داخل البلدة القديمة لمدينة القدس، بالتحديد في حارة النصارى، بجوار كنيستي القديسة هيلانة الملاك يقع الدير الأثري للأقباط الأرثوذكس ويسمي دير "السلطان". يقع الدير على مساحة تبلغ نحو 1800 م2، وله أهمية خاصة عند الأقباط لأنه طريقهم المباشر للوصول من دير مار أنطونيوس حيث مقر البطريركية المصرية إلى كنيسة القيامة، وتقع ساحته فوق كنيسة القديسة هيلانة وفي الزاوية الجنوبية الغربية من هذه الساحة، تقع كنيستان تاريخيتان هما كنيسة "الأربعة كائنات الروحية"، وكنيسة الملاك ميخائيل. ويرجح تسمية هذا الدير ب "السلطان" يرجع إلى أمرين: أولهما أن بناء هذا الدير أو موضعه كان هبَة من أحد السلاطين للأقباط فنسبوه إليه إقرارا بفضله، وثانيهما أن السلطان اتخذه لإقامة عماله في القدس أو لإيواء رسله الذين كان يوفدهم إلى الأقطار التابعة، كالشام التي كان السبيل إليها من مصر عن طريق القدس. دير السلطان هو وقف مصري قبطي، بملكية مسجلة تقديرا لموقفهم الشجاع حين ساندوا صلاح الدين الأيوبي في مواجهة الصليبيين، مقدمين المصلحة الوطنية على أي اعتبار آخر، وبعد احتلال إسرائيل للقدس وموقف قداسة البابا شنودة من زيارة المدينة كان رد فعل حكومة شيمون بيريز، أن استولت على الدير من الرهبان المسيحيين الأرثوذكس وقدمته للرهبان الأحباش، فقامت الكنيسة المصرية برفع دعوى قضائية أمام المحاكم الإسرائيلية وحكم لصالحها في كل مراحل التقاضي وصولا إلى المحكمة الإسرائيلية العليا وهى أعلى جهة تقاضي في إسرائيل ولم ينفذ الحكم. وفي مذكرة أصدرها الأنبا ياكوبوس مطران الكرسى الأورشليمى في أغسطس سنة 1953، وأيدها الأنبا باسيليوس خليفته، بمذكره أصدرها في مارس 1961 م، تثبت ملكية أقباط مصر للدير، جاء في صفحتها الأولى نصا "يجدر بنا قبل أن نستعرض الأسانيد التي تثبت ملكية القبط لدير السلطان من أن نتحرى أسباب هذه التسمية إذ لا نسبة بين "الدير" و"السلطان" إلا إذا كانت نسبة الهبة للواهب، والهبة لا تأتى جزافًا بل لا بد لها من حافز مثل نفع ذى صلة كصلة القربى أو صلة التبعية، وما دام السلطان هو الواهب فلا ريب أن الصلة كان أساسها التبعية أو الرعوية. وفي عيد القيامة يوم 25-4 –1970 قامت القوات الإسرائيلية ، بإخراج الرهبان الأقباط وسلمته للأحباش، وكان هذا الحادث مخالفا للتعهد الذي تعهدت به إسرائيل بأن تبقي كل شيء كما هو في الأماكن المقدسة وتحترم أحكام الاستاتيسكو (الوضع الراهن) وتحافظ عليه دون تغيير، كما ذكر الراهب القمص أنطوني في كتابه (وطنية الكنيسة القبطية وتاريخها المعاصر) قائلا: "اضطر مطراننا في القدس إلى رفع دعوي أمام محكمة العدل العليا الإسرائيلية ضد الحكومة الإسرائيلية، وضد وزيري الشرطة والأديان وضد أسقف الأحباش ، وقدم 25 صورة فوتوغرافية تثبت تبعية الدير للأقباط من واقع الكتابات القبطية والعربية على أحجبة الكنائس وما فيها من فن قبطي وتمت المعاينة، و أثبتت أحقيتنا." ورفع مطران القدس (المصري) دعوي أمام المحكمة العليا الإسرائيلية بالقدس فأصدرت حكما في 16 مارس 1971 بالإدانة الصريحة للقوات الإسرائيلية، وأثبت الحكم الاعتداءات على رجال الدين الأقباط وحكمت المحكمة بإعادة الدير المغتصب ولكن الحكومة الإسرائيلية ماطلت ورفعت دعوي أمام المحكمة العليا بالقدس فحكمت هذه المحكمة العليا بالقدس أيضا بالاجماع في 9 يناير 1979 بأحقية الكنيسة المصرية في تسلم دير السلطان وكرر الحكم إدانة المحكمة لتصرفات الحكومة الإسرائيلية التي لم يسبق لها مثيل في تاريخ الأماكن المقدسة. و أصدرت محكمة العدل العليا الإسرائيلية قرارها رقم 70/109 وأدانت التعدي على الدير وذكرت أن ما حدث كان ضد الأمن وضد النظام العام، وأمرت وزير الشرطة بإعادة المقدسات المغتصبة لأصحابها ، كما قامت بتغريم كل من وزير الشرطة وأسقف الأحباش بمبلغ 1500 ليرة إسرائيلية ، ونشر قرار المحكمة في كل الصحف العربية والإنجليزية والعبرية . وفي 1971/3/28 أصدرت الحكومة قرارا بتشكيل لجنة من وزراء الخارجية والعدل والشرطة والأديان لدراسة الموضوع وتقديم التوصيات لمجلس الوزراء في جلسته المقبلة ، ولم يتقدم الموضوع خطوة واحدة . وما كان من مطران الأقباط إلا برفع دعوى ثانية أمام محكمة العدل الإسرائيلية، وإذا بالمدعي العام الذي يترافع عن الحكومة يطلب من المحكمة عدم الضغط على الحكومة لأن القضية لها أبعاد سياسية ولكن للمرة الثانية أدانت المحكمة الحكومة الإسرائيلية ولكن الاعتداء استمر كما هو، واضطرت المطرانية في القدس إلى إلغاء كل الاحتفالات بالأعياد لأن الطريق إلى كنيسة القيامة مغتصب. وبالرغم من كل الجهود التي بذلت لتسوية الأمر إلا إنها باءت بالفشل، وأصبح دير"السلطان" في حوزة الأثيوبيين برعاية إسرائيلية منذ عام 1970 إلى يومنا هذا.