الآن حَصْحَصَ الحق وصَحْصَح العقل، ولا مفر من تصدير الوجه الخشب في التعاطى مع أزمة سد النهضة حتى لو تطلب الأمر عملا عسكريا من منطلق الأمن القومى ويا روح ما بعدك روح، وعلى المتضرر اللجوء إلى أعلى ما في الزريبة، وساعتها يحلها ألف حَلَّال، واقطع دراعى من تحت الباط لن يَمسَسْنا ضرٌّ، فكما يقول المصريون الكف السابق غالب.. وما أقوله ليس افتكاسة أو طق حَنَك وإنما من صدى وقائع التاريخ القديم والحديث والحاجَّة أم محروسة. التاريخ القديم يحدثنا عن حُرمة.. أي والله حرمة مكتملة الأنوثة.. اسمها حتشبسوت ملكة مصر..هذه الحرمة القادرة عندما قدموا لها تقارير تؤكد أن البعض يلعب في منابع النيل، لم تنتظر تشكيل لجان واستدعاء "خبراء استراتيجيين!" لمناقشة القضية، ولم ترسل بعثات شعبية بقيادة حمدين رع والبدوى آمون وجورج الثانى عشر ولا بعثات للتفاوض مع الأفارقة عند المنابع، ووضعت المجتمع الدولى على راس مسلَّتها الشهيرة.. حتشبسوت الشديدة لمت شعرها وربطت القرطة بفيونكة على جنب راسها، ونزعت المشد، وحطمت زجاجات الكحل والحَنْتَفَة، واتخذت قرار الحرب لتأديب من تسول له نفسه تهديد منابع النيل واهب الحياة لمصر العظيمة، وأرسلت جيش مصر حتى وصل الصومال والحبشة ونجح في تأمين المنابع. وفى العصر الحديث جلس محمد على باشا على عرش مصر وسأل المحيطين به: من أين يأتى النيل؟.. الباشا لم يدع مجالا للهرى والعجن حتى لا يفاجأ بخبير إستراتيجى يؤكد له أن منابع النيل في مركز البدارى بأسيوط!.. وبسرعة وجد من يصدقه القول، بأنه ينبع من هضبة الحبشة.. فأرسل الجيش بقيادة ابنه إبراهيم لتأمين المنابع، وكان له ما أراد، حتى أصبحت الحدود المصرية تنتهى عند الصومال، وتضم أجزاءً كبيرة من إثيوبيا ودولة إريتيريا الحالية. دعك من حتشبسوت ومحمد على باشا.. وأسمح لى أسوق لك مثالا عايشته بنفسي.. في الحارة الصغيرة الفقيرة منزل قديم من طابقين، كل طابق شقة.. في المدخل شقة يقطنها مواطن سودانى الأصل حاصل على الجنسية المصرية، مفتول العضلات، مرهوب الجانب.. في الدور الثانى تسكن أم محروسة، راقصة معتزلة تعمل في عيادة طبيب، وانكفأت على تربية بنتيها اليتيمتين.. مرافق المنزل البائس متهالكة، وقد اعتاد السودانى قطع المياه معظم الوقت فحال دون وصولها لشقة أم محروسة، ذلك أنه يتحكم في المنبع والمحبس بينما أم محروسة هي شقة المصب، لأنها ماسورة واحدة تماما كنهر النيل.. كانت مرة تستأذنه ليفتح المياه ومرة تستعطفه ومرات تلجأ إلى وسطاء من الحى ومرات ببلاغات لنقطة الشرطة، ولكن دون جدوى.. اتخذت أم محروسة قرارها التاريخي، ونزلت لمواجهة السودانى في معركة مصيرية.. وكالحرب الخاطفة، هي رُكبة واحدة عرفت طريقها إلى منابع المياه عند السوداني، فخر صَعقا يتلوى من الألم، وكانت النتيجة أنه انصاع صاغرا لفتح المياه طول الوقت، بعد أن نجا من الركبة وعاش بفردة واحدة فيما يشبه المعجزة بعد أن تحولت الأخرى إلى أومليت! في تقديرى لا مناص من التكشير عن أنياب القوة والبأس في وجه من تسول له نفسه مجرد التفكير في المساس بالأمن المائى للدولة.. الآن نحن في مسارات التفاوض.. أما لو فشلت الجهود الناعمة فأمامنا خطوات تدريجية، بداية من التهديد بالدعم العسكري للمعارضة الإثيوبية وكذلك دعم إريتيريا في صراعها مع إثيوبيا أي (نشتغل في الأزرق!)..وإذا لم ننجح، فلا مناص من الخيار العسكري وركبة أم محروسة..والبادى أرْخَم.