أمس صارحتُ القراء الأعزاء بهاجس يقلقنى ويلحّ على رأسى بقوة هذه الأيام، مفاده أن «جماعة الشر» السرية التى عاشت عمرها كله (85 عاما) تقتات من أسباب وآثار تأخرنا وتتمدد فى خرائب بؤس أوضاعنا وتجاهد للإبقاء عليها، بل ولم تدخر أى جهد أو فعل إجرامى لكى تعمقها وتفاقمها حتى تعيش وتكسب مزيدا من الأرض فى مجتمعنا المنهك.. هذه الجماعة العصابة، تبدو الآن وهى تموت وتُزوَى بفعل زلزال 30 يونيو الهائل والأسطورى، كأنها تأبى أن تندفن وتحل عن سمانا وتغادر دنيانا إلى الأبد قبل أن تضيف إلى سجلها الإجرامى المتضخم المزيد من تخريب وتعويق مسار إعادة بناء دولتنا العتيدة على أسس الديمقراطية والحداثة، إذ تدفع وتغذى بالإرهاب والعربدة واسعة النطاق (مستندة إلى غريزتها الجلفة وفاشيتها المتأصلة وغرابتها وغربتها عن الزمن والبلد معًا) بيئة مسمومة ومضمخة برائحة الدم تجعل استقواء الدولة وتوحشها بدل تهذيبها ومقرطتها وتحديثها، أمرًا شبه حتمى فى ظل قبول جماهيرى ملحوظ ربما تجاوز مجرد الشعور بالارتياح، ويكاد حاليا أن يلامس حدود الطلب الصريح باستعادة «دولة القمع» لا سيما وأن قطاعات وفئات شعبية واسعة تضررت بشدة وتدفع من قوتها وراحتها ومن لحمها الحى ثمن كل هذه العربدة والإجرام والإرهاب الإخوانى الجوال فى دروب وشوارع وساحات الوطن، منذ أن ثار المصريون ثورتهم العظيمة ونزعوا عنوة واقتدارًا شوكة «الجماعة الشريرة» من رأس وبدن دولتهم. هذا هو ملخص الهاجس الذى يقلقنى، وقد استعنت أمس فى التقديم له بسطور قديمة كنت أشرت فيها إلى طبيعة الخطر الكامن فى ثنايا «الظاهرة الإخوانية» وكيف أنها أسهمت بالنصيب الأكبر والأوفر فى تعطيل وتعويق مسيرة تطورنا السياسى والاجتماعى على مدى سنين عمرها الذى طال أكثر مما ينبغى أو يحتمل بلد بحجم وثقل وتاريخ مصر.. واليوم أكمل بادئًا بحقيقة يجهلها أو يتجاهلها للأسف بعض أعضاء النخبة السياسية والثقافية التعبانة المصروفة لنا فى هذه المرحلة، وخلاصتها أن جهاز «الدولة» فى كل بلاد الدنيا كائن يميل بطبعه وتكوينه، إلى استسهال الجور على الحريات العامة والشخصية، وهو مؤهل ومستعد دائما لالتقاط الأسباب والذرائع التى تسوغ له التمدد والقفز من حال «احتكار القوة» فى المجتمع واستعمالها لحماية الناس وصيانة مقدراتهم وحقوقهم وحرياتهم، إلى حال أخرى تتحول فيها قوة الدولة إلى قيد ثقيل يكبل خلق الله ويصادر أو يخنق الأنفاس فى الصدور. ولا شىء يساعد الدولة (أى دولة) على أن تتوحش وتتغول وتنفلت من حدود «القوة المهذبة» وتسكن فى قلعة الطغيان إلا الفوضى والإرهاب وشيوع مناخ الخوف من الجريمة، ففى بيئة من هذا النوع يقل الطلب الشعبى على الديمقراطية والحريات عموما، ويتقدم مطلب التمتع بالحق فى الأمان على كل ما عداه من حقوق، ومن ثم تتآكل قدرة المجتمع على مقاومة مظاهر عسف الدولة وطغيانها. وأطننى لست فى حاجة إلى سَوْق أمثلة كثيرة تؤكد هذا المعنى وتكشف هذه الحقيقة، فقط يكفى أن أشير إلى ما جرى فى عدد كبير من بلدان الغرب الموصوفة نُظمُ الحكم فيها بأنها «ديمقراطيات عريقة» بعد الحادثة الإرهابية التاريخية التى انتهت بنسف برجى التجارة فى مدينة (نيويورك) يوم الحادى عشر من سبتمبر 2001، فقد عانت (الديمقراطية) فى موطنها الأصلى من عاصفة عدوان غير مسبوق على حريات الناس ما زالت آثاره ومفاعيله قائمة ومستمرة حتى الساعة، يحميها غطاء قوى من مشاعر الخوف والارتعاب العمومى. قصارى القول، أن الخفة والاستخفاف اللتين يتعامل بهما قطاع بائس من نخبتنا مع خطر الإجرام والإرهاب الإخوانى الراهن، يسهم إسهاما مباشرا فى إلهاب مشاعر المصريين (البسطاء منهم خصوصا) المقتنعون أصلا بأن المثقفين وقادة الرأى عموما غرباء عنهم ولا يفهمون همومهم ولا يحفلون بمصالحهم، وبناء على ذلك فإن الكتلة الأكبر والأثقل فى المجتمع تمعن فى هجر ومخاصمة كل النخب (أذكياء وأغبياء وصادقين وكاذبين) وتصم آذانها عن الجميع وتندفع بقوة الغريزة أكثر وأكثر نحو الدولة باعتبارها الملاذ الوحيد من طوفان الخراب. و«الدولة» بدورها لا تكذب خبرًا ولا تجعل الفرصة الثمينة تفلت من يديها، وإنما تقبض عليها.. و«تقبض» بالمرة على الحمير الأغبياء المتحذلقين الذين أرادوا التأنق على حساب أهلهم الغلابة، واستهتروا بمعاناتهم من الإجرام والعربدة.. وهرجوا فى وقت الجد وهلفطوا وملؤوا الدنيا ضجيجا بشعارات فارغة، ليس هذا أوانها ولا هنا مكانها. ح تودونا فى داهية.. الله يخرب بيوتكم!!