الآلاف يحيون الليلة اليتيمة في «حب آل البيت» وسط تواجد أمني مكثف.. والبائعون يستغلون المولد لفرض أسعارهم.. والمقاهي «كاملة العدد» بين مريد وخادم وعاشق لآل البيت الكرام اجتمع الجميع أمس الأربعاء في محبة سيدنا الحسين بن علي بعد أن شدوا الرحال من مسافات طويلة وبلاد بعيدة في أقصى الصعيد إلى الساحة المقدسة في أحد أحياء مصر القديمة، لإحياء الليلة اليتيمة لمولد الإمام الجليل ابن بنت رسول الله في جو سماوي معطر بالذكر والنفحات الصوفية والأناشيد الدينية المعبقة بعطر المحبة المجردة التي تسمو بالروح فوق السياسة وأرض الآلام والأوجاع المزمنة، فيعيدون شحنها من جديد لتواصل المسير في درب الحياة. في المولد كانت البداية للتحرر من أثقال الروح لاستعادة بقاياها المبعثرة في ليلة أحياها سلطان المداحين ياسين التهامي ونجله بأرقى القصائد الصوفية البليغة وكحلت عيون آلاف الحاضرين بالذكر والشوق والمحبة. وقال المريد: ما أكثرخلق الله وما أشد الزحام.. هؤلاء لم يأتوا بأرجلهم، بل جاءوا بهيامهم ويبحثون بين الزحام عن أنفسهم.. هكذا كانوا جميعًا قبل ثلاثة أيام من الآن، تركوا ذويهم وأعمالهم ومصالحهم وبلادهم وتجردوا من كل شئ بحثًا عن أنفسهم في رحاب الحسين". نفحات وكثافة أمنية في الختام استعدادات أمنية مكثفة في ساحة الحسين تطوف بأرجاء المكان؛ تجنبًا لأي اشتباكات طارئة تحدث خلال الليلة اليتيمة أو أحداث شغب وعنف وتحرش في صفوف الزائرين للساحة المكتظة بآلاف البشر أطفالا ونساءا وشبابا ورجالا وشيوخا تجمعوا في سبيل البهجة والبحث عن بقايا أرواحهم المبعثرة. وداخل المسجد، الكل يتحرك في جد بهمة ونشاط كخلية نحل لا هم لها سوى نيل رضا "الملكة" والتقرب إليها وهو لسان حال الخادمين للحسين ومريديه الذين تفانوا في إظهار محبته عبر النفحات التي كانوا يوزعونها على الزائرين والمحبين وهي عبارة عن "ساندوتشات كبدة وسجق وأطباق مكرونة وأرز مع بعض شطائر اللحم"، قبل أن يمر عليهم أخر بزجاجة تفوح برائحة العطر النفاذة من بعيد ليوزعونها على أيدي الجميع بلا استثناء، بدءا من الإمام، مرورا بالمصلين ووصولا إلى المريدين وأصحاب الطرق الصوفية المنتشرين في جنبات بيت الله يسبحونه ويهللونه ويمجدونه ويهيمون عشقًا بالحسين رضي الله عنه. في حضرة المقام وعلى باب المقام المواجه لقبلة المصلين، طرح الجميع قلوبهم بين يدي الله يناجونه ويتقربون إليه بمحبة الحسين وآل البيت، من الرجال والنساء الذين لا يفصل بينهم سوى باب خشبي صغير، وما أن يفرغ المصلين من آداء فريضتهم حتى يسارع الزائر والمريد على حد سواء بتقبيل عتبات الأبواب المطرزة والمزخرفة بالرسوم الإسلامية البديعة المغلقة على أصحابها، ويبكي أخرون أمام المقام وهم يرفعون أكف ضراعتهم إلى الله لصرف همومهم وإزاحة غمومهم وتفريج كرباتهم واستجابة دعواتهم، في مشهد أقرب ما يكون إلى الطواف بالكعبة في بيت الله الحرام لآداء مناسك الحج المقدسة وكل يتقرب إلى الله بطريقته وحسب مقدرته المادية، بينما يخرج عليهم أحد الخادمين من قلب الزحام وهو يرتدي "جلابيته" البيضاء التي يعلوها "كوفية" خضراء وعمامة كبيرة فوق راسه وعصا بين يديه ليردد على مسامعهم مقولتهم الشهيرة "اسعى وسبح الله"، حتى يتمكن الجميع من زيارة مقام الحسين والنيل من نفحاته في الليلة اليتيمة الأخيرة، فيستجيب أحدهم وينصرف في هدوء، بينما يتمسك الباقون بالانتظار والوقوف أمام المقام لالتقاط الصور التذكارية والسلفيهات مع أصحابهم في حضرة الحسين. بعد أن ينتهي المحبين من الصلاة والزيارة، يقفون على باب المسجد في انتظار النفحة الأكبر التي يشدون إليها الرحال في مثل هذه الليالي عقب وصول شيخ المداحين المنشد الصوفي ياسين التهامي ونجله محمد الذي افتتح الحفل في العاشرة مساءًا بحضور آلاف العاشقين وغالبيتهم من محافظات الصعيد وقبل أن يشدوا المنشد الصوفي وأباه بمقطوعات وقصائد من الشعر الصوفي لعمالقة الشعراء الصوفيين أمثال عمر بن الفارض ومنصور الحلاج ومحيي الدين بن عربي أمسك أحد قيادات الأمن المسئولين عن تأمين الحفل بالميكرفون وأخذ يعدد في توجيه الشكر والثناء للقيادات الأمنية بالمحافظة على ما بذلوه خلال الأيام الماضية من أجل إحياء مولد الإمام الحسين. "آل التهامي".. تحليق في سماء الروح وفي تنقل مرن وسلس جدا بين المقامات أحيا "آل التهامي" الليلة اليتيمة التي أناروها بقصائد تفوح منها رائحة محبة آل البيت الكرام وأشعلوا بها حماس جموع الحاضرين، وهم يشدون بمقاطع روحانية رقيقة من الشعر الصوفي تهفو إليها النفوس وترتاح من سحر وقعها الأرواح حين يغرد التهامي الكبير في سماء من صنعه وتأليفه وأداءه وإخراجه وينشد مستحثًا الجميع لأن ينهلوا مثله من نبع المحبة المجردة: "ومن لم يجد في قلبه روح المحبة فصلي عليه صلاة الميت قبل وفاته". وطاف التهامي في سماء الروح بين قصيدتي "كحلت عيني بالصبر للصبح تنسى وتصبر، يخطر الغالي بالظهر ما عاد تقدر تصبر".. و"قلبي يحدثني بأنك مُتلِفي روحي فداك عَرِفت أم لم تعرف، لم أقض حق هواك إن كنت الذي لم أقض فيه أسى ومثلي من يفي، مالي سوى روحي وباذل نفسه في حب من يهواه ليس بمُسرِف، فلئن رضيت بها فقد أسعفتني، ياخيبة المسعى إذا لم تُسعِف"، والجميع يسبح في ملكوت سماوية وعالم أخر مواز خال من الأوجاع والهموم والسياسة ويتهادون يمينا ويسارا على وقع الكلمات والألحان بعيون مغلقة عن كل من حولهم، وآذان مسلطة فقط على القصائد الصوفية المنسابة كالماء العذب الزُلال بأسلوب دارج وكلمات عامية مطعمة بأرقى وأجمل ألوان الشعر الصوفي الفصيح الخارجة من فم سلطان المداحين التهامي الكبير الذي ألهب حماس الجميع وخطف أسماعهم وأفئدتهم وأبصارهم في غمضة عين ومنحها ترياق المحبة المجرد من كل سوء في أقل من ساعتين إنشاد في حضرة الحسين. جنون الأسعار في المولد في المواسم والموالد غالبا ما تقفز الأسعار إلى الضعف ويستغل البائعون تجمهر الناس وحاجتهم للشراء من أجل فرض كلمتهم العليا ووضع أسعارهم الباهظة التي يحققون بها أعلى المكاسب خلال يومين أو ثلاثة على الأكثر، وهذا هو لسان حال سوق "الحمص والحلاوة والمشبك" في محيط الحسين، حيث ارتفعت أسعار الحمص من 5 جنيهات للكيلو لتصل إلى 15 جنيها وكذلك الحلويات التي لم تكن تتعدى ال2 جنيه لتقفز إلى 5 جنيهات طوال يومي المولد، فضلًا عن ألعاب الأطفال والإكسسوارات الحريمي وتسعيرة الجلوس على مقاه "الفيشاوي وخان الخليلي ونجيب محفوظ والحسين"، وكافة الأماكن مكدسة بالزائرين والجميع في حالة زحام على السوق من أجل الشراء والرجوع إلى بيوتهم بنفحات من الحسين. تحرش وحفلة رقص خلف المسجد ووسط كل تلك الروحانيات والحضرة المنصوبة في رحاب الحسين حبًا وعشقًا، يندس البعض بين الحشود المكدسة من أجل أن يتحرش بفتاة أو سيدة تحاول المرور والهروب من الزحام في نشوة الفرحة عبر طابور طويل عريض أمام المنصة الرئيسية المنصوبة لآل التهامي للإنشاد الصوفي، وهو ما كان يواجهه الزائرين بالضرب والتسليم لأفراد الأمن المحيطين بالحديقة المقابلة للمسجد إحاطة السوار بالمعصم. وعلى ناصية الشارع الجانبي الملاصق للمسجد من الناحية الخلفية، كانت تقيم "كافيتريا الدراويش" سهرة أخرى بعيدة تمامًا عن جو الحسين والمولد والشعر الصوفي، حيث يتجمع عدد كبير من الشباب الصعيدي أمام باب المقهى بعد أن أخذت عيونهم سيدة أربعينية في كامل زينتها وأبهى صورتها وشعرها الطويل المنسدل على كامل ظهرها وملابسها الأنيقة، وهي تردد أغنية "أما براوة" بصوت مبحوح يصدر أزيزًا وحشرجة عند نهاية كل مقطع، ولكن أدائها كان مبهرا للحاضرين والمارين على ناصية المقهى حتى سارع صاحبه لطرد من يرفضون الدخول ويعسكرون في الشارع الصغير ليغلقونه أمام العابرين الذين خطفهم رقص المطربة الأربعينية بعيدًا عما تغنيه من كلمات غالبيتهم يحفظونها عن ظهر قلب.