لا أعرف ما السبب فى تلك اللا مبالاة الشعبية تجاه أزمة النيل؟! هل مثلا الشعب المصرى بليد إلى درجة أنه لا يكترث بينما يوشك أن يضيع حقه الأبدى فى مياه النيل خلف سد إثيوبيا الإجرامى؟ أم لعله لا يعلم أصلًا؟! أو ربما يعرف لكنه عاجز عن وقف الجريمة؟ هل تراه يمنح الفرصة بصبره المعتاد لرجال دولته الحالية ليرى كيف سيمكنهم حماية حقه فى الحياة؟! وماذا سيفعل إذا اكتشف -بعد صبر- أن من يركن إليهم لحماية حقه فى الوجود ليسوا أهلًا لها؟! هل -وبعد أن عاش آلاف السنين وفى تواطؤ جمعى على الذات- قرر أن ينقرض بهدوء بلا مقاومة؟! فى جميع الأحوال وأيًّا كان التفسير لتلك البلادة الشعبية تجاه أزمة النيل فإننا مقدمون على كارثة وجودية نواجهها ببلادة مذهلة! بينما السد الإجرامى يعلو كل يوم فى الجنوب. إثيوبيا تراقب بسعادة انغماس مصر -نظامًا وشعبًا- فى الوحل الشرقى وتعمل بأقصى طاقتها استغلالا لتلك الفرصة التاريخية كى يكتمل السد الإجرامى، فى الوقت الذى ننشغل فيه نحن ليل نهار بمتابعة مسلسل رخيص عن حرب يشنها مجرمون على شعب اليمن، نراقب باستسلام مهين التفاوض على نصيب جنود مصر فى «صفقات الدم»، حيث يساوم أمراء النفط الخليجى بملياراتهم لشراء حياة جنود بؤساء من باكستان ومصر وغيرهما لحماية عروشهم، الجميع فى مصر تقريبًا غارق فى ذلك الوحل: مؤسسات الدولة من رئيسها إلى خفيرها، إعلامنا الرخيص، معظم من يسمون أنفسهم ثوارًا، الكيانات المسخ المسماة أحزابًا، كل من يتنفس فى هذا البلد، الجميع مشغول بالسعودية وملياراتها وتسعيرة الجندى المصرى فى صفقات العروش والدم.. بينما السد الإجرامى يعلو كل يوم فى الجنوب. وذلك فى وقت لم تعد مصر فيه واثقة تمامًا مَن هو عدوها ومَن هو حليفها، أو لعلها تعرف، لكنها بدلت أدوارهم، فصار العدو حليفًا وصار الحليف عدوًّا! بغض النظر إن كان للطرف الآخر نفس الموقف! مصر تحارب الدواعش فى ليبيا وفى قلب المدن المصرية، لكنها وفى نفس الوقت تساند دواعش اليمن فى حربهم للقضاء على الحوثيين! مصر تميل نظريًّا إلى الحفاظ على سوريا من الانزلاق إلى الفوضى.. لكنها تتحالف مع السعودية التى تقف وراء كل خراب حاق بسوريا! مصر صارت تبدو مطمئنة لإسرائيل، بينما إسرائيل تتربص بنا شرقًا وتوغلت فى إفريقيا جنوبًا، وفى ليبيا غربًا، وتسرق غازنا البحرى شمالًا! مصر تلهث بمذلة وراء قطاع طرق تقيم لهم حفلات أعياد الميلاد، وتمنحهم بسخاء أراضيها التى تحرم منها أبناءها، وهم أنفسهم، قطّاع الطرق، هؤلاء شاركوا فى تمويل سد إثيوبيا الإجرامى الذى يعلو كل يوم فى الجنوب. لا الحكومة تبدو فى موقفٍ قوى يطمئننا أو يحترم حقنا فى المعلومات، ولا الجمهور يلقى بالًا لمن يحاول أن يقول للمصريين: أفيقوا فالنيل يُسرق منكم! منذ أسابيع قليلة كانت هناك مجموعة من الشباب الواعين، وبعضهم متخصص كباحث فى أمور المياه واتفاقيات الأنهار الدولية وألاعيب الرأسمالية العالمية.. بدؤوا حملة شعبية للدفاع عن النيل، ونظموا عدة وقفات على كوبرى أكتوبر.. فقط ليقولوا للناس أفيقوا، تعرض بعضهم لمضايقات من الشرطة تحت سمع وبصر المارة، دون أن يهتز لهؤلاء المارة جفن! إلى هذا الحد هيمن على العقول إعلام الرأسماليين لتبدو مصر وكأنها تنشغل بكل شىء إلا مياه النيل؟! باختصار لا بد أن نواجه أنفسنا بعدة أسئلة، أولا: ماذا نفعل كى نجبر الحكومة على احترام حقنا فى المعلومات بخصوص قضية مياه النيل؟ ثانيًا: كيف نساند الحملة الشعبية للدفاع عن النيل بعيدًا عن المسار الحكومى فتنتشر انتشارًا يجعلها قضية المصريين الأولى وهى كذلك فعلًا رغم هذا التغييب الإجرامى؟ ثالثًا: كيف يتكون لدينا برنامجٌ شاملٌ تعليمى وثقافى بخصوص النيل يتم نشره بين كل فئات المجتمع بكل الوسائل؟ ومتى سيكون لدينا برنامج إعلامى للمتابعة اليومية ساعة بساعة للتطورات فى مساعى مصر إن وُجدت لحفظ حقها فى النيل؟ رابعًا: كيف تتكون لدينا بعيدًا عن الحكومة جبهة من كل الأحزاب ومؤسسات المجتمع المدنى فتلك قضية الجميع.. ترفع شعار: حماية النيل أهم من حماية الخليج بل أهم من أى شىءٍ آخر.. وتتحرك دوليا لتعريف العالم -وليس استجداءه- بأن حق المصريين فى النيل هو حقٌ دونه القتال؟ وأخيرًا لماذا نتحاشى بهذه الذلة الكلام عن الخيارات الأخرى غير خيار التفاوض؟! إن حرمنى أحدٌ فى هذا العالم من حقى المطلق فى مياه النيل فليس أمامى من خيارٍ آخر سوى قتاله وبكل الطرق، هذا ما يجب أن يعرفه العالم. لا وسيلة أخرى، محطات تحلية أو غيرها، يمكن أن تغنينا إذا شح النيل، قالها الشاعر على محمود طه عن النيل: أخى إن جفاك النهرُ أو جفَّ نبعُه مشى الموتُ فى زَهرى وقصف عودى حياتك فى الوادى حياتى فإنما وجودك فى هذى الحياة وجودى!