قبل دخولى أحد المطاعم الإيطالية فى القاهرة الجديدة سألتُ المدير «وده أكل إيطالى بجد ولّا حركات؟»، فردّ «لا يا فندم ده إيطالى بجد، ده إحنا حتى بنستورد المكرونة من إيطاليا وجميع الإضافات والخامات الأخرى»، فتعجبتُ وقلتُ له «أريد أن آكل طعامًا بنكهة إيطالية، لكن ليس لدرجة مكرونة مستوردة من إيطاليا»، فلا أدرى لماذا تجاهَل ما قلت، واعتبره من باب الضحك، وأكد لى أن جميع ما لديهم مستوردٌ من إيطاليا! طبعًا أنا كمان عملت فيها برنس ودخلت كلت. عند سرد هذه الحكاية أمام أمِّى بغرض «الفضفضة والضحك، لأن شرّ البلية ما يُضحك»، أسرَعَت أُمّى قائلة: فعلًا المكرونة المصرى ليست ذات جودة عالية، واستطردت قائلة: أمَّال إحنا بنجيب الإيطالى ليه فى البيت؟ فتيقَّنت أننى برنس فعلًا، ولا آكل غير مكرونة صناعة إيطالية! الأَمَرُّ من هذا، فقط اذهبْ إلى أحد المطاعم المتخصصة فى وجبة الفطار الكونتينينتل، ستدفع مبلغًا وقدره بعد أكل «كرواسون» وشرب فنجان قهوة! لماذا؟ أصل إحنا بنستورد عجينة الكرواسون من فرنسا! وقبل أن يلومنى أحد ويقول إن المكرونة وعجينة الكرواسون تحتاجان إلى صناعة ولا دخل للزراعة فيهما! وهذا كلام يبدو صحيحًا، لكن المشكلة فى الأصل هى الزراعة، لأن مثل هذه الصناعات الغذائية تحتاج إلى محاصيل زراعية جيدة أولًا! فهذا ليس بمقال طبقى خاص بطعام الناس «الهاى ليف»، إحنا بنستورد الثوم من الصين، إن كنت لا تعلم! والأدهى هو استيراد بعض من منتجاتنا الزراعية من العدو الصهيونى (آه يا بلد.. عَلَى رأى الشيخ حسونة)! لم نتعلّم من أبو سويلم فى فيلم «الأرض» عندما قال إن الأرض لو عطشانة نرويها بدمانا! الكلام ده أصبح بلدى الآن، فهذا زمن ولَّى خلاص، بعد أن طوَّر المصرى الجديد من نفسه، وترك الأرض وتفرَّغ للاستيراد فقط! خلِّى بالك، هذا طبيعى ومنطقى بعد أن هجر الفلاح الأرض، وذهب إلى دول البترول للعمل. المهم الآن، هو علاقة هذا الموضوع وارتباطه الشديد بالأحداث الجارية، فهذا هو لُبّ التنمية الاقتصادية التى يتكلّم عنها كثير الآن! التنمية الاقتصادية فى بلد مثل بلدنا لا بد أن ترتبط ارتباطًا كليًّا أو جزئيًّا بالزراعة أو الصناعة، أما بخلاف هذا فلا يعدّ تنمية أو استثمارًا حقيقيًّا مستدامًا ومنتظمًا، وإنما مجرد مسكن اقتصادى! هبسطهالك، الاستثمارات العربية فى المراكز التجارية، وعلى سبيل المثال لا الحصر مول العرب ومول مصر ومول سيتى ستارز، لا تضمن تنمية مستدامة للمجتمع، نظرًا لاعتمادها على النمط الاستهلاكى فقط الذى يعتمد على بيع مختلف المنتجات التى هى فى المعظم مستوردة، ولهذا هى لا تساعد على ارتفاع معدل النمو وخلق فرص استثمارات جديدة، ومن ثمّ محاربة الفقر والبطالة بصورة حقيقية! وفى الختام، هو مافيش كام مليون من بتوع المؤتمر لعمل مصانع لتصنيع مكرونة ذات جودة عالية، بدلًا من استيرادها لتوفير العملة الصعبة ولتحقيق أهداف التنمية المستدامة؟