لا أحد يستطيع أن ينكر ما للعمل من قيمة، وهذه القيمة تنعكس لا محالة على الفرد وبالتالى على المجتمع، وأن قيمة العمل تكمن فى مدى الالتزام باللوائح والقوانين، والأهم من ذلك أن يضع العامل نصب عينيه أن ما يعمله ذو قيمة، وأنه عضو فاعل فى منظومة عمله، ويجب أن يكون التزامه بتأدية دوره نابعا من منطق المسئولية وإدراك قيمة دوره. ولكن ما ينقصنا نحن – "المصريين" – أن نتعلم ثقافة الالتزام، وأرى أن تلك الثقافة تنبع من التربية التى تساعد عليها عوامل كثيرة منها الأسرة والمدرسة والإعلام وغيرها.. فإذا تربى الإنسان منذ نعومة أظافره على إدراك قيمة الالتزام بمسئوليته تجاه ما يقوم به من عمل، فلابد أن ينشأ واعيا تلك المسئولية، بل وينعكس ذلك على الأجيال التى تقع فى نطاق مسئوليته فيما بعد. إذا نظرنا نظرة فاحصة فيما تقوم به وسائل التربية فى هذا المضمار نجد أن كلا منها تلقى باللوم على الأخرى؛ فالأسرة تعتبر أن مسئوليتها تتضاءل عند بلوغ الطفل السن الذى يتيح إدراج اسمه ضمن قوائم مدرسة ما، وترى الأسرة حينها أن دورها قد انحصر فى مراقبة الطفل فيما إذا قد أدى واجباته المنزلية أم لا . وإذا حاد الطفل يوما عن سلوك ما حاولت الأسرة ترسيخه فيه سارعت بإلقاء اللوم على المدرسة، وتناست حقيقة دورها الملزم الذى لا يتمثل فى زرع السلوك فى طفلها فقط، بل يكمن بالأساس فى الدأب على التوجيه المستمر، والملاحظة المدركة. أما المدرسة فمسئوليتها عظيمة وشائكة، تتدخل فى تلك المسئولية عدة عناصر تتمثل فى: إدارة .. معلم .. مناهج دراسية .. وأجواء تربوية محيطة . ولا شك أن منظومة المدرسة تحتاج إلى التكاتف والاتحاد فيما بينها على هدف واحد عن طريق استراتيجية محكمة النسج تبدأ من إدارة واعية مدركة لأهمية وخطورة ما تقوم به . وإنى اعتقد أن المدارس الخاصة لديها الفرصة الكبرى فى هذا المجال؛ نظرا لأن نطاقها محدود، يمكن إحكام السيطرة على منظومتها . فبإدارة ذات رسالة وهدف يمكن نسج منظومة تربوية قادرة على صياغة أجيال تستطيع تحمل رسالتها تجاه مجتمعها. ولا ننسى فى هذا المضمار دور المعلم، الذى لابد أن يوقن أن دوره لا يتوقف عند حد التعليم فقط، بل يمتد إلى التربية؛ إذ أن الطالب يتأثر بمعلمه تأثرا كبيرا، فعلى المعلم أن يكون خير قدوة . بالإضافة إلى ذلك أشير إلى ما لابد أن تكون عليه مناهجنا الدراسية من توازن بين المنظومة التربوية والعملية التعليمة، وأن تقوم على ترسيخ حرية الرأى لدى الطالب مما يفسح الطريق أمامه للمناقشة وحرية التعبير وبالتالى الاندماج فى المجتمع . وإذا اختلت تلك المنظومة المدرسية فى وقت ما نرى المدرسة تلقى باللوم على وسائل التربية الأخرى وعلى رأس هذه الوسائل الأسرة والإعلام . ويمر بنا الحديث سريعا حتى نأتى لدور الإعلام، ذلك الساحر الذى يمكنه أن يسيطر على العقول فيرسخ فيها ما يريد وقتما يشاء، فعلى الإعلام أن يراعى الله فيما يقدمه للطفل والشاب. ولكن إذا ما نشأ جيل حادت سلوكياته عن المسار الصحيح نرى أن الإعلام يوزع اتهاماته على وسائل التربية الأخرى. وهكذا ندور فى دائرة مفرغة يتصل أولها بأولها، كلٌ يلقى باللوم على الآخر، والضحية هو المجتمع بأسره. ولو أن كلا من هذه الوسائل أدركت حقيقة دورها والتزمت بأداء واجباتها نحوه، لتغير الواقع، وأنتجنا أجيالا قادرة على صنع مستقبل مشرق يشق ظلام الجهل الدامس، ويقهر وحش الظلم، وينير بارقة الأمل فى غياهب النفاق . فهل من مدرك لخطورة ما تعانيه أجيالنا؟!!