فى الصباح الباكر يرتدى الأستاذ حسين بدلته الأنيقة المعتادة ويتناول إفطاره استعدادا للذهاب إلى عمله فى السابعة صباحا حيث يعيش مع ابنه ابراهيم وزوجته هانم فى هذه الشقة المتواضعه حيث جاء اليها هاربا من المنطقة التى كان يسكن بها لوجود خلافات يومية مع الجيران وكما يقولون اختار الجار قبل الدار. حيث تقع هذه الشقة فى أحد الأحياء الشعبية الفقيرة بالقاهرة التى تمتلأ بالقهاوى وتكتظ دائما بالزبائن فهى لا تكاد تخلو طوال الليل والنهار على مدى 24 ساعة ويتواجد باستمرار دسوقى الشخصية المتطفلة الشغوفة لمعرفة الأخبار فهو دائم الجلوس على المقهى. ودسوقى غير متزوج ولا يعمل ويعتمد على المبالغ التى يرسلها له أخوه الذى يعمل بالخارج. وبسبب هذا الفراغ يملأ معظم وقته ومجهوده فى إطلاق الشائعات والتدخل فى حياة الآخرين وبسبب هذه الصفة القبيحة وقع فى الكثير من المشاكل التى كادت أن تودى بحياته فى مرة من المرات. وبالطبع لفت نظره فى هذه الأيام الأستاذ حسين الساكن الجديد. وحسين لديه ابنه ابراهيم الطالب فى الثانوية العامة وكان يعتبر والده قدوته ومثله الاعلى فهو شخص ناجح ويعمل بوظيفه محترمة وكان والده دائما يخفى عنه حقيقة مهنته حتى لا تتسبب فى احباطه فهو يعمل لدى احد كبار رجال الاعمال فى المطبخ وهو بالتأكيد عمل شريف ولا يوجد داعى لأن يخجل منه.ولكنه يريد ان يكون ابنه افضل منه. يريد ان يراه فى احد المناصب فى يوم من الايام. لا يريد له الفشل كما حدث معه وهو صغير وكيف أنه ترك الدراسة بسبب استهزاء اصدقائه بمهنة والده الذى كان يعمل مساعدا فى سرادق العزاء يقدم الشاى والقهوة لمن يأتون لتقديم واجب العزاء. لا يريد ان يتعرض إبنه لهذه الظروف. يعانى حسين من خوف مرضى من المستقبل بسبب الماضى المؤلم الذى عانى منه كثيرا. لهذا السبب كان كثير التنقل بين الشقق السكنية ورحل إلى القاهرة حيث المدينة الصاخبة حتى لا يعرفه أحد ولا يعلم احد بمهنته وبالتالى يحافظ على ابنه الذى يخطو خطوات النجاح بكل ثقة ويحصد المركز الاول دائما واقترب بشدة من انهاء المرحلة الثانوية لدخول مرحلة التعليم الجامعى. ولكن لم يسلم حسين من دسوقى هذا المتطفل مثل الذباب متواجد فى كل مكان ويوميا يرمق الاستاذ حسين ببدلته الانيقة صباحا وهو ذاهب لعمله وايضا فى وقت المغرب حيث رجوعه لشقته ودائما ما كان يحاول استمالته للجلوس معه على المقهى ولكن الاستاذ حسين يرفض. وفى احد الايام قرر دسوقى قطع الشك باليقين وتتبع الاستاذ حسين وفى السابعه صباحا كالمعتاد لم يجلس دسوقى على القهوة متعللا بذهابه لمكان ما ووقف على احدى النواصى مترقبا وصول الاستاذ حسين الذى يسير كثيرا على قدميه ثم يقوم بركوب احد الاتوبيسات بعيدا عن هذه الحارة حتى لا ينكشف امره لابسا نظارة سوداء ويحمل حقيبة سوداء انيقة ويستقل الاتوبيس الذى يسير وراءه دسوقى مستقلا دراجة بخارية اخذها من احد العمال بالحارة وسار وراء الاتوبيس حتى توقف فى مقربة من منطقة تمتلىء بالفيلات الفخمة تشبه ما نشاهده فى الافلام الاجنبية وتمتلىء بالحرس الخاص والسيارات السوداء ووقف بعيدا حتى شاهد حسين يتقدم بكل ثقة وسط الحراس ويلقى عليهم التحية. ومازال دسوقى يسير خلفه حتى يعلم إلى اين يذهب وعندما اقترب حسين من الدخول لإحدى الفيلات. اقترب دسوقى من منطقة الحراسة حتى التف حوله مجموعه من الحرس الخاص حاملين الاسلحة ولفت نظرهم توتره الشديد وعيناه التى كانت مثل كاميرات المراقبة واقترب احد الحراس قائلا له: انت مين وجاى هنا ليه ولم يستطيع دسوقى الرد واكتفى بقوله: بتمشى يباشا ليه ممنوع المشى فى الشوارع ولا ايه يرد الحارس: بقولك ايه انت شكلك حرامى ولا وراك مصيبة احنا هنسلمك للشرطة وهى هتتعامل معاك وتعرف حكايتك إيه. وهنا صرخ دسوقى انا معملتش حاجة ولا عشان انا غلبان وبتمشى يا سيدى بتمشى مفيش فيها حاجة. وسمع حسين هذه المهاترات واقترب من تجمع الحرس ووجد فجأة دسوقى فقال له: ايه يا دسوقى عايز ايه وايه اللى جابك هنا. دسوقى: انا بتمشى ومفيش فيها حاجة يعنى هما منعوا المشى فى الشوارع ولا ايه الحارس: سيبك منه يا حاج حسين احنا هنتعامل معاه هنا صرخ دسوقى محاولا الافلات من قبضه الحراس قائلا: تتعامل مع مين حسين محاولا تخليصه من الحراس: ده جارى فى الحارة وكان جاى عايزنى فى موضوع يرد الحارس: ما تخلينا نتعامل معاه ونسلمه للشرطة ونخلص يرد حسين: لا لا ملهاش لازمة ده راجل غلبان هو بس بيحشر نفسه سعات فى حاجات موش تخصه. وتركه الحرس قبل ان يلتقطه حسين فى احد الجوانب قائلا له المرة دى انا عديتها تاخد بعضك وتروح واحنا لا اتقابلنا ولا اتكلمنا ولو عرفت انك حكيت حاجة لحد هيبقى اخر يوم فى عمرك انا موش اقعد ابنى حاجة طول عمرى وتيجى انت تهدهالى. دى بالنسبة لى حياة أو موت وابنى وزوجتى خط احمر إوعى تتكلم معاهم ولا عايز حد يعرف المكان اللى انت فيه دلوقت ولو مسمعتش الكلام صدقنى هتخسر روحك دسوقى متوترا ومضطربا: هتقتلنى ولا ايه يا حسين تلاقيك شغال خدام عند حد من البشوات اللى هنا وانا كنت فاكرك باشا حسين ماسكا دسوقى من رقبته: وانت مالك دى حاجة تخصنى انا بس. دسوقى خلاص خلاص هتخنقنى سيبنى امشى بقى واطمن سرك فى بير ونظر اليه نظرة ماكرة حسين تاركا دسوقى: يلا فى ستين داهية روح ويعود حسين إلى عمله مضطربا ويدور فى ذهنه تصورات لما قد يفعله دسوقى وهل سيقول لابنه وزوجته وسيدمر مستقبل ابنه الذى اقترب من دخوله للجامعه ولعب الشيطان برأسه. خوفه المرضى دفعه للتخلص من دسوقى رغم أنه كان فى الامكان الرحيل من الحارة والانتقال لمكان جديد ولكن لم يفعل. فعلا نفذ حسين جريمته وقام بقتل دسوقى صباحا قبل ان يصل إلى القهوة بطعنه بسكين طعنات متفرقه وقام بعدها بتسليم نفسه للشرطة التى قامت بالتحقيق وبسبب تسليم نفسه لم تستغرق اجراءات محاكمته وقتا طويلا وحضر ابراهيم وحيدا حيث نقلت هانم إلى المستشفى فور علمها بالخبر وقد علم كل التفاصيل التى كان يخفيها عنه والده ودار بينهما هذا الحوار من وراء القضبان ابراهيم باكيا: تقتل يا بابا معقول. ابويا قاتل حسين محاولا التماسك: اخفيت عنك طبيعه شغلى عشان متحسش بالاهانة ولا تهمل فى دروسك ولا يجيلك احباط مكنتش عايزك تشوف اللى انا شوفته. ابراهيم: الشغل عمره ما كان عيب انت بتشتغل بجهدك وعرقك لا انت حرامى ولا نصاب عشان اشعر بالاهانة. حسين: المجتمع موش بيرحم يا ابنى المجتمع ممكن يدمر مستقبلك ونظرته كلها عنصرية وغباء. الناس موش بتحترم الغلبان اللى زينا بتحتقره وبتدوس عليه. الدنيا دى غابة مليانة وحوش ولو مكنتش وحش زيهم هتتآكل فى لحظة. انا قتلت بسبب خوفى عليك وخوفى من الناس انا حصلتلى مشاكل كتير فى حياتى خلتنى أصمم انك تطلع حاجة كبيرة اوى ومحدش يعايرك بمهنة أبوك. ابراهيم: خوفك الزائد عليا وسرك اللى كنت بتحاول تخفيه طول عمرك دمر مستقبلنا كلنا. حسين: سامحنى يا ابنى انا معرفش عملت كدة إزاى ممكن تقول جنون لحظى وكمل تعليمك واللى حصل ده اعتبره صفحة سوداء وحاول تقفلها. ابراهيم: اقفلها إزاى انت كنت خايف إن اصحابى يعايرونى لما يعرفوا ان ابويا بيشتغل فى المطبخ دلوقت كل الناس هتعايرنى عشان ابويا قاتل. ربنا يسامحك ويغفر لك. الحياة لا تستحق ان نقتل من اجلها فيه شباب كتير اتولدوا وزى ما بيقولوا فى بوقهم ملعقة ذهب وطلعوا فاشلين فى كل حاجة فى حياتهم وشباب تانى اعتمد على نفسه وإتحدى ظروفه وبقى حاجة كبيرة أوى.الفلوس ممكن تخلى مظهرك من برة كويس لكن من جوة فاضى. والفلوس متقدرش تبنى راجل يتحمل قسوة الأيام. وهنا يدخل القاضى ويعلن حاجب المحكمة رافعا صوته بكلمته الشهيرة (محكمة) ليسكت الجميع وتبدأ إجراءات المحاكمة.