بعض الكلمات لا تُأكل، لكنها تُطعم الروح، تُشبع القلوب قبل البطون، وتترك أثرًا لا يُرى لكنه لا يُمحى. "شكرًا"، "أحسنت"، "أنا فخور بك"، كلمات بسيطة لكنها كفيلة بأن تُحيي قلبًا تعب، أو تُرمم روحًا تصدعت من الصمت، فالتقدير ليس ترفًا لغويًا، بل احتياج إنساني، مثل الهواء لا يُرى، لكنه ضروري للبقاء. كم من زوجة تطهو وتربّي وتُجاهد في صمت، لا تطلب مالًا ولا ذهبًا، بل كلمة طيبة تنفض عنها غبار الإنهاك، ونظرة امتنان تُعيد ترتيب تعبها إلى معنى، وكم من زوج يعافر الحياة ليصنع بيتًا وسَكَنًا، لا ينتظر ثناءً عالميًا، بل كلمة بسيطة من زوجته: "أنا معك"، تكفيه تعب الأيام، التقدير لا يحتاج إلى ميزانية، بل إلى قلب حاضر ولسان مُدرّب على الامتنان. في أماكن العمل، لا تُحرك الراتب وحده عجلة الاجتهاد، الموظف الذي يُقدَّر يُنتج، والذي يُثنَى على جهده يُبدع، أما الذي يُعامل وكأن وجوده مفروغ منه، يتآكل من الداخل حتى لو تظاهر بالصلابة، فالثناء لا يستهلك طاقة المدير، لكنه يُولد طاقة في الموظف. ولا ننسى من وضعوا الأساس: آباؤنا وأمهاتنا، هم السند الذي لا يسأل، والظل الذي لا يزول، وإن لم نقل لهم "شكرًا" اليوم، فمتى؟ وإن لم نربّت على قلوبهم بكلمة حلوة، فماذا يبقى من البر؟ فلنُربِّ أبناءنا على الشكر لا المجاملة، على أن الامتنان لا يُقال مجاملة، بل يُقال ديْنًا، أن نُعلِّمهم أن التقدير ليس ضعفًا، بل رقي، وأن "شكرًا" ليست ثلاث حروف، بل ثلاث نجمات تُضيء عتمة يوم أحدهم. التقدير فنّ لا يُدرّس في المدارس، لكنه يُبنى في البيوت، وتُحياه القلوب، فلنُجيد هذا الفن، لأن القلوب لا تعيش بالماء فقط، بل بكلمة.