شئنا أم أبينا يظل الشاعر الكبير عبد الرحمن الأبنودي واحدًا من أهم شعراء العامية في تاريخها، اتفقت أو اختلفت معه في أرائه السياسية، يظل قامّة أدبيّة يطمح كل من أمسك بقلم وورقة وكتب شعرا. اشتهر الأبنودي بقدرته على استيعاب كل البشر مهما كان درجة اختلافهم معه، لذا نراه قدم تراثًا شعريًا يفوق ما قدمه العشرات، ونحن نردّ له جزء مما قدمه لنا ونستعيد من رفاق دربه أيام عاشوها معه. النائب العام في ضيافة الأبنودي يقول الأديب الكبير يوسف القعيد متذكرًا يومًا قضاه مع الأبنودي "لا أستطيع تذكر تاريخ اليوم تحديدًا، فقد ذهبت لزيارة الشاعر الكبير ومعي أحمد ابني المقيم في كندا وكان في زيارة إلى مصر، ومعنا السيد محمود طاهر الذي تولى بعد ذلك رئاسة النادي الأهلي، وانضم إلينا المستشار عبدالمجيد محمود النائب العام وقتها". ويضيف القعيد "كان سبب الزيارة هو الاطمئنان على صحة الأبنودي الذي استفاق من أزمة صحية كانت أخف وطئة، وعلى الرغم من عشرتي الطويلة بعبد الرحمن الأبنودي بحكم الصداقة الوطيدة بيننا، والزمالة الأدبية إلا أنني وجدت يومها أبنودي آخر، إنسان بكل ما تحلمه كلمة الإنسانية من معانٍ". واستأنف الروائي المخضرم حديثه قائلا "خصوصية اليوم تأتي من التركيبة الإنسانية التي شهدت الأبنودي عليها، واستيعابه لتلك التركيبة، والتي تعد إحدى أوجه الأبنودي التي لا يعرفها إلا القليل، وهي قدرته على استيعاب البشر باختلافتهم". واستطرد "كما انني أذكر يومها أني عرفت جانبًا جديد في شخصيه المستشار عبد المجيد محمود، وهو اهتمامه البالغ بالثقافة والأدب، وثقافته الواسعة رغم كل مشاغله، وأذكر أيضا أنه كان يستأذن طيلة اليوم بعض الوقت للرد على هاتفه لمتابعة عدد من القضايا والمشاكل الخاصة بعمله، والتي رغم كثرتها إلا أنه أصر على مصاحبتنا في تلك الزيارة". يوم وداع أمل دنقل من جانبه يقول الشاعر الكبير زين العابدين فؤاد، متذكرا يوما قضاه مع الأبنودي "يوم لا يُنسى بأي حال من الأحوال؛ حيث كان الشاعر الراحل أمل دنقل، قد أوصى قبل وفاته أن يصاحب جثمانه من القاهرة إلى مدفنه في الصعيد أشخاص محددين بالاسم وهم عبد الرحمن الأبنودي، والدكتور عبد المحسن طه بدر، والدكتور جابر عصفور، والسيدة منى أنيس، والأديبة والصحفية عبلة الرويني وأنا". وأشار زين العابدين إلى إنه "حينما صاحبنا نعش دنقل رأيت على وجه الأبنودي نفس الحزن الذي رأيته على وجهه ووجه أمل دنقل، حينما رافقنا جثمان صديقنا الراحل الروائي والقاص الكبير يحيى الطاهر عبدالله، الذي وافته المنية إثر حادث سيارة على طريق الواحات، يومها رأيت وفاء الأبنودي لصديق عمره، ورفيق دربه، ويومها أيضا رد الاثنان على الشائعات التي انتشرت حول قطيعة أو جفاء حدث بين الصديقان". قهوة إيزافيتش اما الروائي الكبير بهاء طاهر فتذكر في شجن يومًا رائعا جمعه بالأبنودي، وقال "رغم انقباض قلبي من الحديث عن ذكرياتي مع الأبنودي في هذا التوقيت؛ انتقل الأبنودي إلى الرفيق الأعلى، إلا أنني أتذكر يوما من أيام شبابنا، صحيح أنا أكبر من الأبنودي في السن لكنه كان المقربين إلى، كنا نجلس في شرخ شبابنا على مقهي إيزافيتش في ميدان التحرير". وأضاف طاهر "كان سر اختيارنا لهذا المقهي الذي أنشاته عائلة يوغسلافية جاءت إلى مصر في عصر الملك فاروق، هو أنها كانت صدرًا رحبًا لكل المثقفين من أصحاب الجيوب الفقيرة والطموحات والأحلام الكبيرة، فكنا نجتمع مجموعات أو فرادي في هذا المقهى، حتى جاءت لحظة تجلي وكتب الأبنودي قصيدة يمتدح فيها جرسون القهوة عم جمعة، الذي كان يتعامل معنا كأننا من أفراد أسرته ويصبر على الجيب الفقير؛ وجاء في مطلع القصيدة: عم جمعة جرسون قهوة إيزافيتش الأسمر.. أبو وش يبش يهش ينش الكلمة الوحشة برة العش واحد قهوة للأستاذ سيد ويقيد يا سلام يا سي عبد الرحمن للدنيا لسة جرح صعب محتاج لطبيب ". وأستأنف طاهر حديثه "سمعت القصيدة من عبد الرحمن وتحدثنا فيها وضحكنا طويلا، وعم جمعة شاركنا الأمر، بعدها بفترة نُشرت القصيدة في إحدى الجرائد أو الدوريات الثقافية لا أذكر؛ ولأن عم جمعة كان لا يجيد القراءة والكتابة، فجاءنا يحمل الصحيفة ليجعلنا نقرأ له ما بها فقرأناه". وواصل الأديب الكبير "عم جمعة ملأته الحيرة ومال على أذني متسائلا بهمس يعني يا بيه الموضوع ده حلو ولا وحش، صمتت قليلا قبل أن أجيبه ضاحكا حلو يا عم جمعة ما تخفش". اختتم طاهر قائلا "وقتها عرفت من أين يأتي الأبنودي بكلماته التي تلمس البسطاء والعامة، وتطربهم، ويفهمونها ويحسونها، كان يلتقط بعين الشاعر الماهرة وقلب الإنسان الكبير، النماذج الإنسانية المختلفة التي تحمل من الجمال الإنساني أكثر مما تخفي ويصيغها على طريقته".