بعد هبوط حاد .. ننشر سعر الذهب اليوم الأحد 22 مارس 2026    إعلام إسرائيلي: صاروخ عنقودي إيراني استهدف تل أبيب    «صحة الجيزة»: المرور على 82 منشأة ضمن خطة التأمين الطبي فى عيد الفطر    مدير «صحة الجيزة» يُجري جولة على 4 منشآت صحية لمتابعة الجاهزية في العيد    الحرس الثوري يؤكد الحصيلة الكبيرة للقتلى والجرحى الإسرائيليين في الموجة ال73    أسعار الخضروات واللحوم والدواجن في الأسواق اليوم الأحد 22 مارس 2026    حياة كريمة فى أسوان.. دعم الكهرباء بالقرى بمحولات وخلايا جديدة    الصحة العالمية: مقتل أكثر من 60 شخصا في هجوم على مستشفى بالسودان    حزب الله: قصفنا تجمعا لقوات جيش الاحتلال في محيط بلدة الطيبة جنوبي لبنان    ثورة تصحيح في النادي الأهلي.. طرد توروب وعودة البدري    ليلة السقوط التاريخي.. "أرقام سوداء" تلاحق الأهلي بعد فضيحة الترجي    10 ملايين نسمة يغرقون في "ظلام دامس"، انهيار كامل للشبكة الكهربائية في كوبا    حبس مسجل خطر بتهمة نشر أخبار كاذبة في كفر الشيخ    العثور على رضيعة داخل صندوق قمامة بطامية ونقلها للمستشفى لكشف ملابسات الواقعة    أجمل عبارات التهنئة بعيد الأم.. تعرف عليها    المتحدث الرسمي للأوقاف للفجر: حبُّنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وآلِ بيته الأطهار دينٌ صادق وتاريخٌ مشهود    نجم الكرة البرازيلي جورجينيو يتهم فريق المغنية تشابيل روان بإساءة معاملة ابنته    حسام حسن يعلن قائمة منتخب مصر لوديتي السعودية وإسبانيا    عميد طب قصر العيني يتفقد مستشفى الطوارئ خلال عيد الفطر    رشا رفاعي تتفقد مستشفى بدر الجامعي في ثاني أيام عيد الفطر المبارك    الدفاع السعودية: اعتراض مسيرة بالمنطقة الشرقية    الرئيس ترامب يحدد "أكبر منشأة طاقة" في إيران كهدف أول للهجمات الوشيكة    افتتاح معرض في برلين يبرز الدور المحوري للآثار المصرية في نشأة علم الفلك    أستاذ إعلام سعودى ل"اليوم السابع": مصر والسعودية هما صمام الأمان للمنطقة العربية فى مواجهة التحديات.. زيارة الرئيس السيسى ولقاؤه الأمير محمد بن سلمان تعكس عُمق العلاقات.. والتنسيق بين البلدين على أعلى مستوى    ليسا أشقاء.. من هما محمد علاء وطارق علاء ثنائي منتخب مصر الجديد    سيناريو مكرر للمرة الثانية.. يوفنتوس يهدر فوزا قاتلا بالتعادل مع ساسولو    حذف أغنية الله يجازيك لمصطفى كامل بعد تصدرها الترند    اللواء أيمن جبر رئيس جمعية بورسعيد التاريخية: الحفاظ على مبانى المدينة التراثية «مسئوليتنا»    محافظ السويس: متابعة مسائية لرفع التراكمات وتأمين كابلات الكهرباء والأعمدة    ناجي فرج: انخفاض أسعار الذهب بحوالي 10% بسبب الحرب الحالية.. وهذه فرصة مثالية للشراء    التليفزيون الإيراني يعلن رسميا قصف مفاعل "ديمونا" النووي رداً على استهداف منشأة "نطنز" الإيرانية    البحرين: تدمير 143 صاروخا و244 طائرة منذ بدء الاعتداء الإيرانى    وصلة ضرب ومعاكسة فى قصر النيل.. كواليس فيديو الاعتداء على طالبة    وزيرة التنمية تعتمد مخططات تفصيلية لمدن وقرى تمهيدًا لعرضها على الوزراء    يسرا اللوزي: جميع الأعمال التي ناقشت الطلاق قدّمته من زوايا مختلفة.. و«كان يا مكان» تناول تأثيره على المراهقات    "البصمة الأسلوبية".. كتاب جديد للناقد النغربي عبدالرحمن إكيدر    في حفل عائلي.. خطوبة شريف عمرو الليثي على ملك أحمد زاهر    شبح الفقر يلتهم أسرة كاملة في الإسكندرية.. أم تتفق مع نجلها على إنهاء حياتها وأبنائها الستة    أم و 5 أشقاء| مقتل أسرة على يد عاطل في كرموز بالإسكندرية    نتنياهو: نعيش ليلة عصيبة للغاية في الحرب من أجل مستقبلنا    وائل جمعة: تخاذل اللاعبين وسوء الإدارة وراء خروج الأهلي من دوري الأبطال    مدافع الترجي: الانتصار على الأهلي له طابع خاص    طريقة عمل السجق، أكلة سريعة التحضير في العيد    البابا تواضروس يرسم 9 راهبات جديدات لأربعة أديرة في مصر وأستراليا    التحالف الوطني يكرّم حفظة القرآن الكريم بشبرا الخيمة في احتفالية "في رحاب التلاوة".. صور    هل تزيين المساجد بدعة؟.. أوقاف الإسماعيلية تحسم الجدل    9 راهبات جديدات بيد البابا تواضروس الثاني لأربعة من أديرة الراهبات    انتصار السيسي تهنئ الأم المصرية بعيدها: مصدر الحب والقوة وصاحبة أعظم رسالة    وزير الزراعة يتابع الجهود الميدانية لدعم المزارعين والمربين وإزالة التعديات    من هو الشيخ سيد عبد الباري صاحب دعاء "اللهم يارب فاطمة وأبيها" في خطبة العيد؟    في أول أيام العيد.. خط نجدة الطفل يستقبل 1134 اتصالا و53 بلاغا    "مطران طنطا" يفتتح معرض الملابس الصيفي استعدادًا للأعياد    حافظ الشاعر يكتب عن :حين تصبح الكاميرا دعاء لا يُرى    المستشار حامد شعبان سليم يكتب عن : نعم سيظل العيد فى "بقطارس" ..حاجة ثانية !?    محافظ قنا: تكثيف الرقابة التموينية خلال عيد الفطر.. وتحرير محاضر لمخابز مخالفة    جامعة القاهرة تتقدم بالتهنئة لأمهات مصر بمناسبة عيد الأم    المجلس الاستشاري لاتحاد كتاب مصر يناقش احتياجات الفروع وملف الرعاية الصحية    الشرطة النسائية.. تاريخ من الإنجاز والعطاء المستمر    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



جمال حمدان.. «في الليلة الظلماء يفتقد البدر»
نشر في فيتو يوم 18 - 04 - 2016

حلت أمس الأحد الذكرى الثالثة والعشرين لرحيل المثقف الوطنى والمفكر الإستراتيجي جمال حمدان، أحد العظماء الذين أنجبتهم مصر، وجاءت هذا العام وكأنها تجسد المقولة الشاعرة: «في الليلة الظلماء يفتقد البدر» بقدر ماهي دالة على الحاجة لمدرسته الوطنية في الإستراتيجيات والأفكار الخلاقة ناهيك عن تحذيره دوما من الاستسلام لليأس.
فعند «الغائب الحاضر» جمال حمدان كل واقع بدأ خيالا وكل أمر واقع كان مجرد فكرة وإذا كان «التفاؤل الحذر والفاعل يختلف تماما عن التفاؤل التواكلي الساذج فإن البديل للتفاؤل هو اليأس أي الاستسلام" ومن هنا "فعلينا أن نناضل ونكافح والنصر لمن يريد».
وإذ قامت عائلة الدكتور جمال حمدان بإهداء مقتنياته وأوراقه لمكتبة الإسكندرية التي ستعرضها قريبا في جناح يحمل اسمه فإن أهم ما تركه هذا المفكر الإستراتيجي ثروة من الأفكار تجسد "قوة الأفكار الخلاقة" والقابلة للتطبيق في الواقع الراهن.
ومن ثم يتعين الاستفادة من هذه الأفكار الخلاقة والأصيلة بما يخدم الوطن الذي ذاب جمال حمدان عشقا له وتوحدا معه في أمثولة إخلاص لشعبه وجماهير أمته العربية بينما يكاد من يقرأ أوراقه الخاصة التي تركها قبيل رحيله يشعر بدهشة كبيرة إن لم يكن بذهول حيال القدرة الفريدة لهذا المفكر الإستراتيجي على التنبؤ والتوقع استنادا على مزيج مدهش من المعارف والخبرات الثقافية.
وإذ بات جمال حمدان رمزا من أعز رموز مصر ونجما لامعا للأبد في سماء الثقافة المصرية يمكن القول دون تزيد أن مثقفا في حجم وقيمة وقامة جمال حمدان لا يزيده الموت إلا توهجا في الذاكرة الثقافية المصرية ولن يزيده الغياب سوى المزيد من الحضور في وعى أجيال تلو أجيال من المصريين وضمير بلاده ووجدان أمته.
ولعل الإقبال الواضح على أعماله وخاصة العمل الفكرى الرائد لجمال حمدان "شخصية مصر" ولاسيما من الشباب مجرد إشارة من إشارات عديدة دالة على حجم حضوره الثقافى في الحياة المصرية والعربية الراهنة فيما كان قد أوضح في مقدمة هذا السفر الموسوعى نظرته العميقة للجغرافيا التي تخصص فيها ليقول إنها "علم بمادتها وفن بمعالجتها وفلسفة بنظراتها".
وبعد أن انتهى جمال حمدان من ملحمته العلمية الكبرى "شخصية مصر- دراسة في عبقرية المكان" التي صدرت في أربعة أجزاء على مدى عشر سنوات كاملة ووصل مجموع صفحاتها إلى أربعة آلاف صفحة من القطع الكبير فإنها لم يكف عن الكتابة والبحث كعادته وراح يدون ما يعن له من أفكار وآراء حتى رحيله المفجع ليتولى شقيقه الدكتور عبد الحميد حمدان-الذي قضى بدوره مؤخرا في سويسرا- جمعها وإعدادها في كتاب صدر بعنوان:"د.جمال حمدان..صفحات من أوراقه الخاصة".
وواقع الحال أن هذه الأفكار كانت تعبر عن اهتمام المفكر والمثقف الوطني المصري جمال حمدان بوطنه وأمته العربية والعالم الإسلامي ككل فيما كان الراحل الحاضر قد اختار لآخر مؤلفاته عنوانا دالا هو:"العالم الإسلامي في الإستراتيجية العالمية" على نحو ماذكر شقيقه الراحل في مقدمة الكتاب الذي تضمن صفحات من أورافه الخاصة وهو كتاب يضم نوعين من الأفكار:الأول وهو النوع القصير المقتضب الذي لم يتبلور بعد، والثاني هو المطول الذي أخذ شكله النهائي في سياق البحث أو الدراسة.
ولم يجانب الدكتور عبد الحميد حمدان الصواب أو ينزع نحو المبالغة عندما أكد على أن ما خلفه الراحل العظيم الدكتور جمال حمدان من آراء وأفكار إنما تتناول أمورا على درجة كبيرة من الأهمية لمصر والعالم العربي والإسلامي والعلاقات مع الغرب وهي موضوعات محورية وحاسمة تفرض نفسها حتى الآن على مصير الشعوب وهويتها.
وكان الدكتور عبادة كحيلة أستاذ التاريخ الراحل قد ذكر في كتاب صدر صدر منذ نحو ثلاثة أعوام بعنوان:"عبقرية في الزمان والمكان" أن أستاذه جمال حمدان كان يعتزم قبيل رحيله في "الحريق اللغز" الذي اندلع بمسكنه في منطقة الدقي يوم السابع عشر من أبريل عام 1993 نشر كتابين جديدين احدهما عن الصهيونية والآخر بمثابة طبعة جديدة مزيدة ومطورة لعمله الكبير:"جغرافيا العالم الإسلامي".
وجمال حمدان الذي ولد في الرابع من فبراير عام 1928 بقرية "ناي" في القليوبية وقضي يوم السابع عشر من أبريل عام 1993 هو الذي قال قبيل وفاته:"أن لم تحقق مصر محاولة قوة عظمى تسود المنطقة بأثرها فسوف يتداعى عليها الجميع يوما كالقصعة" !.
ولأنه ينتمي لذلك النوع النادر من كبار المثقفين الذين يحق وصف كل منهم "بزرقاء اليمامة التي تحذر قومها من المخاطر القادمة " فان جمال حمدان حذر المصريين بشدة قبيل رحيله من متغيرات خطرة "تضرب في صميم الوجود المصري ليس فقط من حيث المكانة وإنما المكان ذاته".
وهكذا فإن أوراقه الخاصة التي جمعها شقيقه الراحل الدكتور عبد الحميد حمدان تتضمن تحذيرات واضحة وصارخة للمصريين من مخاطر التآكل الجغرافي جراء المشكلات البيئية وهو أيضا الذي قال:"كانت مصر سيدة النيل والآن انتهى هذا إلى الأبد وأصبحت شريكة محسودة ومحاسبة ورصيدها المائي محدود وثابت وغير قابل للزيادة إن لم يكن للنقص" فيما وصل الطفح السكاني إلى مداه.
ولفت جمال حمدان في عمله الموسوعي الرائد "شخصية مصر" إلى خاصية مدهشة ضمن شخصية مصر الإستراتيجية وهي انها كانت دائما "قطب قوة وقلب إقليم حتى وهي مستعمرة محتلة ومهما كانت أوضاعها الداخلية فقد كانت مصر-للغرابة والدهشة-مركز دائرة ما وليست على هامش دائرة أخرى " وتلك الصفة الجوهرية بلا شك ترتد إلى جذور جغرافية أصيلة وكامنة فيما يرجع الدور القيادي لمصر إلى"موقعها الجغرافي الذي تكامل فيه الموضع مع الموقع".
ولأنه عاشق لمصر بالعاطفة والعقل معا فقد وصف أرض الكنانة "بمستودع القوة البشرية الطبيعي وخزان الطاقة الحيوية الأول في المنطقة ومن ثم آلة الحرب الأساسية وقلعة العروبة الحامية وقوتها الضاربة.انها القلعة والحصن والدرع والترس جميعا ومن هذا الدور الإستراتيجي الفذ بالدقة استمدت ركنا هاما من أركان زعامتها التقليدية في المنطقة وقيادتها الطليعية لها..أنها عاصمة العرب إستراتيجيا وعلى كتفيها وقع عبء الدفاع عن المنطقة كلها عبر التاريخ".
وإذ أكد أن عروبة المصريين "قدر ومصير وحياة" يحذر هذا المفكر الإستراتيجي الفذ من الخلافات العربية بقوله:"في جميع الحالات لابد من حصر الخلاف في دائرة التكتيك الإجرائي وداخل إطار الحوار الأخوي وبعيدا عن الشقاق المدمر..إن نصف قوة العرب في وحدتهم بينما نصف إستراتيجية العدو أن يشق هذه الوحدة".
ولعل جمال حمدان كان أول من سيبارك التوجه الرسمي الحالي لإقامة عاصمة إدارية جديدة لمصر وهو الذي تحدث عن تورم القاهرة وأطلق صيحته المحذرة:"انقذوا مصر من القاهرة والقاهرة من نفسها" معتبرا أن "كل طوبة توضع في القاهرة هي جريمة في حق مصر كلها وأولها القاهرة نفسها وكل كوبري يبنى داخل القاهرة هو كوبري مسروق من مدينة أو قناة أو منطقة أخرى في مصر".
والمشروع القومي عند جمال حمدان "ليس إلا بناء مصر القوية الكريمة:أي العمل والإنتاج المادي والسلعي مع إعادة توزيع العائد بعدالة" مضيفا:"حين نقول مصر القوية فنحن نقصد مصر القوية العزيزة الكريمة في الخارج والداخل والقوة وحدها على خطورتها لاتكفي بل لابد من ثنائية القوة والجمال".
القوة بمعنى التحرر الوطني والسيادة الوطنية والعزة القومية ونفي التبعية اما الجمال كما يوضح الدكتور جمال حمدان فهو عزة الإنسان المصري في دولته القوية حيث العدالة والمساواة وإعادة توزيع الملكية والدخل.
وليس دقيقا بالضبط-في رأي جمال حمدان-القول بأن "مصر رأسها في أوروبا وجسمها في أفريقيا" وانما الصحيح كما يقول أن "مصر رأسها في أوروبا وأقدامها في أفريقيا وجسمها في العالم العربي".
إنها رؤية المثقف الوطني والعالم الجغرافي الذي يكاد يتغزل في الجغرافيا عندما يقول:"قد لا تكون الجغرافيا قمة العلوم ولكنها بالتأكيد قمة الثقافة" مضيفا "الجغرافيا هي أعلي مراحل الثقافة وهي علم الثقافة الأساسي بدونها أنت غير مثقف مهما فعلت وبها انت مثقف مهما قصرت" !.
غير أنه يستدرك وكأنه يحذر من الغلو في هذا التصور فيقول:"لا ينبغي للجغرافي أن يشعر بمركب نقص إزاء العلوم الأخرى التي يأخذ منها ولكنه أيضا لا ينبغي أن يكون لنفسه مركب عظمة إزاءها فالتوازن النفسي مطلوب كالتوازن العلمي".
وإذا كانت الجغرافيا السياسية في قول جمال حمدان "تكثيف إستراتيجي للسياسة" فالجغرافيا الاجتماعية في نظره "تكثيف إستراتيجي لعلم الاجتماع" والجغرافيا ككل كما يقول "علم إستراتيجي" وربما يمكن فهم بعض ملابسات حياته الخاصة مع تأمل العبارة التالية له:"الجغرافيا لاتقبل شريكا قط لافي العلم ولا في الحياة:انت محكوم عليك بالجغرافيا إلى الأبد وإلا خرجت من حوزة الجغرافيا بمعنى لن تكون شيئا مذكورا في الجغرافيا أن لم تتفرغ لها تماما العمر كله".
ويرى الدكتور جمال حمدان أن الجغرافيا أقوى من التاريخ "لأن الجغرافيا تحكم وتصنع التاريخ ولكن التاريخ لا يحكم الجغرافيا ولا يصنعها" معتبرا أن الجغرافيا "علم مفصلي ليس فقط بموقعها وسط العلوم الطبيعية والاجتماعية ولكن أيضا بربطها بين الظاهرات المختلفة أفقيا ورأسيا" ويتابع:"الجغرافيون بالضرورة تلاميذ كل المتخصصين الآخرين ابتداء من الجيولوجيا حتى التاريخ ولكن ماذا بعد هذه التلمذة ؟..أليست إلا الأستاذة؟!..فبعد أن يأخذ الجغرافي عنهم يصبح في النهاية قائدا وأستاذا لهم" !.
وينعي عاشق الجغرافيا حال الجغرافيا في جامعاتنا بقوله إنها:"جغرافيا تقليدية صرف، جامدة، محنطة، شكلية، متخلفة" معتبرا أن مأساة الجغرافيا في الحياة تتمثل في أن العمليين يرونها عبئا لا داعي له والنظريين يرونها عالة عليهم بلا داع "يالضيعة الجغرافيا بين الرجل العملي والأكاديمي النظري".
ثم يعود في هذا الكتاب الذي جمع بعض أوراقه الخاصة ليتغزل في الجغرافيا والجغرافي الحق من وجهة نظره ويقول:"أن المثقف الجغرافي هو سيد المثقفين" ثم يضيف وكأنه يستشرف لحظتنا العربية الراهنة بكل ما تنطوي عليه من مخاطر للتفتيت وتهديدات لكيانات دول عربية فيقول:"الوحدة الجغرافية تقول للعرب:اعتصموا بحبل الجغرافيا جميعا ولا تفرقوا" !!.
يجب على الجغرافي-كما يوصي الدكتور جمال حمدان-أن يضع نفسه داخل وخارج الإقليم في آن واحد لكي يستنبطه ويسبر أعماقه ودخائله ويراه رؤية كلية شاملة وكذلك بنظرة موضوعية بحتة مجردة" ولأنه مفكر مبدع فالعلم في نظره "إبداع" والمخيلة العلمية هي أساس كل ابتكار وتجديد وخلق في العلم.
وعند المفكر جمال حمدان:"المفكرون الحقيقيون قلة وكل مفكر مثقف ولكن ليس كل مثقف مفكرا" والفكر كما يقول مركب من ثلاثة عناصر هي:العلم والفلسفة والفن كما أن الأفكار في الجغرافيا هي الإطار الوحيد والضروري لصب وترتيب المعلومات وهذا هو الحل الوحيد والحقيقي لمشكلة الجغرافيا الرهيبة وهي طوفان الحقائق والمعلومات اللانهائي وبغير الأفكار تصبح الجغرافيا علما رهيب الحجم فاقد الهدف "فالأفكار قاطرة الجغرافيا والمعلومات قطارها أو مقطورتها".
التفاصيل إذن مجرد وسيلة لا غاية في الجغرافيا وجسر لا هدف عند هذا المفكر المصري الكبير الذي ذهب إلى أن التاريخ "ليس التاريخ المكتوب بيد الإنسان ولكنه التاريخ المكتوب بيد القدر وممكن أيضا القول:الإنسان يكتب التاريخ ولكن القدر هو الذي يصنعه.القدر يملي والإنسان يدون".
ولعلنا اليوم أحوج ما نكون لتأمل وتطبيق أفكار لجمال حمدان مثل:"الدين للحياة، ولا دين بلا دنيا كما لا دنيا بلا دين،الجسم للدنيا والروح للآخرة والدين الوسطي يضع قدما في الدنيا وقدما في الآخرة" فيما رأى أن عدم التكيف مع حضارة العصر هي مشكلة المسلمين لا الإسلام مضيفا:"المهم أن يرتفع العالم الإسلامي إلى مستوى التحدي القادم من الغرب ويفرض احترامه ليبدأ سلام الشجعان وصلح الفرسان".
وتكاد كلماته تنطق بالحسرة وهو يتحدث عن العالم الإسلامي الذي تحول إلى "دار حرب" وساحة لحروب عديدة لا تنقطع أما داخله بين دوله أو حروب أهلية داخل الدولة الواحدة معيدا للأذهان أن من أسوأ المسيئين إلى الإسلام بعض من أشد من يزعمون أنهم يدافعون عنه !.
وفيما يقول الدكتور جمال حمدان إن مقولة "الدولة الإسلامية العالمية الواحدة هي محض هوس ديني محموم جاهل ومعتوه" فهو يوضح:"أن الإستراتيجية العظمى لأعداء الإسلام هي استدراجه وتوريطه في صدام وصراع دموي مسلح إن أمكن مع المسيحية" فيما لاحظ أن الغرب الذي كان يتحدث عن الخطر الأحمر أي الشيوعية قد ابتكر بعد سقوط الاتحاد السوفييتي "الخطر الأخضر إشارة إلى خطر الإسلام".
وخلافا لما قاله المفكر الأمريكي الجنسية والياباني الأصل يوشيهيرو فرانسيس فوكوياما عن "نهاية التاريخ" بعد انتصار الغرب الرأسمالي بقيادة الولايات المتحدة على المعسكر الشيوعي بقيادة الاتحاد السوفييتي الذي بات في ذمة التاريخ فالرأي عند المفكر المصري العربي جمال حمدان أن ما حدث وأسفر ضمن تداعياته عن انفراد أمريكا بقيادة العالم ليس نهاية التاريخ وإنما "نكسة التاريخ".
فالصراع أبدي ومتعدد الأبعاد والجوانب وقد ينتكس التاريخ في رأي جمال حمدان ويتقهقر ثم يعود ليتقدم للأمام وكأن هذا المفكر المصري الكبير كان يستشرف لحظة نرى الآن بعض إرهاصاتها عندما قال في أوراقه الخاصة قبيل رحيله:"ستعلن أمريكا يوما عجزها عن الاستمرار في قيادة العالم الأحادية وإدارة شئون هذا الكوكب وحدها وتعلن الانسحاب من الزعامة والقيادة والصدارة وهنا ستظهر القوى الجديدة المتحدية الآن في صمت".
وفي الوقت ذاته رأى جمال حمدان إن "قبول العرب نهائيا بضياع فلسطين نهائيا سيكون اعترافا بل إعلانا من العرب عن إنهاء وحل العروبة والقومية العربية نهائيا والى الأبد بمعنى أن أمة قررت حل نفسها واعتبار ذاتها ليست أمة تماما كما أعلن الاتحاد السوفييتي حل نفسه وإنهاء وجوده كدولة" وهو ما يصفه "بالانتحار السياسي والقومي".
ويقول جمال حمدان: "كان العالم العربي في الشرق الأوسط بمثابة مرتفع قوة أشبه بالجبل المحدب العالي ولكن تحول الآن إلى منخفض قوة تحيط به مرتفعات القوة من كل الجهات فتحول من جبل إلى أخدود" وأقطاب منطقة الشرق الأوسط في نظره: مصر وإيران وتركيا بينهم منافسات وصراعات إقليمية حتمية أرادت أم لم ترد والمسألة مسألة توازنات جيوبوليتيكية لا إرادية وكل ارتفاع هنا يعني انخفاضا هناك اما إسرائيل فدخيل هزيل.
كان جمال حمدان صاحب "الاستعمار والتحرير في العالم العربى" و"إستراتيجية الاستعمار والتحرير" قد حذر من إمكانية تفكك الاتحاد السوفييتى ومنظومة دول حلف وارسو قبل سنوات طوال من هذا الحدث بكل نتائجه وتداعياته العالمية.
ومن أعماله الفكرية وكتبه العديدة:"دراسات في العالم العربى" وبترول العرب" و"المدينة العربية" و"اليهود انثربولوجيا" و"6 أكتوبر في الإستراتيجية العالمية" و"قناة السويس" فيما واصل المفكر الإستراتيجي جمال حمدان رحلته الثرية في البحث والاستشراف المستقبلى ليؤكد بعد انهيار الاتحاد السوفيتى وسقوط منظومة حلف وارسو أن الغرب الذي يسعى دوما "لخلق العدو" سيصطنع لعبة صراع الحضارات وسيكون العالم الإسلامي هو العدو الجديد.
رحلته في الحياة الدنيا حالة فذة "لتفجير الإمكانية" وإبحار جسور في عالم الأفكار واحتشاد ثقافي يجسد مقاومة المثقف الوطني ومعنى النضال وتحمل ثمن القرار وشرف الكلمة.. أنه جمال حمدان صاحب الوجه النجيب العنيد المؤنس في الحق والذي ضرب المثل وقدم أمثولة خالدة في التواضع عندما قال قبيل رحيله وبعد كل أعماله الفذة وفي مقدمتها "شخصية مصر" إن "دراستنا حتى الآن لجغرافية مصر لا تزيد على مجرد خدش سطحي"!.
في الذكرى الثالثة والعشرين لرحيله الغامض الملغز:سلام على الجغرافي المصري الأعظم وعاشق الجغرافيا الوفي الذي اعتبرها "شعر العلم" وقال:"يموت الجغرافي الجيد وفي نفسه شييء منها"..سلام على من قال:"الخريطة لا تمنح أسرارها إلا لمن يعشقها"..وهو ذاته صاحب عبارة:"الجغرافيا الفكرية هي وحدها الجغرافيا الخلاقة"..جمال حمدان: لئن حق القول فيك أنه "في الليلة الظلماء يفتقد البدر" فمن الحق أيضا القول انك سوف تلهمنا وتلهمنا بقوة أفكارك الخلاقة فنستعصى على الهزيمة ونتابع خطاك ونلتقط جوهر رحلتك النبيلة في حب مصر الخالدة.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.