يصل مجموع ما غنّت أم كلثوم من ألحان العبقري رياض السنباطي نحو 96 أغنية، 21 قصيدة، 24 مونولوجًا، 13 طقطوقة، 33 أغنية وطنية، 15 أغنية سينمائية. تجربة سيدة الغناء العربي أم كلثوم الغنائية لها قوامها وشكلها، كُتاب بعينهم وملحنون اعتمدت عليهم الست، فمن المؤلفين نجد أسماء كُثر على رأسهم أحمد رامي، بيرم التونسي، كامل الخلعي، مأمون الشناوي، وعبد الوهاب محمد، أما الملحنون فيتصدرهم محمد القصبجي والشيخ زكريا أحمد، ومن خلفهم يأتي رياض السنباطي، ورغم إسهامات سابقيه وغيرهم، يبقى هو أهم من صاغ قوام التجربة الكلثومية في شكلها الأكثر تبلورًا ونضجًا، لا من حيث الكم فقط، حيث يحوز نصيب الأسد في عدد الألحان التي غنّتها، لكن أيضًا من حيث الكيف والإبداع الذي لا يزال قائمًا. هو محمد رياض محمد السنباطي، المولود في 30 نوفمبر 1906، في مركز فارسكور بمحافظة دمياط، كان والده الشيخ محمد مقرئًا تعود الغناء في الموالد والأفراح والأعياد الدينية في القرى والبلدات الريفية، لم يتفوق في الدراسة صغيرًا وشغف بالموسيقى تأثرًا بالوالد، الذي يلقنه الموشحات والغناء الأصيل مبكرًا. لم تطل إقامة هو محمد رياض محمد السنباطي، المولود في 30 نوفمبر 1906، في مركز فارسكور بمحافظة دمياط، كان والده الشيخ محمد مقرئًا تعود الغناء في الموالد والأفراح والأعياد الدينية في القرى والبلدات الريفية، لم يتفوق في الدراسة صغيرًا وشغف بالموسيقى تأثرًا بالوالد، الذي يلقنه الموشحات والغناء الأصيل مبكرًا. لم تطل إقامة الشيخ محمد، في فارسكور، فنزح إلى مدينة المنصورة، وألحق ابنه بالكُتاب، ولكنه لم يكن مقبلًا على الدرس والتعليم بقدر إقباله وشغفه بفنون الموسيقي العربية والغناء، ومن أجل ذلك عمل سرًا ك"صبي منجد" دون علم والده، إلا أن والده اكتشف الأمر، ووبخه ثم أعاده للمدرسة، وتشاء الأقدار أن يصاب الفتى بمرض في عينيه يحول بينه وبين استمراره في الدراسة. تزامن ذلك مع استماع والده له وهو يغني "ناح الحمام" على العود وهو لا يزال في التاسعة، عهد به الوالد إلى أحد مدرسي الموسيقى بالمنصورة ويدعى محمد شعبان ليعلمه أصول العزف، أظهر رياض استجابة وبراعة ملحوظة، استطاع أن يؤدي بنفسه وصلات غنائية كاملة، بدأ والده يصطحبه معه لمحافله، ذاع صيته وعُرف باسم "بلبل المنصورة"، حتى استمع سيد درويش له وأُعجب به، وأراد اصطحابه إلى الإسكندرية، ولكن والده رفض بسبب اعتماده عليه في فرقته. في عام 1928 انتقل السنباطي مع والده إلى القاهرة، كان يرى أن الأب أن نجله يستحق قدرًا كبيرًا من النجومية، مثله مثل أم كلثوم التي كان والدها صديقًا له قبل نزوحه إلى العاصمة، تقدم بطلب لمعهد الموسيقى العربية لإلحاق نجله، فاختبرته لجنة من الجهابذة آنذاك، المفارقة أن قدراته كانت أكبر من أن يكون طالبًا، فأصدرت اللجنة قرارًا بتعيينه أستاذًا لآلة العود والأداء. في المعهد، التقى بأمير الشعراء أحمد شوقي والموسيقار محمد عبد الوهاب، لم تستمر مدة عمله به سوى 3 سنوات، قدّم استقالته بعدها، وقرر دخول عالم التلحين، وكان ذلك في مطلع الثلاثينيات عن طريق شركة أوديون للأسطوانات التي قدّمته كملحن لكبار مطربي ومطربات الشركة، ومنهم صالح عبد الحي، نجاة علي، ورجاء عبده، وغيرهم. أول لحن السنباطي وضعه ليُغنيه هو قصيدة للشاعر علي محمود طه، مطلعها "يا مشرف البسمات أضئ سماء حياتي"، وحقق نجاحًا ملحوظًا بعد أن لحن لمنيرة المهدية أوبريت "عروس الشرق" عام 1934، ولعبد الغني السيد "يا ناري من جفاك". بحلول منتصف الثلاثينيات، بدأت رحلة السنباطي وسيدة الغناء العربي أم كلثوم، تلك الرحلة التي عدّها الموسيقيون أعظم شراكة فنية عربية حدثت على الإطلاق، شراكة قدما خلالها أعمالًا خُلِدت في تاريخ الغناء العربي، تلك الشراكة دامت نحو 40 عامًا لم يتخللها فراق سوى عامين بسبب اختلاف حول الكلمات التي تُنشدها الست. اللقاء الأول بين الست والعبقري، كان مبكرًا بحكم تعارف الأبوين، فبينما كان رياض عائدًا مع أبيه من إحدى ليالي الأفراح وهو صغير، التقى أم كلثوم التي كانت عائدة هي الأخرى من فرح أحيّته برفقة والدها، تعارفا في محطة قطار قرية "قرين" دون أن يدركا أنهما سيتقابلان من جديد ليشيدا معًا صرحًا من صروح الموسيقى العربية. ومع افتتاح الإذاعة المصرية عام 1934، التقى رياض السنباطي بأم كلثوم ثانيةً، فبعدما سمعت غناءه في الإذاعة، هاتفته وأبدت له إعجابها، ودعته لزيارتها، ومن هنا انطلق قطار الثنائي، لحن لها في البدايات "لما انتي ناوية تهاجريني، أمال دموعك كانت ليه، النوم يداعب عيون حبيبي، افرح يا قلبي، يا شباب النيل، قضيت حياتي"، حتى أصبح سريعًا ضمن طليعة الموسيقيين الكبار. من بين رحلة الأربعين عامًا، نحو 12 عامًا كاملة، انفردت فيهم ألحان السنباطي بصوت أم كلثوم، منذ أن توقفت عن الغناء لمحمد القصبجي عام 1948، واختصمت مع زكريا أحمد، حتى اختلط الأسلوب الكلثومي في الغناء بالأسلوب السنباطي في التلحين وصارا شيئًا واحدًا، ومن أهم أعمالهما في تلك الفترة: "رباعيات الخيام، النيل، يا ظالمني، ذكريات، أروح لمين، لسه فاكر" وغيرها. في الستينيات، لحّن السنباطي للست "الحب كده، حيرت قلبي معاك، حسيبك للزمن، ليلي ونهاري، أراك عصي الدمع، أقبل الليل، من أجل عينيك عشقت الهوى"، ويعد نقاد أغنيتهما "الأطلال" (1966) هي أفضل أغنية عربية في القرن العشرين على الإطلاق، وكانت آخر ما غنّت له أم كلثوم "القلب يعشق كل جميل" عام 1972. لم يكن ما يجمعهما الموسيقى فقط، حيث جمعت بينهما صداقة من نوع فريد، وقال في مقابلة له مع الكاتبة رتيبة الحفني سجلتها في كتابها "أم كلثوم: معجزة الغناء العربي": "عندما تعارفنا لمستُ في صوتها القدرة الفائقة النادرة، أحسست بطاقة فنية تملكها، قلَّما يمنحها الله لإنسان، الزمن لا يجود بكثير من العباقرة، وأم كلثوم واحدة من عباقرة هذا الجيل". وتحدث السنباطي عن أم كلثوم مع التليفزيون الكويتي بعد وفاتها عام 1975، وقال إنها كانت تأنس له كصديق بشكل خاص دونًا عن باقي الملحنين قاطبةً، يضيف: "أم كلثوم هي قصة حياتي.. ليتها عاشت، كنت على استعداد أن أقدم لها كل ألحاني دون مقابل"، لبث بعدها بضع سنين ورحل في 9 سبتمبر عام 1981 ليسدل الستار على مشوار أحد أعظم وأشهر موسيقي العالم العربي. وقدّم السنباطي للست العديد من الأغنيات الدينية والوطنية، ومن الدينية: "سلوا قلبي، نهج البردة، ولد الهدى، رابعة العدوية، على عيني بكت عيني، عرفت الهوى، يا صحبة الراح، تائب تجري دموعي ندمًا، حديث الروح"، ومن الوطنية: "النيل، مصر تتحدث عن نفسها، وقف الخلق ينظرون، مصر التي في خاطري، نشيد بغداد، منصورة يا ثورة أحرار، قصة السد، راجعين بقوة السلاح". ويصل مجموع ما غنّت أم كلثوم من ألحان السنباطي نحو 96 أغنية، 21 قصيدة، 24 مونولوجًا، 13 طقطوقة، 33 أغنية وطنية، 15 أغنية سينمائية، وبعيدًا عن الست قدّم السنباطي العديد من الألحان لكبار مطربي عصره بواقع 97 أغنية، فلحن لليلى مراد "مين يشتري الورد مني، الحبيب، يا ربي تمّ الهنا، احنا الاتنين، اللي في قلبه حاجة يسألني، ليلة جميلة يا محلاها، يا أوتومبيل"، ولحن لأسمهان وفايزة أحمد وعبد الحليم حافظ وفيروز وصباح وسعاد محمد ومحمد عبد المطلب ونجاح سلام ونجاة الصغيرة وميادة الحناوي، وغيرهم، إضافة ل12 أغنية أخرى غناها بصوته. خلف رياض السنباطي تراثا موسيقيا كبيرا وغنيا، وبلغ عدد شعراء الأغنية الذين لحن لهم 120 شاعرا، ويعد هو الموسيقي العربي الوحيد الذى نال جائزة أحسن موسيقي في العالم عام 1977، باعتباره الموسيقي المصري الوحيد الذي لم يتأثر بأية موسيقى أجنبية، كما استطاع التأثير على منطقة لها تاريخها الحضاري، وهو أحد خمسة موسيقيين فقط نالوا هذه الجائزة على فترات متفاوتة، ومنحه جمال عبد الناصر وسام الفنون، كما منحه أنور السادات وسام الاستحقاق.