لا تزال الخلافات بين مثلث أستانا (روسياوتركياوإيران) تسيطر على الأجواء العامة لمباحثات أستانا، وعلى مباحثات صياغة وثيقة ختامية لهذا اللقاء. غير أن الرفض الإيراني لمشاركة الولاياتالمتحدة كان المرآة التي عكست خلافات موسكووطهران بشأن الأزمة السورية ومجريات الأوضاع السياسية والعسكرية في الداخل السوري من جهة، والخلافات الإيرانية التركية بشأن عناصر تنظيم "حزب الله" اللبناني التي تقاتل إلى جانب قوات الأسد. صحيفة "فزجلياد" الروسية لم تستبعد أن يكون رفض طهران العلني للمشاركة الأمريكية في أستانا، يعبر كذلك عن الموقف الفعلي لموسكووأنقرة، إذ صرَّح المسؤول العلمي في معهد الاستشراق التطبيقي والأفرقة سعيد غفوروف للصحيفة، بأنه لا ينبغي إعطاء أهمية كبيرة لعدم رغبة طهران رؤية ممثلي الولاياتالمتحدة في أستانا، وبحسب رأيه، فإن الرفض الايراني هو "حيلة تكتيكية" من الدول الثلاث الأساسية المشاركة، لأنه في الحقيقة لا أحد منها يريد أن يرى الأمريكيين في عاصمة كازاخستان، وبالتالي، سيكون من الأسهل تنفيذ المهام الموضوعة أمام روسياوتركياوإيران من دون وجود الولاياتالمتحدة، وهناك في المقام الأول سيتم قبول استسلام تركيا، التي كانت وضعت لنفسها في المنطقة هدف إسقاط بشار الأسد، وفشلت في تنفيذه. ووفقا لرأي غفوروف، فإن أردوغان سيبذل جهدا في أستانا للخروج من وضع الجمود، الذي تقوقع فيه من دون حدوث خلاف مع اللاعبين الرئيسيين، وفي هذه الحالة، فإن وجود الأمريكيين الذين يصعب التنبؤ بمسلكهم ليس مفيدا له، كما أنه ليس مفيدا لإيران ولا حتى لروسيا، وهذا الأمر لا يرتبط بازدراء للولايات المتحدة، بقدر ما يرتبط بالرغبة في تنفيذ المهام على نحو فعال من وجهة نظر ثلاثي أستانا (روسياوتركياوإيران). وذهب المستشرق الروسي إلى أن وزارة الخارجية الروسية حثت على عدم التهويل إزاء موقف طهران الرافض لفكرة دعوة ممثلين عن الولاياتالمتحدة لحضور لقاء أستانا المخصص لمناقشة التسوية السياسية في سوريا، وقالت المتحدثة الرسمية باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا إن "هذا الموضوع نوقش بين الأطراف المشرفة على اللقاء، ولا داعي للتهويل حول وجود خلافات بينهم، وهم على اتصال مستمر لحل القضايا كافة التي ما زالت عالقة"، كما أكد المتحدث الرسمي باسم الرئاسة الروسية دميتري بيسكوف أن روسيا تواصل التشاور مع الشركاء الإيرانيين، بما في ذلك موضوع دعوة ممثلي الولاياتالمتحدة إلى لقاء أستانا. وجهة النظر هذه تجد رواجا في عدد من وسائل الإعلام الروسية وبين عدد من الساسة والمراقبين الروس، غير أن المستشرق الروسي ألكسندر سوتنيتشينكو أي أن آيات الله الإيرانيين لا يرون فرقا بين أوباما وترامب، كما هو الحال أيضا بالنسبة للقادة الأمريكيين الذين لا يرون فرقا جوهريا بين حسن روحاني وأحمدي نجاد، وأشار إلى أن "المواجهة بين البلدين لها جذور أعمق، وعلى الرغم من نجاح المفاوضات حول البرنامج النووي الإيراني، فإن العلاقات التجارية والدبلوماسية بين البلدين بقيت عالقة". وأضاف أن مؤتمر أستانا بالنسبة لطهران يشكل اختراقا كبيرا للدبلوماسية الإيرانية في الساحة الدولية، بيد أن عدم رغبة طهران في رؤية الولاياتالمتحدة هناك مفهومة بما فيه الكفاية. ومن جهة أخرى، يتفهم سوتنيتشينكو أيضا "رغبة موسكو القيام بأول مبادرة ودية تجاه إدارة ترامب ودعوتها لحضور المؤتمر، الذي كما قُرر مسبقا أنه مؤتمر إقليمي، ودون مشاركة الولاياتالمتحدة والاتحاد الأوروبي، ولكن أيضا من دون مشاركة إيران كلاعب أساسي في سوريا لن ينجح، إذن المخرج الوحيد كان دعوة ممثل عن الإدارة الأمريكية الجديدة ليس كمشارك، بل بصفة مراقب". لقد اعترفت موسكو بأن مواقف طهران تعمل على عرقلة انعقاد مباحثات أستانا، باعتراضها على حضور ممثلين عن الطرف الأمريكي، واعتبر الناطق الرسمي باسم الكرملين دميتري بيسكوف أن موقف إيران يسهم في تعقيد مسألة مشاركة الإدارة الأمريكية في مفاوضات أستانا حول سوريا، وقال بيسكوف: "مما لا شك فيه أننا نرحب بالمشاركة الأمريكية، غير أن الوضع غاية في التعقيد في ظل وجود إيران لاعبا هاما في الأزمة السورية وعدم ترحيب الإيرانيينبالولاياتالمتحدة"، وذهب بيسكوف إلى القول بأنه "لا يمكن حل الأزمة السورية بشكل بنّاء بدون مشاركة الولاياتالمتحدة". ولكن المدير العام لمركز دراسات إيران الحديثة رجب سافاروف يرى أن قرار الرفض الإيراني فاجأ المشاركين في العملية التفاوضية حول سوريا، وعلى الأرجح كما يرى الخبير، كان لقرار أوباما الذي صدر الأسبوع الماضي بشأن تمديد فترة العقوبات ضد إيران لعام آخر تأثير بالغ على الموقف الإيراني من الوجود الأمريكي في أستانا، إذ أن طهران نفذت كل الالتزامات التي أخذتها على نفسها، وما دام التوجه الأمريكي مبنيا على العدائية ضد إيران، فكيف – كما يتساءل سفاروف - سيكون بمقدورها الجلوس معهم إلى طاولة للمفاوضات بعد ذلك؟! في الحقيقة، وفي الوقت الذي روَّجت فيه وسائل الإعلام الروسية على لسان مصادر دبلوماسية وعسكرية روسية بأن واشنطن تشارك في أستانا، قال القائم بأعمال المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية مارك تونر أنه نظرا لتنصيب الرئيس دونالد ترامب حديثا، و"المطالب العاجلة لعملية انتقال السلطة في واشنطن"، فإن الولاياتالمتحدة لن تُرسل وفدا للمشاركة في محادثات أستانا حول الأزمة السورية، وأضاف تونر أن واشنطن ستكتفي بحضور سفيرها في كازاخستان كمراقب في تلك المباحثات التي تقودها روسيا. وهذا يعني أن واشنطن لا ترغب في ترك الساحة لروسيا من جهة، ولكنها لا تريد أيضا تحمل أي مسؤولية عن فشل هذا اللقاء من جهة ثانية، ينما تحاول روسيا إعطاء انطباع للعالم كله بأن الولاياتالمتحدة مشاركة في اللقاء، حتى وإن كان ذلك على مستوى سفيرها في كازاخستان، الأمر الذي يمنح اللقاء مزيدا من الشرعية أو بعضها، ويضعه ضمن أوراق التحضير لمؤتمر جنيف حول سوريا في مطلع فبراير المقبل. وقد لاحظت تقارير أن الانقسام داخل مثلث (موسكو – أنقرة – طهران) يعقد إلى حد كبير تنفيذ روسيا أهدافها الرئيسة للسياسة الخارجية: تسوية الصراع السوري مع الأخذ بعين الاعتبار مصالح جميع اللاعبين الأساسيين، وتطبيع العلاقات مع الولاياتالمتحدة في ظل إدارة دونالد ترامب الجديدة. في كل الأحوال، ستبدأ أعمال اللقاء في العاصمة الكازاخية أستانا في الساعة التاسعة من صباح اليوم الاثنين بتوقيت القاهرة (الواحدة بعد الظهر بتوقيت أستانا) وسط خلافات كثيرة، سواء بين المثلث الروسي التركي الإيراني، أو بين وفد دمشق ووفد المعارضة السورية المسلحة، بل وعلى خلفية فشل الوفود المشاركة في صياغة وثيقة بيان ختامي لهذا اللقاء، حيث استمرت المباحثات طوال 6 ساعات كاملة يوم أمس الأحد بدون أي نتائج.