لم يبقَ إلا أيام قليلة ويتم افتتاح قناة السويس الجديدة، أكثر المشروعات القومية إثارة للجدل، فقد كانت السرعة التى طرح بها المشروع والبدء فيه، والوقت المختزَل الذى حُدد لتنفيذه، مثيرة للرعب. وفى ظل الحماس وتعبئة المشاعر الذى مارسته أجهزة الإعلام بكثافة، لم يتوقف أحد ليطرح بعض الأسئلة المتأنية، هل فكرنا فيه جيدا؟ هل نفذناه بدقة بعيدا عن الإهمال المصرى الذى لازَمَ مشروعاتنا القومية؟ هل يمكن أن يغطى تكلفته؟ وهل يمكن أن يمنحنا منطقة حرة ومزدهرة لا يحاصرها الروتين ولا ينهبها الفاسدون؟ أسئلة كلها أصبحت متأخرة، خصوصا وقد تحول المشروع إلى واقع دفع تكلفته الشعب المصرى من ماله الخاص. ولكن القناة تثير رعب أوروبا أيضا، وربما أكثر مما ينبغى، خصوصا بالنسبة إلى علماء البيئة والحياة البحرية، فالمراكز المتخصصة تؤكد أن البحر الأبيض مهدَّد بالغزو من مخلوقات بحرية جديدة، ربما تكون شريرة، قادمة من مياه البحر الأحمر الدافئة، هناك أسماك عالية السُّمّية يمكن أن تظهر فى شِباك الصيادين، وستنتشر أسراب من قناديل البحر التى لا تكفّ عن اللدغ لتحتل شواطئ المتوسط شمالا حتى إيطاليا، وستجد أسماكُ «الكاليمارى السوداء» المتوحشة بذيولها الطويلة الطريقَ مفتوحًا أمامها لترحل من موطنها حول جنوب إفريقيا، وتقوم بالتهام كل أنواع الطحالب التى تستوطن فيها الأنواع الأصلية فى المتوسط، كل هذا إضافة إلى أكثر من 350 نوعا غير شائعة ستقوم بالهجرة من البحر الأحمر عبر قناة السويس الجديدة. على مدى 80 عاما ومنذ إنشاء قناة السويس الأولى فى عام 1869 لم يكن لها أى تأثير على بيئة المتوسط، فقد كانت تمر وسط مسطح مائى شديد الملوحة هو البحيرات المرة، حاجز طبيعى تتوقف عنده هجرة الأنواع المختلفة فتموت أو تعود أدراجها، هذا الحاجز ليس موجودا فى مسار القناة الجديدة لأنها تشق طريقها مباشرة إلى المتوسط، ويرى علماء الاتحاد الأوروبى أنه من الضرورى وضع حواجز سواء طبيعية أو صناعية لوقف هذا الغزو، ويستحضر البعض منهم تجربة أمريكا فى عام 1970، عندما أصبح حوض المسيسيبى قليل الأسماك بسبب التهام الأسماك المتوحشة القادمة من بحيرات شيكاغو، واضطرت أمريكا إلى استيراد كميات من الأسماك الفضية من الصين، وحتى تضمن عدم وصول المخلوقات المتوحشة إلى النهر مرة أخرى وضعت عديدا من المصدات الكهربائية على المجارى والمنافذ المائية فى شيكاغو، ووصلت قوة الشحنة الكهربائية إلى نحو 2000 فولت، وهى كافية لجعل الأسماك المتوحشة تنقلب عائدة، وتستخدم الشحنات الكهربائية فى أماكن عديدة من العالم لمنع الأسماك من دخول أنابيب محطات توليد الطاقة. ولكن كندا تستخدم وسيلة أكثر رفقا لتحمى أسماك السلمون فى مياهها، ففى مقاطعة كوبيك تقوم بصنع ستارة من الفقاقيع، يتم فيها ضخ الهواء تحت ضغط عالٍ من خلال أنابيب بلاستيك تحت الماء، وهذه الستارة كفيلة بإبعاد قناديل البحر لمسافات بعيدة، ويقترح الخبراء وضع ثلاثة أنابيب متصلة بمضخة للهواء فى مدخل القناة الجديدة بتكلفة مليون دولار، ولأن الفقاقيع لن تُوقف كل أنواع المخلوقات، لذا يجب وضع مصابيح تحت الماء ترسل أشعة ساطعة ومكبرات للصوت ترسل أصواتا عالية، تماما كأن هناك ديسكو تحت الماء. إسرائيل أيضا لم تترك الفرصة تمر دون أن تدلى برأيها فى الموضوع، فقد عقدت جامعة تل أبيب ورشة عمل عالمية، واقترح بعض الباحثين خلق منطقة مالحة شبيهة بالبحيرات المرة، تعتمد على ضخ محلول ملحى بشكل مستمر على طول القناة، ولأن كل كيلوجرام من البحر الأحمر يحتوى على 40 جرامًا من الملح، لذلك من الضرورى رفع نسبة الملوحة فى القناة إلى 44 جراما، وسيمنع هذا كائنات البحر من الاقتراب ويقتل الضعيفة منها. لا ترد مصر على هذه الانتقادات إلا عن طريق موظفيها الرسميين، الردود لا تُقنع الغرب، فالاتحاد الأوروبى لا يريد ردًّا من رئيس هيئة قناة السويس، لأنه مجرد ضابط سابق وليس عالما بحريا، ولا يريد تقريرا تقدمه لجنة غير متخصصة هدفها إرضاء المسؤولين، ولن يقنعه النفى القاطع المانع لوزير البيئة بأنه لا يوجد أى تأثير لحفر القناة دون أن يقدم ردا علميا على كل الملاحظات، لا بد من مواجهة الانتقادات بردود علمية، ولا بد من قيام مصر بتقديم تقرير مفصل يرد على أوروبا المرعوبة، لأن هذا يمثل التزامًا من النظام المصرى نحو شعبه ونحو العالم، فنحن لا نعيش بمفردنا، ولا يكفى أن تتهم الغرب بالتهمة الشائعة بأنه دائما يكيل بمكيالين، وأنه يتغاضى عن مشاريع استخراج إسرائيل للغاز التى تلوث المتوسط، ويلقى التهم على مشروع لا يضيف عبئا جديدا على مكونات البيئة. علينا أن نركز على مميزات مشروع القناة وكيف تسهل المرور السريع للسفن مما يختصر مدة الانتظار ويقلل بالتالى من درجة تلوث الماء والهواء، ولن يؤثر هذا على هجرات الطيور إلى المنطقة كما يقول أحد الادعاءات، أما عن وجود قناديل البحر فى المتوسط فهى موجودة بالفعل، وتعانى منها الإسكندرية وغيرها من المدن، والأهم من ذلك أن تعلن مصر استعدادها للتعاون فى أى مشاريع دولية من أجل إنقاذ المتوسط بدلا من هذا النفى القطعى الذى لا يفيد أحدا.