أغلب الحوادث والأزمات التي تتعرض لها البلاد تشهد ما بات يسمى "تعجُّلاً" من قبل المسؤولين في طرح سيناريوهات، تعمد إلى كشف الأسباب، إلا أنَّها تضرب -كما يرى محلِّلون- كبد الحقيقة في مقتل. أزمة "الفتنة" التي تعرَّضت لها قرية الكرم التابعة لمركز أبو قرقاص بمحافظة المنيا جاءت فصلاً في مسلسل تعجُّل المسؤولين، على نحوٍ لا يصيب كبد الحقيقة، بقدر ما يؤجج الصراع، "صبح مساء". حكاية الأزمة تعود إلى سيدة عجوزة مسنة اتهمت عددًا من شباب القرية ب"تجريدها من ملابسها وإحراق عدد من منازل الأقباط"، وذلك بعدما تردَّد بشأن علاقة بين "رجل مسيحي متزوج ولديه أبناء بسيدة مسلمة وهربه خارج القرية خوفًا من الأهالي بعد علمهم بالأمر". فخ تعجُّل المسؤولين وقع فيه اللواء طارق نصر محافظ المنيا.. فخرج يتحدث عن تفاصيل الواقعة، ويبرئ طرفًا من الأزمة، استباقًا للتحقيقات وسبقًا للتحريات. المحافظ نصر، نفي خلال مداخلة هاتفية مع الإعلامي أحمد موسى مقدِّم برنامج "على مسؤوليتي" على فضائية "صدى البلد"، واقعة تجريد "السيدة" من ملابسها، وقال: "لم يحدث أن تمَّ تجريد سيدة مسيحية من ملابسها.. البيت لما ولع الستات جريوا وطلعوا بقمصان النوم، لا يوجد أحد جرَّد أحدًا من ملابسه، فقط بعض الأخوة رموا كرتين من النار على منزل أحد المسيحيين". المحافظ، فضلاً عن طرحه هكذا سيناريو، أدخل جماعة الإخوان طرفًا في الأزمة، فقال إنَّ الجماعة -التي تسميها الدولة إرهابية- تعمد إلى تحويل الصغائر إلى كبائر لإحداث الفتنة في صف المجتمع. المحافظ خلال مداخلته الهاتفية، أشاد بأهل القرية، فقال: "أهل البلد محترمين وحبايب، وأي خلاف بيتلم بالود والمحبة.. لكن الأمور تكون ملتهبة عندما يتعلق الأمر بالشرف". وأضاف: "الأمن لم يتأخر، فقد حضر الأمن وقبض على عددٍ من المعتدين على منزل الأخ المسيحي، ولا يوجد أي خلاف والأمن متواجد على مدار ال24 ساعة والخلاف إن شاء الله في طريقه للحل، من خلال بيت العائلة الممثل من المسلمين والمسيحيين". رواية المحافظ -التي لم تعلنها النيابة أو تكشفها التحريات إلى الآن- جاءت متناقضةً لما كشفته "السيدة العجوز" بشأن الواقعة. رواية "السيدة" أوردها بيانٌ للأنبا مكاريوس أسقف عام المنيا وأبو قرقاص، فقال البيان: "التقى نيافة الأنبا مكاريوس أمس السيدة المسنة، التي تعرضت لإهانة بالغة في قرية الكرم، وهي سيدة مسنة تقية مكدودة، تطل من عينيها نظرة أسى وأسف، ولكنها واعية ولبقة". وأضاف: "السيدة قالت وهي تغالب دموعها، إنَّ الغوغاء أخرجوها من منزلها ثمَّ جردوها من ملابسها، وجرها في الشارع، والتعدي عليها بالضرب الوحشي، ثمَّ طرحها أرضًا، لتحبو وتختبئ تحت عربة صغيرة حيت ألقت سيدة فاضلة ثيابا فوقها، فارتدتها بسرعة وتحاملت على نفسها لتهرب من الغوغاء وتستقل وسيلة مواصلات إلى المدينة". وأوضح: "السيدة سعاد قالت إنَّها حاولت التكتم على ما حدث شأنها في ذلك شأن اللائي تعرضتن للاغتصاب أو التحرش، غير أنَّها لم تحتمل أن تغالب الشعور بالقهر والذل أكثر من ثلاثة أيام، لتنتفض في شجاعة لتذهب إلى المركز وتدلي بأقوالها في محضر بعد امتناع المسؤولين هناك عن تلبية طلبها لساعات". وذكر البيان: "كانت آثار الضرب المبرح ما تزال ظاهرة على جسدها، وتقول السيدة سعاد إنَّها لم ترَ السيدة التي سترتها، كما أنَّها لا تعرف كيف نجت من الموت، كما نفت أن تكون قد تعرضت للاغتصاب، وأضافت أنَّها لم تخطئ في شيء ولذلك فقد تحلت بالشجاعة وسجلت كل ما تعرضت له". وجاء في البيان: "السيدة أفادت بأنَّها وزوجها ذهبا للمركز المذكور في الرابعة عصرًا لعمل محضر بعد اكتشاف سرقة منزلهما، غير أنَّ المسؤول هناك هدَّدهما وطردهما، وبعد ذلك بأربع ساعات حدثت الكارثة". وذكر البيان: "ختمت السيدة حديثها والدموع تفر من عينيها بأنَّها تحتمل ذلك بشكر، وأنَّها تغفر لمن أساء إليها، وإن كانت تثق في أن الله سينتقم لها في الوقت المناسب، هذا وقد أبلغ كل من اللواء محافظ المنيا ومعه كافة القيادات الأمنية، لنيافة الأنبا مكاريوس بأنهم مصرون على القبض على جميع المتورطين في الواقعة وتقديمهم للعدالة".