وهكذا، أنهى بابا الفاتيكان «فرانسيس» كلمته التى تمنى فيها أن يسود السلام العالم، ليطلق بعدها الطفلين الواقفين بجانبه فى نافذة القصر الرسولى حمامتين لونهما أبيض فى السماء للتعبيرعن ذلك السلام الذى يتحدث عنه البابا، ثم إذا بالأقدار تتدخل لصياغة المشهد وجعله أكثر واقعية واتساقاً مع الأحداث، حيث يظهر فجأة فى السماء غراب أسود ونورس أبيض، يقفش كلٍ منهما فى حمامة من الحمامتين اللتين أطلقهما البابا. تنجح الحمامة التى هاجمها النورس فى الإفلات من منقاره ومخالبه بعد فقدانها بعضًا من ريشها الأبيض، بينما تفشل الحمامة الأخرى فى الإفلات من الغراب الذى أحكم غرس مخالبه فى لحم الحمامة لتستسلم حمامة السلام البيضاء لمصيرها الأسود على يد ذلك الغراب الرِخِم والمجرم والبرىء فى الوقت ذاته، والذى لم يفعل أكثر مما نفعله جميعًا، آداء الدور الموكل إليه آدائه فى السكريبت السماوى المقدس. وُلِد هذا الغراب وقامت السماء بتسهيل مهمة أمه فى إطعامه ونشأ وترعرع وأصبح غرابًا كبيرًا وصايع من أجل تلك اللحظة، الأمر ذاته يسرى على الحمامتين اللتين يتلخص دورهما فى السكريبت فى أن البابا «فرانسيس» بابا الفاتيكان سوف يشرف على عملية إطلاقهما إلى السماء ذات عصرية من نافذة القصر الرسولى، ليهاجمهما بعدها الغراب وطائر النورس، وهو نفسه الحال بالنسبة لطائر النورس الذى هتف أجداده من نوارس التمانينات وراء «محمد ثروت» وغنُّوا سوا كورس وَرَا منه: «حياة البحر أحلى حياة.. ولو تقلب وتبقى نَوّ.. أنا القبطان تَنِّى وراه.. أحايله لما يصفى الجو»، حيث يكمن كل دوره فى تلك الحياه فى هذه الصورة التى إلتقطتها له وسائل الإعلام العالمية وهو يهاجم الحمامة، وربما كان هذا هو ما أزعجه وجعله يتخلى عن الحمامة، حيث خشى إساءة فهمه، فهو أى نعم يهاجم الحمامة، إلا أنه فى الوقت ذاته ليس غراباً ولا يحب أن يتم تصنيفه كغراب. إذن، جميع الممثلين الآن فى أماكنهم، هندسة الإضاءة السماوية فى أفضل حالاتها، الديكور الذى قامت الأقدار باختياره لتصوير المشهد مناسب تماماً لإبراز التناقض، فالغراب الشرير وتابعه طائر النورس المراهق يهاجمان حمامة السلام الطيبة الغلبانة فى ساحة القصر الرسولى، رمز البراءة والخير والمحبة، يعطى المخرج للجميع أوامره الأخيرة، ثم يبدأ بعدها التصوير ويخرج المشهد للعالم ليصبح بمثابة علامة يفسرها كلٌ على هواه. فبينما يراها البعض علامة سيئة و»فال وِحِش»من منطلق أنه: ها هو الغراب -رمز النحس والخراب- يتناول الحمامة -رمز السلام والخير- على مرأى ومسمع من الحشود وبابا الفاتيكان والعالم بأسره، يراها البعض الآخر علامة خير من منطلق أنه: قد يكون الغراب أكل الحمامة، إلا أننا لا ينبغى أن نغفل أن الحمامة الأخرى أفلتت من بين مخالب النورس، وهو ما يؤكد أن الخير قد ينجو أحيانًا من بين براثن الشر، ولكن منذ متى وطيور النورس رمز للشر؟ فبصرف النظر عن كونكم بتعملوا دراسات عليا فى طيور النورس أو صيادين وبتوع بحر فإن علاقتكم بطيور النورس لن تعدو كونها هى التى غنى لها محمد ثروت زمان أغنية «يا طيور النورس»، لقد تعقدت المسألة أكثر وباظت العلامة الأخرى الخاصة بأنها قد تكون فأل خير، فالنورس ليس طائراً شريراً بدليل أنه تخلى عن الحمامة بمجرد فلفصتها من بين مخالبه، وهكذا تصبح العلامة فأل سئ، فالغراب هو رمز الخراب فى ذلك الفيلم وهو الذى انتصر فى النهاية وتناول الحمامة بمنتهى البجاحة أمام الناس والبابا وبوَّظلهم الإحتفالية، بينما الخناقة بين النورس والحمامة الأخرى لم تعدو كونها خناقة بين أولاد عمومة واحدة طيبة وغلبانة ومالهاش فى الخراب شأنها شأن الغربان بنعيقها الذى يُنبئ بأننا بصدد أرض خراب وأطلال مهدمة. إذن العلامة واضحة ورخمة ودلالتها لا تحتمل الشك أو التأويل لمن يؤمنون بالعلامات، فالكوكب لم يعد مكاناً يمكننا فيه أن نتحدث عن السلام والمحبة والتسامح، وفى حال ما إذا أردتم خداع أنفسكم، وطَيَّرتم حمامة أمام الحشود للتعبير عن السلام الذى تدعون الله أن يشملكم، فإن السماء سوف ترسل غراباً رخماً ليضرب كرسى فى كلوب المشهد ويخبرنا أننا لسنا مؤهلين بعد كجنس بشرى للعيش فى سلام، وأننا لم نصل بعد إلى قمة سلم الحضارة، بل أننا ربما كنا يا دوبك لسه بنخطو فوق أول سِلِّمَة منه.