لليوم الثاني.. استقبال النواب الجدد لاستلام كارنيهات العضوية    انطلاق امتحانات الفصل الدراسي الأول بالمعاهد الأزهرية بسوهاج    5 يناير 2026.. الجنيه يواصل الارتفاع أمام الدولار في البنوك المحلية خلال تعاملات اليوم    تقلبات فى اسعار الاسمده اليوم الإثنين 5يناير 2026 بالمنيا    بيان أوروبي: تقويض إسرائيل عمل الأونروا يخالف قرارات محكمة العدل الدولية    الدنمارك تعارض.. هل جرينلاند وإيران الهدف التالي لترامب؟    تواصل الجهود المصرية لإدخال المساعدات للأشقاء في قطاع غزة    الدفاع المدني يعلّق إزالة أخطار المباني المتضررة بسبب نفاد الوقود في غزة    ضبط 3 سيدات بتهمة استقطاب الرجال عبر تطبيق هاتفي لممارسة أعمال منافية للآداب بالإسكندرية    عاجل- تحذير من الطقس قبل مواجهة مصر وبنين في كأس أمم إفريقيا.. أمطار رعدية وثلوج ورياح قوية بالمغرب    انطلاق أولى ورش مهرجان المسرح العربي في قصر ثقافة الأنفوشي بالإسكندرية    سفرة عيد الميلاد المثالية.. وصفات سهلة ولذيذة لتجهيز أطباق العيد في المنزل    وزير الإسكان يتابع الموقف التنفيذي لمشروعات مبادرة حياة كريمة لتطوير قرى الريف المصري    المكسيك و5 دول آخرى.. لماذا ترفض دول كبرى سيطرة ترامب على نفط فنزويلا؟    كوريا الشمالية: التجارب الصاروخية الأخيرة شملت نظام أسلحة فرط صوتي    ترامب: لا أشعر بالقلق من أن يؤدي الوضع في فنزويلا إلى تورط طويل الأمد    موعدنا اليوم.. منتخبنا أمام بنين في ليلة الحسم بكأس أمم إفريقيا 2025    البنك الأهلي ووادي دجلة في مواجهة مصيرية بكأس عاصمة مصر    الأهلي يدرس استكمال بطولة كأس عاصمة مصر بمدرب فريق الشباب    ميكالي يدخل حسابات الزمالك لخلافة أحمد عبد الرؤوف    وزير التعليم العالي يستقبل سفير طاجكستان بالقاهرة لبحث آفاق التعاون    وزير التعليم العالي يبحث مع سفير طاجكستان تعزيز التعاون في المنح الدراسية    حملات أمنية مكبرة تضبط مخدرات وأسلحة وتنفيذ أكثر من 60 ألف حكم    إعادة فتح الطريق الإقليمى بعد غلقه بسبب الشبورة المائية فى المنوفية    إنقاذ 28 شخصا على متن مركب سياحي بعد شحوطه في منطقة حماطة    طلاب أولى ثانوى فى 11 محافظة يؤدون امتحان البرمجة والذكاء الاصطناعى    هيئة السكك الحديدية: خفض سرعة قطارات بحري بسبب الشبورة    وزارة «العمل» تعلن توفير 7293 وظيفة في 12 محافظة    المخرج حسني صالح يغير مكان وموعد تشييع جثمان والدته    لميس الحديدي: فيلم الملحد لا يدعو للإلحاد أو يروج له.. وإبراهيم عيسى يطرح دائما أسئلة صعبة    منة عرفة تُبدل دورها في مسلسل «وننسى اللي كان»    كيفية أتوب من ذنب كبير؟ أمين الفتوى يجيب    وزيرة التضامن تلتقي مديري مديريات التضامن الاجتماعي بالمحافظات    الصحة: 2026 و2027 عاما التحدي لتحقيق معدل إنجاب 2.1 طفل    مدير فرع هيئة الرعاية الصحية بجنوب سيناء يتابع التشطيبات النهائية بمستشفى نويبع تمهيدا لافتتاحه    انقاذ شاب تعرض لبتر كامل بإصبع الابهام نتيجه ساطور بمستشفى سوهاج الجامعي    ننشر أسماء المصابين في حادث «صحراوي» قنا    وزير الدفاع يهنئ البابا تواضروس بمناسبة عيد الميلاد المجيد (فيديو وصور)    البابا تواضروس الثاني ووزير الثقافة يطلقان مبادرات للحفاظ على التراث القبطي    تراجع جديد في أسعار الذهب بمصر مع بداية تعاملات الاثنين 5 يناير 2026    استخدام المروحة والجوارب.. نصائح هامة لمواجهة الشعور بالبرد داخل المنزل    مدرب جنوب إفريقيا يوضح أسباب الإقصاء من كأس الأمم    روزينيور في لندن لحسم تعاقده مع تشيلسي    تقلب أسعار النفط مع تقييم تداعيات اعتقال مادورو وفائض المعروض العالمي    جيمي كيميل يسخر من ترامب في حفل جوائز اختيار النقاد (فيديو)    أيمن منصور: أمم إفريقيا لا تعترف بالأسماء.. وبنين اختبار حقيقي للفراعنة    أسعار اللحوم الحمراء اليوم الإثنين 5 يناير    فيلم «جوازة ولا جنازة».. شريف سلامة يكشف سر انجذابه لشخصية «حسن الدباح»    عمرو مصطفى: بدأت الغناء بعد خلافاتي مع المطربين.. كنت كل ما أتخانق مع مطرب أروح مغني    نتيجة الحصر العددي لدائرة المنتزه بالإسكندرية في جولة الإعادة بانتخابات مجلس النواب 2025    مؤشرات أولية غير رسمية.. فوز وائل إسماعيل ومحمد مصطفى وأسامة عبدالشكور في انتخابات مجلس النواب بالمنيا    "لمّ الشمل" في المنوفية.. وعاظ الأزهر ينهون نزاعا أسريا طويلا بمدينة الشهداء    بين الاندماج والاختراق.. كيف أعاد تنظيم الإخوان ترتيب حضوره داخل أوروبا؟    أمم إفريقيا - باليبا: سنرى كيف يمكننا منع المغرب من اللعب    المستشار حامد شعبان سليم يكتب عن : فابشر طالما انت مع الله !?    بدء صرف الإعانة الشهرية لمستحقي الدعم النقدي عن يناير 2026 بتوجيه من شيخ الأزهر    مواقيت الصلاه اليوم الأحد 4يناير 2026 فى المنيا    أدعية مستحبة في ليلة النصف من رجب.. باب للرجاء والمغفرة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



أوجاع الجنوب.. أسيوط الحلقة الثانية.. عمالة الفتيات.. الشقاء يبدأ من سن الثانية عشرة واليومية 30 جنيها.. رسائل الأطفال للمسئولين: "عايزين نتعلم وناكل كويس.. ومنعرفش يعنى إيه أحلام"


نقلا عن العدد اليومى...
بعد تناسى الأهل فكرة تقديم الرعاية الكاملة لأطفالهم بسبب وطأة الفقر.. كان على الأطفال معاناة قسوة العمل فى الورش والمزارع منذ سن مبكرة مقابل «يومية» تسمح لهم ولأهاليهم بالاستمرار على قيد الحياة فى ظل الظروف الاقتصادية الصعبة. العمل باليومية تسبب فى انتشار ظاهرة التسرب من التعليم نظرا لارتفاع قيمة ما يحصل عليه «الأطفال العمال» يوميا، ما يؤدى إلى وصول أغلب التلاميذ إلى مراحل تعليمية متقدمة دون الإلمام بالقراءة والكتابة لأن هؤلاء الطلاب يعملون إلى جانب الدراسة فى مهن مختلفة. «اليوم السابع» التقت عددا من الآباء والأطفال لإلقاء الضوء على تلك الظاهرة المنتشرة فى قرى أسيوط. ففى قرية كوم بوها تنتشر عمالة البنات بشكل ملفت.. وذلك للمساعدة فى تجهيز أنفسهن قبل الزواج، حيث يتوقف عن العمل بعد ذلك، أما فى قرية النواورة فالأطفال يساهمون بشكل كبير فى دخل أسرهم، حيث يعملون فى ورش الحدادة والنجارة وأعمال البناء. عمل الأطفال فى مهن خطيرة يتسبب فى إصابتهم بالعاهات والكسور والحساسية الصدرية
اطفال فتحية ال7 يستذكرون دروسهم فى الغرفة الضيقة
فى قرية «كوم بوها».. عمل البنات «مش عيب»
فى قرية «كوم بوها» القبلى، التابعة لمركز منفلوط، للفقر دلالات واضحة، فالبيوت بلون الطرق الترابية غير المرصوفة، وملابس الأهالى تبدو متشابهة أيضًا، مختلطة ببؤس الوجوه، ودالة على ضيق ذات اليد، فالقرية تعد واحدة من أفقر 50 على مستوى الجمهورية، وفقا لتقرير صادر عن المركز القومى للتعبئة والإحصاء لعام 2014.
سكان القرية المنسية لا يتعدى تعدادهم 7 آلاف نسمة، وهم متفقون على أهمية عمالة الأطفال، لإعالة العائلة، حتى إن فتيات القرية يعملن، وهو أمر يدخل ضمن نطاق العيب فى القرى الأخرى، المحيطة «بكوم بوها»، إلا أن الفقر يلغى العيب فى تلك القرية، خاصة أن عمل الفتيات يقتصر على السنوات التى تسبق زواجهن فقط، حيث تمنع النساء المتزوجات من العمل، كسائر نساء القرى المحيطة.
أما الفتيات فيعملن من أجل تكوين أنفسهن، وغالبا ما يتركن الدراسة، بسبب إغراء اليومية المرتفعة التى يقدمها أصحاب العمل، لأطفال القرية، والتى تصل فى بعض الأحيان إلى 50 جنيها، ما يجعل من قرية «كوم بوها» سوقا مناسبا للأيدى العاملة من الأطفال، دون سن ال18.
وتعمل فتيات القرية من سن ال12، أو أقل، فى المزارع المحيطة بالقرية، حيث تحضر يوميا عربة فى تمام الساعة السابعة صباحا، لجمع الفتيات، ونقلهم إلى المزارع، ولا يعدن قبل الرابعة عصرا، وتصل يومية الفتيات إلى 30 جنيها، أقل من الفتيان، فالبنت ليست كالولد، فى عرف أصحاب الأراضى، وتلجأ الفتيات للعمل، لتجهيز أنفسهن، وشراء ما يلزمهن للزواج، وتتوقف الفتيات عن العمل بمجرد الزواج.
الفقر الشديد يدفع الاطفال الى ترك التعليم بحثا عن لقمة العيش
«اليوم السابع» التقت عددا من الفتيات، اللاتى أكدن ترحابهن بترك العمل الشاق، فى حالة توفير بديل مادى لذلك، خاصة أن عائلاتهن فقيرة، لا تملك من حطام الدنيا شيئا، الأمر الذى سيتسبب فى إحراجهن فيما يخص الأمور المادية، عندما يأتى عرض للزواج من ابن الحلال.
تقول ياسمين، التى تبلغ من العمر 15 عاما، إن جميع فتيات القرية يقمن بتجهيز أنفسهن بتلك الطريقة، وإن المبلغ الذى تقوم بادخاره، تخصصه لشراء ملابس جديدة، وأدوات المطبخ، وكل ما تلزمها به عائلة الزوج لإتمام الزيجة.
أما أميرة، صديقة ياسمين، فترى أن الفرق بين يومية الفتيات والفتيان بالقرية، هو أمر منطقى، قائلة: «طبيعى إن الراجل يأخد أكتر م الست»، مرددة ما رسخته فى داخلها، التقاليد المتوارثة بالقرية، والتى ترى فى الرجال أفضلية على النساء، حتى لو كن يبذلن نفس المجهود، ويتحملن نفس الصعاب.
ويتعدد عمل الفتيان داخل قرية «كوم بوها» ما بين الزراعة والنجارة وأعمال البناء، وتتراوح يومية أطفال القرية ما بين 40 و50 جنيها يوميا، وهو أمر يشجع الأطفال على ترك المدارس، ويوافقهم الأهالى بطبيعة الحال، بسبب ضيق ذات اليد، وانعدام الحيازة الزراعية للسواد الأعظم منهم.
على محمد، طالب بمدرسة منفلوط الصناعية، يعمل «نجار مسلح»، ويقوم بادخار مبلغ من يوميته، لبناء بيت خاص به، يصلح مسكنا للزوجية، عقب إنهائه المراحل التعليمية، «فوالداه على لا يملكان من حطام الدنيا شيئا يسنده»، لذلك فهو يعتمد على نفسه، لتأمين مستقبله.
ويتمنى على أن يصل إلى المرحلة الجامعية، ويلتحق بكلية الهندسة، إلا أنه يشعر بأن اضطراره للعمل، لإعالة أسرته، وتأمين مستقبله، لن يمكنه من تحقيق حلمه، «على» أكد أن عددا من زملائه تركوا الدراسة بالفعل، بسبب عدم مقدرتهم على المواءمة بين الدراسة والعمل، لكنه يأمل أن تمنحه الحياة فرصة استكمال تعليمه.
العمل فى الحقل ل8 ساعات مقابل حزمة من المحصول
ويدرس على بقسم التبريد والتكييف بالمدرسة الصناعية، والخاص بإصلاح المكيفات والثلاجات بأنواعها، وصيانتها، وهو قسم من الممكن أن يوفر له عملا مربحا وأكثر أمنا، بديلا عن مخاطر عمله كنجار مسلح، إلا أنه لا يستطيع تطبيق علومه فى الواقع، بسبب عدم وجود ممارسة عملية، لما تتم دراسته بشكل نظرى داخل المدرسة، الأمر الذى يعكس ضرورة تطوير التعليم الفنى، ليناسب سوق العمل، ويمد الطلاب بصنعة آمنة، فى حالة اضطرارهم إلى العمل.
حسين.. صبى المقهى يوجه رسالة من قرية النخيلة إلى المسؤولين
فى مقهى على أطراف قرية النخيلة، التابعة لمركز أبوتيج، لا تكف أفواه رواد المقهى، عن مناداة حسين، صبى المقهى، البالغ من العمر 15 عاما، والمسؤول عن إعداد الشيشة، وتجربتها، قبل تقديمها إلى الزبائن، فيخرج الدخان من فمه الصغير، ليصنع غيمة من الدخان، تؤثر على جهازه التنفسى، وتدفعه إلى السعال المتكرر.
ويحمل حسين ملامح هادئة، وعينين متقدتين بالذكاء، فهو طالب مجد، فى الصف الأول الإعدادى، وقد رفض ترك المدرسة، رغم انشغاله بالعمل، لإعالة عائلته، المكونة من ثمانية أبناء، ولا يملك حسين أى لعب، ولا يمارس أى نوع من أنواع اللهو أو الأنشطة، فيما عدا لعب الكرة، مع أقرانه، على فترات متباعدة.
ويحلم حسين بامتلاك كمبيوتر، وينظر إلى الجهاز العجيب، وكأنه من جيل الثمانينيات من القرن الماضى، أول الأجيال التى شهدت ظهور أجهزة الكمبيوتر المنزلى فى مصر، وليس كطفل من زمنه، يطالب بتابلت، قبل وصوله الصف الخامس الابتدائى. ويصف حسين امتلاك جهاز كمبيوتر، بكونه أمرا مهما فى حياة أى إنسان، لأنه يجعله منفتحا على أحداث العالم، ومتابعا لكل جديد، ويعيب حسين على مدرسته، عدم وجود حصص كمبيوتر دورية، تمكنه من فك شفرة ذلك الجهاز الرائع، الأمر الذى دفعه إلى تعويض ذلك، بالاستعانة بأحد «السيبرات» القريبة من بيته، مقابل مبلغ مالى، يقتطعه من مصروفه.
ويتمتع حسين بخط جميل، كما أنه يجيد القراءة، والكتابة، فهو يحرص على العلم، ويرى فيه بوابة ستمكنه إلى العبور لعالم آخر، يجد فيه كل ما يحلم، حسين لا يعرف الشكوى، فهو لا يتمنى أن يترك عمله فى المقهى، لأنه ببساطة يرى أن الواجب يحتم عليه مساندة أسرته، والمساهمة فى مصروف البيت.
وأثناء الحديث مع حسين، تناول الأوراق، وبدأ فى كتابة رسالة، بخط منمق، نصها: «أنا اسمى حسين عبد الحى، أنا بحلم أن بيتنا يبقى أحسن بيت، وأحلم بالنجاح، وأتخرج» ولم يرسل حسين رسالته لجهة بعينها، فهو لا يعلم حقه، الذى نصت عليه مبادئ حقوق الإنسان، وقانون الطفل المصرى، فى حياة آمنة، بلا عمل، وبوقت إضافى للعب، وممارسة الهوايات.
صاحب المقهى الذى يعمل فيه «حسين»، خرج على محررى «اليوم السابع» غاضبا، وأكد أنه يرفض حديث «حسين» مع وسائل الإعلام، لأنه يخشى اتهامه بتشغيل طفل دون السن القانونية، وقد طالبنا بالمغادرة، وأوقف الحديث مع صبى المقهى الصغير، حسين ودعنا بابتسامة وسؤال تصعب إجابته: «هتيجو تانى؟ ورسالتى هتوصل لمين؟».
فتحية بقرية النواورة: عندى 7 أولاد.. ولولا يوميتهم هنبات من غير عشا
فى قرى مركز البدارى التابع لمحافظة أسيوط، لا صوت يعلو على صوت المعارك الثأرية بين العائلات المتناحرة، والتى من الممكن أن تستمر حالات الثائر بينهم، لخمسين عاما متتالية، ومع الثأر والعصبية، ينتشر الفقر فى قرى ذلك المركز، ذات الطبيعة الجبلية الموحشة، وينعكس ذلك على الأطفال، الذين يعملون منذ بلوغهم سن الخامسة، وربما الرابعة.
فى قرية النواورة، آخر القرى التى تفصل بين محافظتى أسيوط، وسوهاج، التقينا فتحية محمد، سيدة تبلغ من العمر 35 عاما، ولها من الأولاد 7، اثنان من الإناث، وخمسة من الذكور، وقد زاد الشقاء والبؤس عشرات السنوات على ملامح وجهها، وأخفى احتراق بشرتها بسبب تعرضها المستمر للشمس، وحرارة الفرن المنزلى، جمالها، فبدت ذابلة، فى منتصف الأربعينيات.
الفقر الشديد يدفع الاطفال الى ترك التعليم بحثا عن لقمة العيش
جميع أطفال فتحية السبعة يعملون، فالذكور يذهبون للعمل فى الحقول، مقابل حزمة من خير الأرض، من القمح أو البرسيم، تقوم فتحية بجمع تلك الحزم وبيعها، أو طحن القمح فى المطحنة القريبة، وبيعه كدقيق.
أما الفتاتان فتقومان بجمع النبق من أشجار القرية، لتقوم فتحية ببيعه أيضا، وذلك حتى تستطيع بالكاد، إطعام الأفواه الجائعة، فضلا على توفير مصاريف الزى المدرسى، حيث تحرص فاطمة على تعليم أطفالها السبعة، مستفيدة من مجانية التعليم التامة، التى وفرتها لهم الشؤون الاجتماعية، بسبب إعاقة والدهم، التى أقعدته عن العمل منذ سنوات.
فتحية تعيش مع اولادها ال7 فى غرفة ضيقة وبلا مورد رزق
تقول فتحية: «بفطرهم وأخرجهم على أشغالهم فى إجازة المدارس»، مؤكدة أنها لا تحزن عند تعرض أحدهم للضرب، من قبل صاحب العمل، مرددة: «لقمة العيش صعبة، ولازم الواحد يتزلل لها»، وتسكن فتحية منزلا صغيرا مكونا من غرفتين، إحداهما للخبيز والمعيشة، والأخرى للنوم، حيث تحتوى على فراش كبير، يتشارك فيه الصبيان من أبنائها، بينما تضطر إلى إرسال البنتين إلى منزل جدتهما القريب.
وأثناء حديثنا مع فتحية، حضر خالد، ابنها البالغ من العمر 10 سنوات، وأظهر لنا علامات حمراء، ظهرت فوق ظهره، بسبب اضطراره إلى حمل حمولة ثقيلة، أثناء عمله فى إحدى المزارع، فما كان من والدته إلا مساعدته فى تغيير ملابسه، وقد نجحت فى إخفاء حزنها، خلف طبقة سميكة من البؤس والتجاعيد.
وقد غادرنا منزل فتحية، وهى تبحث فى خجل، عمن يقوم بشراء كوبون «أنبوبة البوتاجاز» الخاصة بها، والتى تصرف مع بطاقة التموين، ولا يزيد سعرها عن 5 جنيهات، وذلك لتوفير طعام العشاء، لأطفالها السبعة.
فى قرية العتمانة، لم يختلف حال الأطفال كثيرا، حيث أكد الطفل خالد ناجح، البالغ من العمر 13 عاما أن جميع أهالى القرية «بيخرجو على دراعهم»، حتى الأطفال منهم، بسبب عدم وجود وظائف ثابتة، أو مشاريع تنموية.
«ناجح» يعمل سائق «توك توك»، ولا يستطيع القراءة والكتابة، رغم كونه فى المرحلة الإعدادية، لكنه يؤكد أنه لا يجد اهتماما من قبل معلمى المدرسة، حتى إن امتحانات آخر العام، يسمح خلالها بالغش الجماعى، من أجل الحفاظ على نسبة معينة من النجاح.
حسين يكتب رسالة لمن يهمه الامر نفسى اكمل تعليمى وبيتنا يبقى احسن بيت
تقول فيفى خلاف، إحدى الباحثات العاملات بجمعية الياسمين، إحدى الجمعيات التنموية بالقرية، إن الأمر لا يقتصر فقط على العمل غير المقنن للأطفال الصغار، إذ تنتشر ظاهرة إدمان الحبوب المنشطة، والتى تباع فى صيدليات، ولا يعرف مصدرها الطبى، ويؤكد الأطفال أنها تساعدهم على التركيز، وتزيد من نشاطهم، والتوقف عنها يصيبهم بالصداع.
وتضيف «فيفى» أنها أجرت بحثا على 250 من الأطفال العاملين بالقرية، يهدف إلى التعرف على الخطورة التى يتعرض لها الأطفال مقابل عملهم فى سن مبكرة، وقد أثبت البحث أن هناك 150 طفلا، من ضمن عينة الدراسة، يتعرضون لمخاطر من قبل عملهم، والتى تتمثل فى أخطار الإصابات بعاهات وكسور والحساسية الصدرية، خاصة للعاملين فى ورش الحدادة والنجارة، وأعمال البناء.
ميلاد: بدخن من وأنا عندى 10 سنين ومعرفش يعنى إيه حلم
فى مركز مدينة منفلوط، انشغل 5 صبية فى جمع الزجاجات البلاستيكية، ومخلفات الأوراق من الطرقات والقمامة، باعتبار ذلك من الأعمال المربحة فى ذلك المركز.
ميلاد جامع القمامة يتعرض لمخاطر صحية بسبب عملة بدون وسائل حماية
ميلاد طفل فى الخامسة عشرة من عمره، ترك المدرسة منذ عامين، بعد أن شغله العمل بجمع القمامة، عن متابعة دروسه، اللافت فى ميلاد هو ملامحه الطفولية البادية، التى لا تشبه أقرانه الأربعة، الذين انطبعت على ملامحهم قسوة الحياة التى يعيشونها، واضطرارهم إلى النضوج، وتحمل مصاعب الحياة، قبل أوانهم.
ميلاد يدخن السجائر منذ 5 سنوات، أى منذ أن كان فى العاشرة من عمره، ولا يحلم بشىء، هكذا أكد لنا فى تلقائية، فهو لا يرى فى يومه غير الجنيهات التى يحصل عليها مقابل جمع القمامة، يسلمها بعدها إلى يد والده، للمساهمة فى مصروف البيت، أما اللعب واللهو، فهما رفاهية لا تتيحهما ساعات العمل المرهقة لميلاد، الذى يعمل من التاسعة صباحا، حتى السابعة مساء، لجمع أكبر كمية من المخلفات. وقد تعرض ميلاد منذ بضعة أشهر لحادث، تسبب فى إصابته بتشوه دائم فى قدمه اليسرى، زاد من انطوائه وعزلته، حيث عثر ميلاد فى أحد أكوام القمامة على زجاجة بها سائل، استخدمه لغسل قدميه، ظننا منه أنه ماء، لكن الزجاجة كانت تحوى مادة كاوية، أشبه «بمية النار»، تسببت له فى آلام مبرحة، وتركت آثارا على قدميه، للدلالة على إهمال المجتمع للأطفال الفقراء، الذين ينتزعون من أحضان أمهاتهم فى سن مبكرة، ويلقى بهم فى عالم البالغين، دون رقابة.
موضوعات متعلقة..
- أوجاع الجنوب.. أسيوط الحلقة الأولى.. قرى تعيش فى العصر الحجرى بلا ماء ولا كهرباء.. وأطفال يعولون أسرهم.. "اليوم السابع" ترصد ظاهرة عمالة الأطفال فى 4 من قرى المحافظة


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.