جرت العادة في المجتمعات على أن الرجل هو من يتقدم للزواج من الفتاة، وإذا فعلت الفتاة هذا يدخل في نطاق الدهشة والاستنكار، ولكن السيدة خديجة بنت خويلد، لم تخجل من كسر هذه القاعدة، حيث أرسلت للنبي محمد صلى الله عليه وسلم لتطلب منه الزواج، وكان تكبره في السن بنحو 15 عاما، وما كان من النبي إلا أن لبى طلبها وقبل الزواج منها دون أن يضع في الاعتبار أنها هي من طلبت أو أنها أكبر منه سنا. من هي خديجة بنت خويلد؟ السيدة خديجة، بنت خويلد بن أسد، أحد أشراف قريش، تلتقي مع النبي محمد في النسب، وهي من مواليد مكة، وأول زوجة للرسول، وأم المؤمنين الأولى، وكانت خديجة من أغنياء مكة لعملها بالتجارة الرابحة، وأول من توقع نبوة الرسول، حيث قالت لإحدى صديقاتها تدعى نفيسة: "يا نفيسة إني أرى في محمد بن عبد الله ما لا أراه في غيره من الرجال، فهو الصادق الأمين وهو الشريف الحسيب، وهو الشهم الكريم، وهو إلى ذلك له نبأ عجيب، وشأن غريب، وقد سمعت ما قاله غلامي ميسرة عنه، ورأيت ما كان يظله حين قدم علينا من سفره، وما تحدث به الرهبان عنه وإن فؤادي ليكاد يجزم أنه نبي الأمة". حياتها مع النبي بدأت علاقة السيدة خديجة بالنبي محمد، عندما سمعت عن صدقه وأمانته، فاستأجرته للعمل معها في تجارتها، وبعد أن رأت أمانته وخلقه الطيب، لم تخجل من أن تطلبه للزواج، وبالفعل تزوجت منه لتصبح أم أولاده وهم القاسم، وعبد الله، وزينب، ورقية، وأم كلثوم، وفاطمة. لقبها الرسول ب"خير نساء العالمين"، حيث قال: "خير نساء العالمين أربع: مريم بنت عمران، وابنة مزاحم امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد". ضربت خديجة مثلا للزوجة المخلصة، المساندة لزوجها، الطائعة لأوامره، وكان لها العديد من المواقف خلال فترة زواجها من النبي والتي تصل إلى ما يقرب من 25 عاما. ومن مواقف خديجة أنها أول من صدق النبي، فعندما نزل عليه الوحي وهو في غار حراء خاف، فهرول إلى البيت مرتعدا ومرددا "زملوني زملوني"، فما كان من خديجة إلا أن هدأت من روعه، وطمأنته بأن الله لن يخذله لما يتصف به من الأمانة وحسن الخلق، وقالت له: "والله لن يخزيك الله أبداً، إنك لتقري الضيف، وتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتعين على نوائب الحق". وعندما قص عليها ما حدث في الغار صدقته، وكانت أول من دخل الإسلام من النساء والرجال، وقفت خديجة إلى جوار زوجها تسانده فكلما تعرض للأذى من قريش، طمأنته وخففت عنه، وكانت تدفع من مالها لنصرته، لتضرب أروع الأمثال للزوجة الوفية، التي تبث الطمأنينة والسكينة في قلب زوجها. ومن مواقفها التي لا تنسى عندما قررت قريش حصار النبي من خلال مقاطعة كل من يسانده من بني هاشم، وعلقوا صحيفة داخل الكعبة مكتوب عليها "ألا يقبلوا من بني هاشم صلحًا أبدًا، ولا تأخذهم بهم رأفة حتى يسلموا النبي للقتل"، وهنا ضربت خديجة مثلا في الوفاء عندما قررت ألا تترك النبي محمدا فقررت أن تترك عشيرتها بني أسد لتقف إلى جوار زوجها في محنته وتتحمل معه ما يتحمله من شقاء وعناء. وفاتها عاشت خديجة بنت خويلد 25 عاما مع النبي محمد صلى الله عليه وسلم، حتى صعدت روحها إلى خالقها، وعمرها 65 عاما، توفيت بعد أن قدمت الحب والأمان إلى زوجها، الذي لم ينسها بعد مماتها وظل يذكرها، وتقول عائشة رضي الله عنها: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يكاد يخرج من البيت حتى يذكر خديجة فيحسن الثناء عليها، فذكر خديجة يوما من الأيام فأدركتني الغيرة، فقلت هل كانت إلا عجوزاً فأبدلك الله خيراً منها، فغضب حتى اهتز مقدم شعره من الغضب ثم قال: "لا والله ما أبدلني الله خيراً منها، آمنت بي حين كفر الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني منها الله الولد دون غيرها من النساء، فقالت السيدة عائشة: يا رسول الله، اعف عنى، ولا تسمعني أذكر خديجة بعد هذا اليوم بشيء تكرهه".