العدالة مفهومٌ واسع قبل أن تكون صرحًا كبيرًا، وشعورٌ يستقر في النفس قبل أن يُدون في الدساتير والقوانين، ومثلها مثل الدواء، ما لم يشفِ المريض ويخفف آلامه فليس بدواء، وعندما يفقد المواطن العدالة، يفقد معها الأمن وراحة البال وتقوم العدالة في مصر على أركان المنظومة القضائية، ومن بين أركانها النيابة الإدارية، تلك الهيئة العريقة وهي النائبة عن المجتمع في تعقب المخالفات التأديبية التي تقع من الفئات الخاضعة لولايتها مستهدفة حماية المال العام، وضمان حسن سير المرافق العامة وتحقيق العدالة التأديبية واكتشاف أوجه الخلل والقصور في النظم والإجراءات الإدارية والمالية
والمنوط بها أيضًا محاسبة المخالفين في الجهاز الإداري بالدولة، وإنصاف المظلومين من العاملين بذلك الجهاز من كيد الفاسدين والحاقدين، وبوجودها يشعر الموظف العام أنه بمأمن من العسف والانتقاص من حقوقه المالية أو الإدارية، ومن هنا تنبع أهمية موضوعنا وتأتي هذه الأسئلة: 1 من الذي يكفل لعضو النيابة الإدارية حقوقه المالية والإدارية؟
2 كيف يشعر بالأمن إن سُلبت منه الحرية، ولم تتحقق له العدالة؟ 3 كيف ينتصر للمظلوم بينما لم ينتصر له أحد؟
أحكام قضائية باتة بدأت رحلة معاناة أعضاء النيابة الإدارية المعينون بأحكام قضائية باتة دون رد أقدميتهم إلى تاريخ تعيين زملائهم رغم كونهم أوائل الدفعات، وهو الأمر الذي حدا بهم إلى الطعن أمام المحكمة الإدارية العليا، التي أصدرت أحكامها الباتة بإرجارع أقدميتهم إلى تاريخ صدور القرارات الجمهورية الخاصة بتعيين أقرانهم في وظيفة معاون نيابة
ونفاذًا لهذا القضاء وافق المجلس الأعلى للنيابة الإدارية على تنفيذ هذه الأحكام، وعليه صدرت القرارات الجمهورية بإرجارع أقدميتهم إلى تاريخ تعيين زملائهم، إلا أن هذه القرارات الجمهورية لم يكن لها أي أثر على أرض الواقع حيث لم يتم اتخاذ ثمة إجراء نحو تنفيذ الأحكام أو القرارات الجمهورية دون مبرر
وعلى هدي الأحكام الصادرة بإلغاء القرارات فيما تضمنته من التخطي في التعيين في وظيفة معاون نيابة، فإن مؤدى ذلك، وفقًا لما استقر قضاء العليا اعتبار الطاعن معينًا في هذه الوظيفة اعتبارًا من تاريخ صدور القرار المقضي بإلغائه كأثر حتمي لإعدام هذا القرار ومحو آثاره من وقت صدوره بالنسبة لتخطيه في التعيين، وهو ما أكدته أحكام المحكمة الإدارية العليا الصادرة برد أقدمية الأعضاء المتضررين إلى تاريخ صدور القرارات الجمهورية الخاصة بتعيين زملائهم الماجستير والدكتوراه والمفترض في أعضاء النيابة الإدارية الصلاحية والكفاءة كأصل عام، فإذا كان هناك حائل ما بين عضو النيابة والتفتيش على أعماله لسبب خارج عن إرادته لا دخل له فيه، فإنه لا يجوز أن يكون هذا الأمر سندًا لتخطيه في الترقية، لأن الأمور الواجب توافرها أن يكون أسباب عدم ترقية عضو النيابة وتخطيه فيها مرجعها له لوجود تقصير أو إهمال من جانبه متعلق بآدائه لعمله أو لإعوجاج في مسلكه
وإذا انتفى هذا في شأنه وتوافرت باقي الشروط المنصوص عليها قانونًا في شأنه، فإنه يتعين عدم تخطيه في الترقية مع زملائه وفقا لأقدميته، خاصة وأن النيابة الإدارية لم تنازع في كفائتهم منذ شغلهم وظيفة معاون نيابة وحتى رئيس نيابة من الفئة (أ)، كما لم تجحد في ذلك بصلاحيتهم للترقية وجدارتهم لشغل الوظيفة الأعلى، ومنهم كثيرون حاصلون على الماجستير والدكتوراه
حالات مماثلة وهناك قرارات جمهورية جاءت تنفيذًا لأحكام قضائية صدرت لصالح حالات مماثلة لحالات أعضاء النيابة الإدارية المتضررين ومتساويين معهم في المركز القانوني، تضمنت تعيين وترقية زملائهم إلى الدرجة الوظيفية التي رقي إليها زملائهم المعينين بموجب القرارات الجمهورية المتضمنة تعيينهم بوظيفة معاوني نيابة إدارية والتي ألغيت جزئيًا فيما تضمنته من تخطي زملائهم بوظيفة معاون نيابة بموجب الأحكام القضائية الصادرة لصالحهم، ووضعوا في ترتيب أقدميتهم الصحيح في الدرجة الوظيفية الأعلى التي وصل إليها زملائهم وأصبحوا متساويين مع زملائهم في تاريخ أقدمية الحصول على درجة وكيل نيابة ممتازة وهؤلاء المستشهد بهم من زملائهم هم علي سبيل المثال لا الحصر: 1 المستشار (م ا م) صدر له حكم في الطعن 25061 لسنة 55 ق بإرجاع أقدميته في وظيفة معاون نيابة إلي تاريخ صدور القرار الجمهوري 445 ق لسنة 2001 وتنفيذا للحكم صدر له القرار الجمهوري 533 لسنة 2015 بإرجاع أقدميته والقرار الجمهوري 64 لسنة 2017 بناء على موافقة المجلس الأعلى لهيئة النيابة الإداريه بجلسة 25/12/2016 بترقيته إلى وظيفة وكيل عام حين كان بدرجة رئيس نيابة من الفئة (ب)
2 المستشار (ف م ع) صدر له حكم في الطعن 8684 لسنة 54 ق بإرجاع أقدميته إلى تاريخ القرار الجمهوري 230 لسنة 2000 وتنفيذا للحكم صدر له القرار الجمهوري رقم 94 لسنة 2013 بإرجاع اقدميته وترقيته إلى درجة رئيس نيابة من الفئة (أ) ثم الترقي للدرجة الأعلي وهو حاليا يشغل منصب مدير نيابة
3 المستشارة (أ ح أ) صدر لها حكم في الطعن 8683 لسنة 54 ق بارجاع اقدميتها إلى تاريخ القرار الجمهوري 230 لسنة 2000 وتنفيذا للحكم صدر القرار الجمهوري 94 لسنة 2013 بإرجاع أقدميتها وترقيتها إلى درجة رئيس نيابة ثم الترقي للدرجة الأعلى
4 المستشار (م إ ا) صدر له حكم في الطعن 2707 لسنة 42 ق بإلغاء القرار الجمهوري 169 لسنة 1999 فيما تضمنه من تخطيه في وظيفة معاون نيابة وتنفيذا للحكم صدر له القرار الجمهوري 302 لسنة 2000 متضمنا تعيينه وترقيته لوظيفة وكيلا للنيابة الإدارية من الفئة الممتازة ثم الترقي للدرجة الأعلى
5 المستشارة (غ ط ا) صدر لها حكم في الطعن 5597 لسنة 42 ق بإلغاء القرار الجمهوري 303 لسنة 1994 فيما تضمنه من تخطيها في وظيفة معاون نيابة وتنفيذًا للحكم صدر القرار الجمهوري 495 لسنة 2000 متضمنا تعيينها وترقيتها لوظيفة وكيلا للنيابة من الفئة الممتازة ثم الترقي للدرجة الأعلى
6 المستشار (م ي ع) صدر له حكم في الطعن 156 لسنة 42 ق متضمنا إلغاء القرار الجمهوري 303 لسنة 1994 فيما تضمنه من تخطيه في وظيفة معاون نيابة وتنفيذا للحكم، صدر القرار الجمهوري 44 لسنة 2001 متضمنا تعيينه وترقيته لوظيفة وكيل للنيابة الإدارية من الفئة الممتازة ثم الترقي للدرجة الأعلى
العود أعوج ويتبين من ذلك التمييز الواضح بين المستشارين المتضررين وبين زملائهم المستشهد بهم رغم اتحادهم في المركز القانوني، فهم جميعا حاصلين على أحكام قضائية بالتعيين بوظيفة معاون نيابة، وذلك التمييز يتنافى مع مبدأ المساواة في الوظائف العامة، والذي كفله الدستور، ولذلك فهم يطالبون منذ سنوات عديدة تنفيذ هذه الأحكام تنفيذًا كاملا بإرجاع أقدميتهم إلى تاريخ صدور القرارات الجمهورية بتعيين زملائهم وترقيتهم لذات الدرجة المرقين إليها
إن قضية أعضاء النيابة الادارية الذين لم تُنفذ أحكامهم القضائية الباتة تنفيذًا صحيحًا يُعوِضهم عن خطأ تخطيهم، وتعيين من هم أقل منهم في الكفاءة والتقدير، وما تكبدوه من جهد ووقت ونفقات لإثبات أحقيتهم، تكشف عن كسوف شمس العدالة عن رجالها، فما بالنا بآحاد الناس، وقديما قالوا: لن يستقيم الظل والعود أعوج