في الصباح الباكر، وقبل أن يتحرك أي مسئول مصري، كان الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند، يدخل قصر الإليزيه؛ ليلحق بكبار مساعديه من رجال الدولة والحكومة في اجتماع طارئ، لبحث اختفاء الطائرة المصرية الرحلة 408 فوق البحر المتوسط، بعد إقلاعها من مطار شارل ديجول بباريس، وعلى متنها 15 فرنسيًا ضمن ركاب الطائرة البالغ عددهم 56 راكبًا إضافة لطاقم الطائرة. وعلى الفور أجري هولاند، اتصالًا هاتفيًا بالرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، للتضامن والتأكيد على وقوف فرنسا إلى جانب مصر، وأعلنت الرئاسة الفرنسية عن توجيه ثلاث خلايا أزمة إلى مطار شارل ديجول، أحدها نفسية وأخرى أمنية والثالثة قضائية، لإحكام السيطرة على إدارة الأزمة، وهو ما قابله الرئيس المصري بالدعوة لانعقاد مجلس الأمن القومي، بعد ست ساعات من اختفاء الطائرة المصرية. ولم تكن العلاقات بين مصر وفرنسا، وراء التحركات الفرنسية المكثفة للتعاطي مع تداعيات الأزمة، ولكن الرئيس الفرنسي وحكومته وقعا بين فكي الرحى، وخيارين أجملهما مر، وفقًا لما سيكشف عنه هذا الحادث المأساوي: الأول عمل إرهابي، وهو ما يعني أن مطار شارل ديجول، تم اختراقه وأنه غير آمن للتعامل كمطار ركاب مدنيين. والثاني وجود خلل فني أو عيب بالطائرة الإيرباص التي ينتجها الاتحاد الأوروبي بمشاركة رئيسية من فرنسا التي تختص بوجود مصانع إنتاج أكبر خطوطها بما فيها A380 في تولوز جنوبفرنسا. ووفقًا للقانون الدولي للطيران، فان كل مطار دولي يحمل شارة دولية يلتزم بتأمين حركة الطيران من وإلى المطار، وكذلك حركة نقل البضائع خلاله ويكون مسئولًا بشكل كامل عن تطبيق معايير الأمن والسلامة التي تلزم بها المنظمة الدولية للنقل الجوي والمجلس العالمي للمطارات، وتلتزم بها إدارات المطارات وتمنحها أيضًا حق التفتيش على الطائرات التي تستخدم المطار وإجراء تفتيشات عشوائية على إجراءات تأمين وسلامة الطائرات فنيًا. وفي المقابل تفرض القوانين عقوبات بحق المطار، إذا ثبت وجود تقصير في عمليات التأمين سواء متعمدًا أو للإهمال أو إذا ثبت استخدام المطار في غير الأغراض المخصص لها، وفقًا للترخيض الممنوح له مثل عمليات نقل المساجين لتعذيبهم من دولة لأخرى، أو عمليات تهريب للبشر، أو إذا ثبت أن المطار أصبح متخلفًا فنيًا وتكنولوجيًا عن منظومة النقل الجوي، سواء في تجهيز الممرات أو المنظومات الملاحية والسيطرة على الأجواء الجوية. مطار شارل ديجول، يعتبر ثاني أكبر مطار في أوروبا بعد مطار هيثرو بلندن، وسادس أكبر مطار في العالم، ويستوعب حجم حركة يتجاوز ٦٥ مليون راكب سنويًا، ويتصل بكل أوروبا بشبكة سكك حديدية وشبكة نقل بري قوية، إضافة إلى ربطه بمطارات العالم الرئيسية. وفي ضوء استهداف فرنسا بهجمات إرهابية متتالية، أصبح مطار شارل ديجول، في دائرة اختراق الإرهاب ليتهدد بتضرر أكبر مطارات فرنسا، أو علي الأقل هروب الناقلات الكبيرة لفترة غير محددة، ليس على غرار ما حدث مع مطار شرم الشيخ، بل سيكون أفدح بالنظر إلى حجم حركة الطيران من وإلى المطار، لكن الضررر الأكبر هو ما يعكسه مثل هذا الموقف من ضعف القدرات الأمنية للسلطات الفرنسية وظهورها عاجزة عن تأمين أكبر مطاراتها والذي يعد أحد أهم أركان الحركة السياحية إلى فرنسا، التي يتجاوز عدد السائحين فيها 70 مليون سائح سنويًا. خيار هولاند الثاني، يبدو أقل مرارة من الأول، وهو أن يثبت وجود خلل فني في طائرة الإيرباص A320، تسبب في خروجها عن سيطرة طاقم الطائرة وسقوطها، وهو الخيار الذي سيرفع السكين من على عنق مطارها وقدراتها التأمينية وينفي اختراق منظومتها الأمنية، لكنه سيفجر مشكله جديدة لأشهر طراز من الإيرباص A320، الذي يعد أكبر أسطول يطير حول العالم من طرازات الإيرباص المختلفة، وإذا ما ثبتت هذه الفرضية، ومع إقرار فرنسا بعدم استبعاد أية فرضية، فستواجه إيرباص مشكلة تبدأ بوقف أسطول طائراتها من هذا الطراز حول العالم، وإعلان حالة طواريء بتفتيشات شاملة وعشوائية لطائرات الشركات المختلفة لهذا الطراز. كما ستواجه مشكلة في تسليم الصفقات الجديدة من نفس الطراز أو تعليقها على الأقل لحين التحقق من نوع العيب الفني الذي أدي لسقوط الطائرة المصرية، وهو ما يعني مشكلة اقتصادية ومالية للشركة التي تواجه منافسة شرسة مع غريمتها الأمريكية بوينج في احتلال سوق مبيعات الطائرات. الإيرباص A320 تشتهر بأنها ذات الجسم النحيف والأكثر حوادث، وتعود الحادثة الأولى في تاريخ الإيرباص 320، إلى عام 1988 بعد أشهر فقط من دخولها الخدمة، حيث تسبب حادث للطائرة الفرنسية حينها في مقتل 3 أشخاص من أصل 136 راكبًا. وفي 1990 تحطمت طائرة إيرباص 320 تابعة للخطوط الهندية، وقتل على إثرها 92 شخصًا من أصل 146 راكبًا. كما قتل 92 شخصًا في حادث تحطم طائرة تابعة للخطوط الفرنسية الداخلية عام 1992 في حادث تحطم طائرة إيرباص 320 بالقرب من مدينة ستراسبورج. وفي 2000 قتل جميع ركاب طائرة طيران الخليج البالغ عددهم 143راكبًا، بعد تحطم الطائرة في مياه الخليج بالقرب من الساحل البحريني. وفي مايو 2006 تحطمت طائرة تابعة للخطوط الجوية الأرمينية في البحر الأسود، وقتل 113 راكبًا. وفي ساوباولو بالبرازيل قتل 187 راكبًا كانوا على متن طائرة تابعة للخطوط البرازيلية، بعد أن فشل ربان الطائرة بالتحكم في عملية الهبوط. وفي 2014 قتل جميع الركاب البالغ عددهم 167 راكبًا الذين كانوا على متن الطائرة التابعة لشركة "إير آسيا"، ولا يزال موقع تحطم الطائرة، لغزًا للمحققين حتى اليوم. وفي ديسمبر الماضي تحطمت طائره من نفس الطراز فوق سيناء وقتل كل ركابها وأغلبهم من السياح الروس.