التطبيق اليوم، غلق المحال التجارية والمولات والمطاعم والكافيهات 9 مساء واستثناء للدليفري والبقالة    إعلام إيرانية: سلسلة غارات مكثفة الليلة طالت مواقع عدة في طهران وأصفهان وشيراز ومدينة دزفول    حزب الله: استهدفنا دبابتي "ميركافا" بمحيط الخزان في بلدة القنطرة بالصواريخ الموجهة وحققنا إصابات مباشرة    صلوات مسكونية من أجل الشرق الأوسط.. دعوات للوحدة والسلام وسط الأزمات    جهود مكثفة لكشف لغز العثور على جثة مجهولة ملقاة على مزلقان البستان بالدقهلية    ملتقى القاهرة الدولي للمسرح الجامعي يحتفي برموز الفن في احتفالية اليوم العالمي للمسرح    طوارئ في دمنهور لتنفيذ خطة ترشيد الكهرباء.. ورئيس المدينة يتوعد المقصرين    العثور على جثة مسن داخل مسكنه بكفر الشيخ    المعلومات المضللة.. سلاح مؤثر في حرب إيران    بعد تصاعد الهجمات الإيرانية.. واشنطن تسابق الزمن لتعزيز دفاعاتها في الخليج    الدفاع الإماراتية: نتعامل حاليًّا مع اعتداءات صاروخية وطائرات مسيرة قادمة من إيران    اسكواش - رباعي مصري في نصف نهائي بطولة أوبتاسيا    إطلاق صفارة الإنذار في البحرين والسلطات تطالب المواطنين والمقيمين بالتوجه لأقرب مكان آمن    فيديو| أسفرت عن قتيلين.. الداخلية تكشف تفاصيل مشاجرة دامية بالشرقية    وزيرة التنمية المحلية والبيئة تهنئ محافظ القاهرة لاختيار العاصمة في المركز الرابع عالميا كأجمل 12 مدينة حول العالم    مصطفى حمدى يكتب: منتخب نجوم رمضان 2026    الأسماك والمكسرات.. أطعمة ومشروبات تساعد طفلك على التفوق الدراسي    إسبانيا تهزم صربيا بثلاثية وديا    فالفيردي ينقذ أوروجواي من خسارة ودية أمام إنجلترا    نقيب الفلاحين: انخفاض أسعار الطماطم 50% خلال 20 يوما    خبير صلب: رسوم البليت تخدم 3 شركات وتدمر 22 مصنعًا وطنيًا    شعبة الدواجن: الأسعار انخفضت 30% بعد عيد الفطر.. والسعر الحالي عادل ومرض للجميع    توغل بري لجيش الاحتلال الإسرائيلي واشتباكات عنيفة في جنوب لبنان مع ارتفاع الخسائر    ليلى عز العرب: "وصية جدو" يبرز دمج ذوي الاحتياجات الخاصة مع الممثلين المحترفين    تطورات مثيرة في قضية نجل أحمد حسام ميدو | المتهم قاصر وقاد سيارة والدته دون رخصة    حريق محدود بالمكاتب الإدارية بفندق ريستا السياحي في بورسعيد.. والسيطرة دون خسائر بشرية    تعليق أتوبيس أعلى دائري بشتيل دون إصابات بين الركاب    "فيفا" يعتمد ودية مصر والسعودية "مباراة دولية"    يد الزمالك يهزم طلائع الجيش ويستهل الدور الثاني في الدوري بقوة    خبيرة اجتماعية: النزوة قد تصدم الزوجة.. لكنها لا تعني نهاية العلاقة    خبيرة علاقات أسرية توضح: لماذا يخفي الرجل مشاعره عن زوجته؟    أصعب لحظة في «المداح».. فتحي عبد الوهاب يكشف كواليس الجزء الأخير    ليلى عز العرب تكشف تفاصيل مسلسل "وصية جدو"    تكريم 80 من حفظة القرآن الكريم والنماذج المتميزة في قرية البديني ببني سويف    أبو ريدة يشيد بأداء المنتخب بعد الفوز على السعودية ويتطلع لاختبار قوي أمام إسبانيا    منتخب ألمانيا يهزم سويسرا 4-3 وديا    نقل طارق النهري للمستشفى بعد تعرضه لأزمة صحية    ترامب: الإيرانيون رفضوا التنازل عن البرنامج النووي    حرب إيران تمحو 100 مليار دولار من أسهم شركات السلع الفاخرة    من كورونا إلى حرب إيران .. السيسى يحمل المواطن أزمات العالم ويرفع أسعار تذاكر المترو والقطارات؟!    فيلم ايجي بست يدخل قائمة أعلى افتتاحية إيرادات في تاريخ السينما المصرية    الإسعاف الإسرائيلى: قتيل وجرحى بعد تناثر شظايا صاروخ إيرانى فى 10 مواقع    "أنت مالك بإيران".. سجال بين ساويرس ومتابعيه بسبب الحرب    أول تعليق من الإعلامي إبراهيم فايق على أزمة نجل أحمد حسام ميدو    «الصحة»: إجراء 10 جراحات دقيقة في يوم واحد بمستشفى قنا العام    مساعد وزير الصحة يتفقد مستشفى العبور بالقليوبية لتسريع دخولها الخدمة ورفع كفاءة المنظومة    أخصائي يوضح أبرز فوائد الشاى بالليمون    طريقة عمل سلطة الباذنجان باللبنة، من الأطباق الخفيفة وسريعة التحضير    الوفد ينظم ندوة تعريفية لدور شركات القطاع العام فى نمو الإقتصاد المصرى    حسام موافي: صلاة الاستخارة مفتاح الطمأنينة.. وما لم يُكتب لك قد يكون حماية من الله    فرص عمل متاحة عبر بوابة الوظائف الحكومية.. طبية وإدارية وقيادية بالمحافظات | تفاصيل    الأزهر يوضح علامات قبول الصيام وطريق الطاعة المستمرة    بث مباشر الآن | متابعة مباراة المغرب والإكوادور الودية LIVE بجودة عالية    طلب إحاطة بشأن تأخر صدور اللائحة التنفيذية لقانون المسنين    من حق الرئيس ومن حق الشعب المصري    المستشار حامد شعبان سليم يكتب عن : حبنا لآل البيت من الإيمان 00!؟    صاحب الفضيلة الشيخ سعد الفقى يكتب عن : الدكتور / السيد عبد الباري الذي اعرفه؟    برلماني: قضية الماجستير والدكتوراه أمن قومي وليست مجرد أزمة توظيف    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



ندرة النبوغ والبطولة

تبدى لى أن كل الظواهر تدل على أن الجيل الحاضر أحسن استعداداً، وأشد ملاءمةً لكثرة النبوغ و ازدياد البطولة، فقد كثر العلم و سهل التعليم، ومهدت كل الوسائل للتربية، والتثقيف، وكثر عدد المتعلمين فى كل أمة، وفتح المجال أمام الجميع، المرأة مثل الرجل بعدما كان فى مجتمعاتنا قديماً قيود على تعليم المرأة، فأصبحت وسائل النبوغ ممهدة للجنسين على السواء، وتقطر العلم إلى العامة من الناس، فأصبحوا يشاطرون العارفين بعض المعرفة، و انتشرت الصحف والمجلات والفضائيات و نقل المعلومات و تبادل الثقافات بين شعوب العالم، حتى بدى أن العالم كله أصبح قرية صغيرة.
كل هذا كان يجب أن يكون إرهاصاً لكثرة النبوغ و التفنن فى البطولة، لا لندرة النبوغ والبطولة، مما يبدو أن الأمم أصيبت كلها بهذا العقم، و كان مقتضى الظاهر أن كثرة المواليد يزيد فى كثرة النابغين، وكان أيضاً مقتضى الظاهر أن عصر النور يلد من الأشخاص الممتازين أكثر مما يلد عصر الظلام.
هذا و قد يبدو لى مع شديد الأسف، أن الظاهرة صحيحة، وأن الجيل الحاضر فى الأمم المختلفة لا يلد كثيراً من النوابغ، ولا ينتج كثيراً من الأبطال، وأن طابع هذه العصور هو طابع المألوف والمعتاد، لا طابع النابغة و البطل.
و لو عدنا بالذاكرة للوراء، و فيما فات من الزمان لنسأل الآن :
- هل تجد مؤلفاً فى الأغانى كأبى الفرج الأصفهانى ؟
- هل تجد فى ساسة الأمم أمثال عمر بن الخطاب
وعمر بن عبد العزيز ؟
- هل تجد فى الشعر العربى أمثال بشار، وأبى نواس، و ابن الرومى، وأبى العلاء ؟
- هل تجد فى النثر أمثال ابن المقفع و الجاحظ،
وسهل بن هارون و عمرو بن مسعدة ؟
- هل تجد فى قيادة الحروب أمثال خالد بن الوليد، و أبى عبيدة ؟
- هل تجد فى الغناء أمثال أم كلثوم و أسمهان
ومحمد عبد الوهاب و فريد الأطرش وعبد الحليم حافظ ؟
كما أنه من المستغرب أن الغرب يشكون شكايتنا ، ويلاحظون عندهم ملاحظتنا، فيقولون أن ليس عندهم فى حاضرهم أمثال فجنر وبيتهوفن،
ولا أمثال شكسبير وجوته، ولا أمثال دارون
وسبنسر، ولا أمثال نابليون و بسمارك.
فما الأسباب التى أدت إلى ندرة النابغة و البطولة ؟ قد يعزى ذلك على ما يبدو أن الناس مثلهم الأعلى من النابغة و البطل، فلا يسمون نابغاً أو بطلاً إلا من حاز صفات كثيرة ممتازة قل أن تتحقق، و هذا بالأمر الطبيعى، فكلما ارتقى الناس ارتقى مثلهم الأعلى.
ومن عهد ليس ببعيد كان من يقرأ و يكتب شخصاً ممتازا لأنه كان نادراً و قليلاً ، فكان ينظر له نظرة احترام و تبجيل ، فما كثر التعليم بعض الشئ كان من حصل على الشهادة الابتدائية شخص ممتاز، بعدها من حصل على البكالوريا (الثانوية العامة ) شابا ممتازا، ثم إلى الشهادة العليا، ثم الماجستير، ثم الدكتوراه، ثم أصبحت هذه أيضاً ليست محل امتياز ، وارتفعت درجة النبوغ إلى شئ وراء هذا كله.
و الجدير بالذكر أن معظم الناس استنارت أذهانهم إلى حد بعيد، واكتشفوا سر العظمة، و بالتالى أصبحت العظمة المعتادة لا تروعهم، إنما يروعهم الخارق للعادة، فأين هى تحت هذه الأضواء الكاشفة، ثم يأتى بعد ذلك شعور الناس بعظمتهم وبشخصيتهم، و فى الغالب تأتى البطولة عندما يعطى الناس زمام نفوسهم للبطل، فهم بطاعتهم له و استسلامهم لأمره و إشارته يزيدون من عظمته، ويغذون بطولته. فإن كانت الحالة هكذا والناس يشعرون بعظمة أنفسهم وبالتالى قلت طاعتهم وقل تبجيلهم وخضوعهم لكائن من كان، فهم بذلك
لايفسحون للبطل بطولته فلا يكون.
وأعتقد بأنه لو وجد اليوم شخص فى أخلاق صفات ومميزات مثل نابليون ما استطاع أن يحقق ما حققه فى عصرنا هذا، ولا كان إلا رجلاً عادياً أو تميز بقدر ضئيل عن العادى.
و لما كانت الأسباب التى ذكرت كانت تؤذن بكثرة النوابغ، و هى أيضاً التى قللت النوابغ، فكثرة العلم و استفادة الناس جعلت النبوغ عسيراً لاسهلاً يسيراً، وتصديقا لذلك، أن الأمم فيما مضت كانت تمنح المشعوذين والمخرفين ألقاب البطولة، وتنظر إليهم نظرة تفوق و نبوغ، و لما فتح الناس عيونهم وعقلوا بعد غفلتهم، واكتشفوا حيلهم ومكرهم لم تعد لهم هذه المكانة، وحل محلهم المصلحون الاجتماعيون الذين يخدمون أمتهم بعملهم.
ومعنى ذلك أن الشعوذة و المخرفة حل محلها مقياس المنفعة، و سار الناس فى طريق التقدير الصحيح، وهو الاحترام و التبجيل على قدر ما يصدر من الشخص من خير عام حقيقى.
كما أن مقاييس البطولة قد تغيرت، وأصبحت عند المحدثين خيراً منها عند الأقدمين، بعدما أزاح أهل العلم الحديث ستائر القدم، وتبين البطل فى صورته الحقيقية، فقد أرتفع شأن البعض و أحيانا ارتفع الستار عن لا بطل.
ولهذا نجد كثيراً من المعاصرين هم فى الحقيقة نوابغ، و يفوقون بمراحل بعض نوابغ الأقدمين، لكننا لم نمنحهم بعد لقب البطولة للأسباب التى أشرنا إليها من قبل، من أننا رفعنا إلى حد بعيد المثل الأعلى للنبوغ ، ولأننا نحلل النابغ و نكتشف سره، ولأنه معاصر، والمعاصرة تتبدى لى أعدى أعداء الاعتراف بالنبوغ .
ولعلى بذلك أصل إلى حقيقة، بأن كثرة النبوغ تضيع الاعتراف بالنبوغ، فكل أمة راقية الآن لديها عدد كبير من المتفوقين فى كل فرع من فروع العلم
والفن، فلما كثر هؤلاء فى كل أمة أصبح من الصعب أن تميز أكبر متفوق منهم لتمنحه صفة النبوغ، كما يصبح من العسير أن نسميهم كلهم نوابغ، هذا لأن النبوغ بحكم اسمه و معناه يتطلب الندرة ، فلما كثر النابغون أضاعوا اسم النبوغ.
وعلى العكس من ذلك فالأمم المنحطة، لما لم يوجد فيها إلا سياسى واحد أو إعلامى واحد أو فنان واحد كان من السهل أن يمنح لقب النبوغ.
و يأتى دور الديمقراطية التى تسود الناس فى العصور الأخيرة، وقد نادت بالمساواة و ألحت فى الطلب، وأوجدت بذلك فى الشعوب حالة نفسية كان لها أكبر الأثر فى موضوعنا هذا، حيث أصبح الناس لا يؤمنون بتفوق كبير، و بتقليل الفوارق ذابت الفوارق مثلما اتسع البحر فقل عمقه، وكثر المتعلمون و قل النابغون، فقد كان من يتفوق فى الماضى كان يصادف عقبات لا حد لها من الصعوبة، فكان من الطبيعى ألا يجتازها إلا القليل، فكان من يجتازها يكون لديه الحصانة الطبيعية،
ويكون تعود على اجتياز العقبات واحتمال المشقة فكان ذلك سبب النبوغ و الذى كان يعزى إلى قلة من يجتاز العقبات، و من يجتازها فعلاً.
هذا و قد أصبح التعلم ميسراً فكثر عدد المتعلمين وقل عدد النابغين.
* بورسعيد


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.