أعرب الرئيس عبدالفتاح السيسي، في بداية كلمته بمؤتمر دافوس الاقتصادي، عن شكره للبروفيسور كلاوس شواب لما تُمَثله دعوته للحديث إليكم من تقدير لمصر وللمصريين. وعبّر الرئيس عن اعتزازه بالانتماء إلى بلد ساهم عبر التاريخ في بناء الحضارة الإنسانية، ولايزال يواصل العطاء للبشرية بفضل ما منحه الخالق من هبات، في مقدمتها شعب مصر الذي لا تزيده المصاعب إلا عزمًا وتصميمًا على اجتيازها، ولا تمنعه التحديات الجسيمة عن خوض غمارها، والخروج منها مُكللاً بالنصر ومتواضعًا في فخر. وأوضح الرئيس أن الصعاب والتحديات التي أشير إليها ليست مجازية أو من قبيل المبالغة، لكنها حاضرة وضاغطة على كاهل الشعب المصري، الذي يُواجهها بكل شجاعة، بل أزيد إنها لم ولن تمنعه يومًا من أن يطمح في ذات الوقت إلى مستقبل أفضل، لذاته ولأمته العربية وللعالم ككل. وأكد السيسي أن التاريخ القريب يشهد على قدرة وحكمة ووعي شعب مصر الذي أزال حكم الفرد عندما تجاوز الشرعية، ولم يتردد في نزع الشرعية ذاتها عمن أرادوا أن يستأثروا بها وأن يسخروها لتطويع الهوية المصرية، وللانحراف بها عن سماتها التاريخية من تنوع وإبداع وانفتاح على العالم. وأشار الرئيس إلى ضرورة التعويل على وعي الشعوب والإنصات لصوتها، فتلك الملايين التي فاجأت العالم في ميادين فرنسا بالأمس القريب، إنما هي امتدادٌ للملايين التي فاضت بها ساحات مصر منذ عام ونصف تقريبًا، إن المعركة واحدة ونفس الإرهاب يُحاربنا لفرض رؤيته، لأنه يرى فينا جميعًا نقيضه دون تفرقة على أساس العرق أو الديانة، فالدماء التي يريقها الإرهابيون في مصر والعراق وسوريا وليبيا وفي نيجيريا ومالي وكندا وفرنسا ولبنان، كلها نفس اللون. وطالب الرئيس بضرورة تتضافر جهودنا جميعًا للقضاء على تلك الآفة أينما وجدت، من خلال التعامل الشامل مع كافة مكوناتها ولو اختلفت مسمياتها، وأن نتصدى لها بالتعامل الواعي مع الاعتبارات السياسية التي أفردت لها مساحة للنفاذ إلى مجتمعاتنا بالإضافة إلى تعاوننا فكريًا وثقافيًا وأمنيًا، فضلًا عن تكثيف تبادل المعلومات بيننا، وحرمان المنظمات الإرهابية من استغلال أدوات التواصل الاجتماعي وشبكة المعلومات لنشر دعوات الكراهية ولاستقطاب البعض بدعاوى دينية مغلوطة تستغل حسن النوايا وبعض العناصر المحبطة. وأكد الرئيس، وبكل حسم، على أنه لا ينبغي أن يؤخذ الإسلام السمح بقيمه السامية وأكثر من مليار مسلم بحفنة من المجرمين القتلة، فإنه يتعين علينا أيضًا كمسلمين أن نُصلح من أنفسنا، وأن نُراجع ذاتنا، لكي لا نسمح لقلة بتشويه تاريخنا وبالإساءة إلى حاضرنا وتهديد مستقبلنا بناءً على فهمٍ خاطئ وانطلاقًا من تفسيرٍ قاصر، كما أن علينا كعالم متحضر، وبنفس قدر تطابق رؤية شعوبنا لمصلحتها في القضاء على ما يمثله الإرهاب من تهديد، أن نتحلى بالاحترام والتقدير المتبادل لتنوع معتقداتنا ومقدساتنا، وأن نترفع عن الانزلاق نحو التشاحن والإيذاء الذى يستغله المغرضون للترويج لأهدافهم الشريرة وللإيحاء بوجود فجوة وصراع حتمى فيما بيننا. وأوضح الرئيس السيسي، أن مصر انطلقت لتحقيق تلك الرؤية من تعزيز الثقة في الأداء الاقتصادي المصري، وفي قدرة الحكومة والتزامها بتطبيق سياسات وبرامج تهدف إلى تحقيق التنمية الشاملة والمستدامة، واستمرارها في التصدي للمشاكل الهيكلية، التي طالما عانى منها الاقتصاد. وتتمحور هذه الآليات في تحقيق سياسة مالية ونقدية رشيدة من خلال خفض عبء عجز الموازنة العامة واتخاذ خطوات جريئة لخفض الدعم المقدم لقطاع الطاقة تدريجيًا لحماية محدودي الدخل والفئات الأكثر احتياجًا، وتحسين أداء النظام الضريبي، وخفض نسبة عجز الموازنة والدين العام إلى إجمالي الناتج المحلي، وبالتوازي مع ذلك، يتم اتباع سياسة نقدية تلتزم بتخفيض معدلات التضخم. وأضاف أن من بين هذه المحاور، معالجة كافة العقبات التي طالما أعاقت استثمارات القطاع الخاص، وتسوية النزاعات القائمة بين الدولة والمستثمرين المحليين والأجانب، فضلًا عن طرح قوانين تضمن فرصًا متكافئة لجميع المستثمرين وتُعزز الشفافية والعدالة وتطبيق القانون لاسيما فيما يتعلق بالمنافسة والتمويل الصغير، وإعداد قانون الاستثمار الموحد وتبسيط الإجراءات من خلال تطبيق نظام الشباك الواحد، وهي عملية مستمرة تهدف لإرساء بيئة استثمارية جاذبة ومتميزة تسهم في التنمية الشاملة للارتقاء بمعدل النمو إلى 7٪ وخفض معدل البطالة إلى 10٪ بحلول عام 2020. وقال السيسي، إن التعامل مع الآثار الاقتصادية والاجتماعية السلبية الناتجة عن سياسات الإصلاح الاقتصادي من خلال العمل على تحقيق التنمية الشاملة والمستدامة والعدالة الاجتماعية، لتحقيق ذلك، نسعى لتوفير مزيد من فرص العمل، باعتبارها حقًا لا ينبغى التغاضي عنه، من خلال التوسع في المشروعات الصغيرة والمتوسطة مع توجيه اهتمام خاص للشباب والمرأة، وزيادة المخصصات المالية لقطاعي الصحة والتعليم والبحث العلمي لتصل إلى 10٪ من الناتج المحلي. وأوضح أن تحسين وتطوير البنية الأساسية في قطاعات النقل والمواصلات من خلال توفير المزيد من المخصصات للاستثمار في هذه المجالات، على أن يتم تمويل شق منها عن طريق الموازنة العامة للدولة، وشق آخر من خلال التعاون مع شركاء التنمية وحث الصناديق السيادية على الاستثمار فيها، بالإضافة إلى تطوير آليات المشاركة بين القطاعين العام والخاص لتخفيف عبء تمويل مشروعات البنية الأساسية وتحقيق المشاركة المجتمعية في بناء مصر المستقبل. وأضاف أن من محاور الإصلاح الاقتصادي، تحقيق الإصلاح المؤسسي من خلال تعديل القوانين المنظمة للعلاقة بين الحكومة والقطاع الخاص، وقوانين مكافحة الفساد، وإعادة هيكلة نظام المعاشات. وأكد الرئيس، أن مصر حريصة على الانفتاح على العالم، والمساهمة في إيجاد حلول للتحديات المشتركة التي تواجهنا جميعًا، كما تحرص على تنفيذ التزاماتها التعاقدية والاتفاقيات التي انضمت إليها، والاستمرار في التعاون المثمر وتوسيع قاعدة علاقاتها الاقتصادية مع كافة الشركاء الدوليين، وهذا الحرص ينبع من إدراك حقيقي بأنه لا يمكن لأي طرف أن يحقق أهدافه الوطنية في عزلة عن العالم، إنما في المقابل، على العالم بدوره التكاتف لتهيئة الظروف المناسبة التي تكفل لكل الأطراف الاستفادة الحقيقية من الاندماج في الاقتصاد العالمي.