ذاكرة التاريخ لا تسقط بالتقادم فهى كاشفة للحقائق وفاضحة للأكاذيب والمواقف الخادعة والزائفة. والتاريخ القريب يذكرنا بما جرى للعراق بتدميره واحتلاله والقبض على رئيسه ومحاكمته وإعدامه بأكبر كذبة فى التاريخ وهى امتلاك بلاده لأسلحة الدمار الشامل..! وقبلها رئيس بنما ورئيس تشيلى وبعدها تأسيس مبدأ "الفوضى الخلاقة" فى المنطقة العربية وفقا للمصالح الأمريكية وليس سعيا لنشر مبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان، وهى الأكذوبة الأخرى التى أضاعت دولا عربية وطنية كبرى بعد أن اجتاحها الإرهاب والفوضى. منطق القوة والمصالح الاقتصادية هو الذى يحكم السياسة الخارجية الأمريكية حاليا ولا عزاء لأية قوانين ومواثيق وأعراف دولية. عقلية البزنس ورجال الأعمال التى تقيس كل شيء بما فيها الأوطان بميزان المال، وكم تساوى من المال وما لا تستحقه من ثروات فى أراضيها دون مراعاة اعتبارات السيادة وعدم التدخل فى الشئون الداخلية للدول، وغيرها من النصوص التى لم يعد لها قيمة فى مواثيق منظمة الأممالمتحدة. منطق الغاب والبلطجة يبيح ويبرر كل شيء وما تملكه فنزويلا الدولة الصغيرة، هو حق لفتوة العالم فى عصر القوة فى العالم الجديد الآن. لا ننسى أن ترامب نفسه فى ولايته الأولى وصف الأممالمتحدة بأنها مثل المقهى، يجتمع فيه الأصدقاء لاحتساء الشاى والقهوة ولا شيء غير ذلك..! وهدد بتخفيض مساهمة واشنطن فى ميزانية المنظمة الدولية (تساهم بحوالى 40% من الميزانية)، وانسحبت لاحقا من اليونسكو ومنظمة الصحة العالمية. محاكمة مادورو فى نيويورك هى محاكمة لنظام دولى فقد مشروعيته ووقف عاجزا أمام قوى كبرى متجبرة، وأمام كيانات طاغية ترى أنها فوق القانون وفوق المحاسبة. ولا يزعجها بيانات الإدانة والشجب وصدور ضدها القرارات تلو القرارات. محاكمة تفتح باب الأسئلة المزعجة من نوعية "ماذا لو.." حسب مزاج الفتوة الكبير للعالم الجديد، ومدى رضاه عن دولة ما أو رئيس ما أو غضبه منها ومنه! علينا أن نتخيل أن العالم سيقف متفرجا على استيلاء دولة كبرى على ثروات ضخمة لدولة صغرى بالقوة والإجبار وبالتهديد، وكأنه يشاهد أحد أفلام الكاوبوى القديمة، حيث القوة هى التى تفرض كلمتها ومنطقها ولا مكان للضعفاء. سال لعاب واشنطن منذ سنوات على ثروات فنزويلا، الدولة التى لا تتجاوز مساحتها 916 ألف كيلو متر -أى أقل من مليون كيلومتر مربع- ويعيش عليها حوالى 29 مليون نسمة فقط، وتملك أكبر احتياطى نفط فى العالم يقدر بحوالى 303 مليارات برميل بقيمة 22 تريليون دولار، يمثل حوالى 17% من الاحتياطيات العالمية المعروفة، علاوة على ثروة من الغاز الطبيعى تقدر بنحو 6.3 مليار متر مكعب تحتل بها المركز العاشر بين أكبر دول العالم امتلاكا للغاز الطبيعى، واحتياطى من الذهب يصل إلى 8 آلاف طن بقيمة تتجاوز 500 مليار دولار، كما تمتلك فنزويلا معادن استراتيجية نادرة تخدم الاقتصاد الصناعى العالمى، مثل الحديد والألومنيوم والكولتان والنيكل والفوسفات، ومعادن مهمة لصناعة الإلكترونيات. حاصرت الولاياتالمتحدةفنزويلا بحزم العقوبات لسنوات طويلة، وعطلت استغلال تلك الثورات بحجة مخاوفها من النظام اليسارى الحاكم، واتهامه الدائم بمعادة واشنطن والتحالف مع أعدائها. الحصار والعقوبات أدى إلى تراجع القدرة الإنتاجية للبترول بسبب غياب الاستثمارات وتدهور البنى التحتية، وهو ما حدث لاحتياطيات الغاز أيضا وعانى قطاع التعدين من الفساد والتهريب الواسع. بعيداً عن النفط والمعادن، تمتلك فنزويلا ثروة طبيعية مهملة، تشمل أراضى زراعية خصبة فى سهول اللانوس، أحد أكبر مخزونات المياه العذبة فى العالم، كما تتمتع بتنوع مناخى يسمح بإنتاج البن، الكاكاو من الأجود عالمياً، والذرة وقصب السكر.. لكن انهيار البنية الاقتصادية حوّل دولة زراعية تاريخياً إلى مستورد كبير للغذاء. الحصار والعقوبات وعدم الاستقرار السياسى جعل من فنزويلا دولة غنية معطلة حتى إشعار آخر فى انتظار الإدارة الأمريكية الجديدة.