في البدء كانت الكلمة، ومنذ ذلك الحين وهي تشكل ملامح عالمنا؛ فهي ليست مجرد اهتزازات صوتية تخرج من الأفواه، بل هي كائن حي يسري في العروق، ويبني مدناً من الأمل أو يهدم حصوناً من الثقة. إن الكلمة التي نستهين بها أحياناً في لحظة غضب أو طيش، تمتلك قوة تفوق فتك الجيوش؛ فهي تلك القوة الخفية التي يمكنها أن تبعث الحياة في روح منطفئة، أو تضع حداً لقلب كاد أن يزهر. نحن نعيش في عصر ضجيج، حيث تتطاير الكلمات في فضاءات التواصل والواقع دون قيد، متناسين أن الحروف إذا خرجت لا تعود، وأن الندم لا يمحو أثر الجرح الذي تخلفه نصل الكلمة الجارحة. إن الكلمات في جوهرها تشبه الرصاص؛ إذا انطلقت من فوهة اللسان، فإنها لا تقبل التراجع، وقد تخترق الصدور لتترك ندوباً لا يداويها الزمن. كم من علاقة إنسانية دافئة تحولت إلى رماد بسبب "طلقة" طائشة من الحروف، وكم من طموح وئد في مهده بكلمة إحباط قيلت في غير محلها. وفي المقابل، نجد الكلمة التي تشبه الدواء؛ تلك التي تقال بصدق وتذوق، فترمم الشقوق، وتغسل الأحزان، وتعيد صياغة الوجود بعين متفائلة، إنها الكلمة "الطيبة" التي وصفها الله بالشجرة التي تضرب جذورها في الأرض وتعانق فروعها السماء، تعطي أكلها كل حين، بينما تظل الكلمة "الخبيثة" هشيماً تذروه الرياح لكن بعد أن تترك مرارة لا تُنسى. السر الحقيقي يكمن في "التذوق"؛ تلك الحاسة التي أهملناها في زحام الحياة، فقبل أن تمنح لسانك الضوء الأخضر للنطق، عليك أن تمرر كلماتك على مختبر قلبك وعقلك أولاً. تذوق ملوحتها أو حلاوتها، فكر في وقعها على أذن السامع قبل أن تصدم مشاعره، إن المرء يخبأ تحت لسانه، وبكلمة واحدة قد يرتقي إلى أعلى مراتب النبل، وبأخرى قد يهوي في قيعان الوحشية. إننا بحاجة إلى ثورة وعي تعيد للكلمة قدسيتها، وتجعلنا ندرك أن صمتنا أحياناً أبلغ من حروف قد تقتل، وأن إنصاف الحق بكلمة هو أسمى أنواع الجهاد الإنساني. إن مسؤوليتنا كبشر، وكصحفيين نحمل أمانة الحرف، هي أن نجعل من كلماتنا جسوراً للحب لا خنادق للعداء، وأن ندرك أن العبث بالحروف هو عبث بالأرواح. الكلمة هي أمانتك التي ستسأل عنها؛ فإما أن تجعلها غيثاً يحيي اليباب، أو تجعلها صاعقة تحرق الأخضر واليابس. اختر كلماتك بعناية الصائغ، وانطقها برقة النسيم، فالعالم لم يعد يحتمل المزيد من الجراح، بل بات متعطشاً لتلك الحروف التي تداوي، وتواسي، وتبني الإنسان من جديد.