونة، نظرا لعدم وجود ميثاق يضمن بقائها داخل المنظومة، وهو ما يعني إمكانية إقصائها. الطبيعة الخشنة للتحالف لا تعني ان يتحول التحالف إلى صراع داخل المنظومة، ولكن إلى منافسة بين اعضائه، بحيث تسعى كل دولة إلى إضفاء مزيد من الزخم إلى دورها لخدمة المنظومة وليس كما كان الأمر في الماضي عندما كانت المنافسة محصورة في تقديم قرابين الولاء للقيادة، لتنال قدرا أكبر من المزايا أو الحماية في مواجهة ما يواجهها من تهديدات. تحرك الأطراف داخل المنظومة الجديدة يدور في الاساس على مسارين متوازيين، أولهما ذاتي يقوم على تحديث بنيتها سواء في ما يتعلق بالاقتصاد أو التكنولوجيا أو الأمن، مما يتيح لها التفاعل مع المعطيات الجديدة، وبالتالي تعزيز دورها، بينما على مسار آخر، تعمل على توسيع هامش الحركة لتقليل درجة اعتمادها على المركز عبر خلق تحالفات بينية، داخل المنظومة نفسها، مما يعزز من قدرتها على المناورة والحصول على مكاسب اكبر. وهنا يمكننا القول بأن المنظومة الدولية في إطار ال" GAPS " اصبحت أقرب إلى سوق مفتوحة تتحدد فيها قيمة الدول بقدر قدرتها على التأثير داخل الشبكة الدولية، لا بمجرد حصولها على الاعتراف القانوني، فالقائد يسعى إلى تثبيت قواعد المنظومة بما يحافظ على مركزه، بينما تعمل الأطراف الأخرى على تعزيز أدوارها وتقليل درجة اعتمادها عليه دون الخروج من البنية نفسها.