تمتلك الكرة العربية ذكريات طيبة مع مونديال الأرجنتين وذلك من خلال المنتخب التونسي الذي تمكن في تلك البطولة من الفوز على المكسيك والتعادل مع ألمانياالغربية بطل العالم حينها بدون أهداف. ومع العروض الكروية الطيبة التي قدمت خلال تلك البطولة من خلال الأرجنتينوهولندا بالذات، جذب قائمي المرمى الأنظار بشكل كبير وذلك بسبب دهانه باللون الأسود من الأسفل. ولم يجد الكثيرون تفسيرًا لهذا الأمر، الأمر الذي دفع الصحفي ديفيد فوريست من صحيفة "الجارديان" البريطانية للسفر إلى بوينس أيريس بصحبة زوجته لمحاولة إيجاد تفسيرًا لهذا الأمر بعد مرور 40 عامًا تقريبًا على ذلك المونديال، وقال ما سيأتي ذكره كتب من قبل فوريست في الصحيفة البريطانية: كان من الصعب للغاية على شخص مثلي في عمر 10 أعوام أن يدرك أنه في شهر يونيو من عام 1978 حكمت الأرجنتين من قبل مجلس عسكري دموي قرر إخفاء الألاف من المواطنيين في مراكز تعذيب سرية. وتوجهت إلى الأرجنتين رفقة زوجتي التي حددت رسالة الدكتوراه الخاصة بها عن ذكريات الشعب الأرجنتيني مع أعمال العنف التي صاحبت حكم المجلس العسكري حينها وذلك من خلال زيارة المراكز التي اختطف فيها المواطنين وكانت المفاجأة أن تلك المراكز وجدت في أمكان مكتظة بالسكان وسط المدن. جلست في إحدى المقاهي لأتصفح كتاب يحمل صور قديمة عن مونديال 1978 حتى سألني النادل ماذا تقرأ؟ حينها أظهرت له صورة للحارس الفرنسي جين بول بيرتراند يجلس مصابًا أمام المرمى في مباراة فرنساوالأرجنتين في دور المجموعات، ليسألني النادال ما إذا كنت فرنسيًا؟ أخبرته حينها بأن الهدف ليس مشاهدة حارس المرمى ولكن قائم المرمى المدهون من الأسفل باللون الأسود، حينها تلألأت عينيه وأخبرني بأنني إذا أتيت إلى هنا من أجل مونديال 1978 فينبغي علي الذهاب إلى ملعب المونيمونتال معقل المباراة النهائية لذلك المونديال. وبالفعل توجهت إلى الملعب وشاهدت السوبر كلاسيكو بين بوكا جونيورز وريفر بليت وكانت المباراة مملة بعض الشيء مما أتاح لي الفرصة لمشاهدة كيف تغير الملعب منذ ذلك الحين وخاصة المرمى الذي بات على شكل مربع ولا تتواجد الدهانات السوداء على القائم من الأسفل. وفي اليوم التالي ذهبت مع صديق أرجنتيني في زيارة للملعب، وتمشيت على أرضية الملعب مستعيدًا ذكريات النهائي وهدف ماريو كيمبس في شباك هولندا، وحينها أشار إلينا أحد العمال بضرورة مغادرة أرض الملعب وسألته حينها ماذا حدث للشباك القديمة للملعب كانت رائعة للغاية. ومن ثم سألته ماذا عن القوائم المدهونة باللون الأسود من الأسفل؟ حينها نظر إلى الرجل وأجاب بسرعة فرشاة وبعض الدهان كان الأمر سهلًا، حينها أخبرته لماذا تم دهانها وليس كيف تم دهانها؟ حينها حصل الرجل على تنهيدة عميقة وأدرك بأنني سافرت كل تلك المسافة من أجل هذا السؤال الذي لن أرحل بدون الحصول على إجابته، ومن ثم اصطحبنا إلى غرفة غير منظمة وبدء في تدخين السجائر مشيرًا إلى الحائط الذي يحمل العديد من الصور القديمة التي تحمل صور للتذكرة بالأشخاص الذين اختفوا بسبب المجلس العسكري في ذلك التوقيت. وبالتعمق في الصور أكثر وأكثر لاحظت وجه مألوف بالنسبة لي وحينها سألت من هؤلاء الأشخاص، وأجابني بأنهم عمال الملاعب الذين عملوا تبع اللجنة المنظمة لمونديال 1978، وإذا كنت أريد معرفة السر وراء القوائم السوداء فينبغي علي التحدث إليهم، وبعض دقائق معدودة أدركت أن الشخص الذي بدا لي مألوفًا هو النادل الذي قابلته منذ أيام والذي يدعى إيزيكيل فلانتيني. وعدت إلى فلانتيني من جديد وحين رأني ابتسم وأدرك سبب عودتي من جديد وجلسنا في وقت الراحة وقال لي أنه يبنغي على أن أفهم أن عمال الملاعب حينها عانوا من مشكلة كبيرة وهو الخوف من استغلال المجلس العسكري للبطولة لأغراض سياسية كما كان الجميع يسيطر عليه الرعب بسبب اختفاء الألاف من زملائهم. وكان الجميع يعانون من مشكلة واحدة وهي ماذا يفعلون لمنع استغلال المجلس العسكري للبطولة لصالحهم؟ وحينها تذكرت مقولة مدرب الأرجنتين سيزار لويس مينوتي الذي حاول تحفيز لاعبيه قبل المباراة النهائية بإخبارهم بأنهم لن يلعبوا للفوز من أجل المجلس العسكري بل من أجل عمال المعادن والجزارين والخبازين وسائقي سياراة الأجرة الذين يتواجدون في الملعب. ومثلت قوائم المرمى في ذلك الوقت مشكلة، حيث طلب الاتحاد الدولي لكرة القدم بضرورة عدم الاعتماد على الدعامات خلف المرمى لوضع الشبكة، وأدركنا حينها أن العالم كله سيشاهد المرمى في البطولة وكان من الضرورى أن نجد وسيلة تعبر عن الأرجنتين لحل تلك المشكلة. وكانت الدعامات في ذلك التوقيت جزءًا من ثقافة الكرة والأندية الأرجنتينية واستبدالها ليس بالأمر السهل، ومن ثم ابتسم إيزيكيل ومال تجاهي مواصلًا كلامه بأن الأرجنتين تعتبر نفسها دولة أوروبية أكثر من تابعيتها لأمريكا الجنوبية، لذا بحث الجميع عن طريقة أوروبية بديلة. وحرص عمال الملاعب على الاعتماد على فكرة المرافق الثلاثية التي اعتمدت في يورو 1976 في يوغسلافيا، ولكن رفض المجلس العسكري هذا الأمر، حيث رأوا أن الشباك في أمريكا الجنوبية علقت على مرافق تحمل شكل حرف "L" منذ مونديال البرازيل عام 1950 الأمر الذي أظهر حرص المجلس العسكري على الحفاظ على التقاليد. وكانت تلك الفرصة الذهبية للتعبير عن حال البلاد، حيث قرر عمال الملاعب وضع شريط أسود في أسفل القائم للتعبير عن تذكر الشعب الأرجنتيني للمواطنين الذين تم اختطافهم. فجيمع الشعب يرغب في إظهار رفضه لهذا الأمر، ولكن الاحتجاج في الشوارع سيكون بمثابة الانتحار، لذا أتت تلك الفكرة للتعبير عن الرفض وكان لزامًا على العمال طرح الفكرة على المسؤولين الذين سئلوا ماذا تعني تلك الشرائط السوداء، وأخبروهم عمال الملاعب أنها جزء من التقاليد فلم يكن المجلس يفهم أي شيء متعلق بكرة القدم.