من منا لا يتذكر الأغنية الشهيرة الخاصة بمقدمة مسلسل "حديث الصباح والمساء" حيث تقول أنغام بصوتها الشجي، "تلقى حكايات البشر فيها عبير العبر"، هكذا فإننا لا نعود إلى التاريخ فقط كي نحكي "الحواديت" بل لنعطف الماضي على الحاضر ونستخلص "العبر". التاريخ لا يتوقف عن إبهارنا ربما لأننا ننسى سريعًا، ولكن علينا دائمًا أن نتذكر دروسه وأحداثه. فلا توجد إمبراطورية علت واكتسحت الأرض إلا وجاء وقت لتندثر وتمرض ثم تتضاءل، وهكذا فإننا اليوم 21 نوفمبر نتذكر درسًا قدمه التاريخ عن سقوط مملكة عظيمة كانت يومًا جزءًا من إمبراطورية ضخمة ومتشعبة.. إنها "إشبيلية". في البداية كان اسمها "هيسباليس" البداية الأولى لذكر إشبيلية في التاريخ كانت كمدينة تحت الحكم الروماني تدعى "هيسباليس"، إلى أن وقعت في يد ال"قوط" الذين سيطروا على أغلب المدن الرومانية في شبه جزيرة "إيبيريا" التي عرفت ب"الأندلس". ففي الوقت الذي دخلت فيه الجيوش الإسلامية إلى "شبة جزيرة إيبيريا" لفتحها، استطاع موسى بن نصير أن يفتح "هيسباليس" عام 713م، لتتحول المدينة بعد تحريف اسمها إلى "إشبيلية". من الفتح حتى ملوك الطوائف تدرجت إشبيلية من حكم "بن نصير" إلى حكم ولده، تحت ظل الدولة الأموية التي حكمت الشرق والغرب في ذلك الوقت، إلى أن سقطت لتحل محلها الدولة العباسية في الشرق، ولكن الغرب بقى تحت الحكم الأموي بعد أن استطاع عبدالرحمن الداخل أن يوحّد بلاد الأندلس المتناحرة في ذلك الوقت، تحت حكم قوي واحد، وهكذا نشأت الدولة الأموية في الأندلس بأول خلفائها عبد الرحمن الداخل، ومن ضمنها مدينة إشبيلية، إحدى أهم وأكبر المدن بعد قرطبة العاصمة. استمرت إشبيلية جزءًا من الدولة القوية في الأندلس والتي يحكمها خلفاء عظام، كان آخرهم الحكم المستنصر بالله، لتنتهي معه الخلافة الأموية فعلاً، وبقت اسمًا بعد تولي ولده هشام المؤيد بالله الخلافة، إلا أن حاجبه محمد بن أي عامر "المنصور"، قام بحجبه وتهميشه ليقيم الدولة العامرية، التي بلغت بها الأندلس القمة، ووصلت أطرافها لقلب أوربا، لكن بموت المنصور، وتولي ولده المظفر، بدأت الدولة في التراجع حتى تولى عبدالرحمن شنجول حجابة الدولة، وتنتهي الدولة على يده فتبدأ في الدخول بعصر من التنازع والاقتتال، وتتفكك أركانها فيحصل كل قائد قوي على مدينة ما، ليعلن دولته منها، وتتحول الأندلس إلى الطائفية حيث يبدأ عصر "دول الطوائف"، وكانت من ضمن المدن الموزعة بكل تأكيد "إشبيلية". إشبيلية المعتضد بن عباد بعد أن بدأ عصر "دول الطوائف" في الأندلس، قام القاضي "عباد" ومعه قضاة الجماعة في إشبيلية، باعتبار أنفسهم ملوك المدينة عام 1023م، مؤكدين بدء عهدهم بأنهم يحفظونها حتى يظهر خليفة أموي له الحق في الأندلس، فيعيدون له ملك آبائه، وفق لما أعلنوه، إلا أنه بعد وفاة عباد انفرد المعتضد بالحكم حتى دون شركائهم من قضاة الجماعة، ليقيم دولة "بني عباد"، ويليه في الحكم ولده "المعتمد"، لتتوسع إشبيلية وتتحول لأكبر تجمع من "دول الطوائف" في الأندلس فيدخل تحت طاعة بنو عباد "قرطبة، والجزيرة الخضراء، وأركش، ومورور، ومرسية، ولبلة، وروندا، وولبة، وشلطيش، وشنتمريه، وشِلب". وامتد نفوذ إشبيلية ليشمل الجزء الأكبر من الأندلس، ليصبح المعتمد بن عباد، أكبر ملوك الأندلس، وأقدم على خطوة جريئة بالتحالف مع بعض ملوك المدن الأندلسية الأخرى، كما تحالف مع المرابطين القادمين من المغرب بقيادة يوسف بن تاشفين للوقوف في وجه ألفونسو السادس ملك قشتالة، والانتصار عليه في معركة الزلاقة الشهيرة، التي أخرت أفول نجم الأندلس لعدد من القرون. ورغم الانتصار الحقيقي الذي تسبب به التحالف بين ملوك الطوائف المختلفين وبين المرابطين، فإن القلق من طمع المرابطين في إشبيليه جعل المعتمد يتحالف مع عدوه السابق ألفونسو السادس رغبة في صد خطر المرابطين، وهو ما عجّل بهجوم المرابطين على إشبيلية والمدن التابعة لها، لتنتهي دولة الطوائف ودولة "بنو عباد"، ويبدأ حكم المرابطين في عام 1091م. إشبيلية بين تنازع المرابطين والموحدين "تنازع أصحاب الوحدة الواحدة تذهب ريحهم"، بعد فترة التخبط التي تلت سقوط الدولة العامرية، كانت الزلاقة هي أول انتصارات الأندلس، ولكن الصراع الداخلي بين أبناء الثقافة الواحدة، وخوف كل منهم على أن يطمع الآخر فيما لديه أدى إلى عدم استغلال الانتصار وضياع الدولة. فالمرابطون يرون في ملوك الطوائف مجموعة من "الفسقة" "المنحليين" "المتخاذلين" على الرغم من بلاء بعضهم في الزلاقة. وملوك الطوائف يخافون ازدهار دولة المرابطين، وقد أصبح حلفاء الغد هم الخطر الذي يهدد ممالكهم، هكذا كان الحل الأسهل هو التحالف مع العدو، ما أدى لتناحر العرب، فيقاتل المرابطون ملوك الطوائف لتنهزم الأخيرة. وهكذا استقرت "إشبيلية" في يد المرابطين ليحكمها سير بن أبي بكر، وإن كانت دولتهم الفتية تميزت بالعدل والتقوى في عصرها الأول على يد يوسف بن تاشفين إلا أن التاريخ كالعادة يلعب لعبته لتبدأ الدولة في التزعزع بعده، إلا أن دولة المرابطين بقيت قوية ما يكفي لأكثر من 65 عامًا، حتى ظهرت في الأفق دولة الموحدين. إشبيلية عاصمة الأندلس تقاتل الموحدون الذين يطمعون في الدولة التي بدأت تضعف، والمرابطون الذين فقدوا دولتهم وهي في أشدها، لتسقط "إشبيلية" في يد الموحدين ويحكمها برّاز بن محمد المسوفي، والذي جعل من إشبيلة عاصمة الأندلس للمرة الأولى بعد أن كان هذا الشرف موزع بين طليطلة في العصر القوطي، وقرطبة في العصر الأموي. وكعادة الدول وصلت الدولة الموحدية لأوجها في عهد أبو يوسف يعقوب "المنصور"، والذي انطلق من إشبيلية ذاتها ليخوض معركة من أشهر معارك الأندلس وهي معركة "الآرك" ويفوز فيها. كما شهدت إشبيلية عصر ذهبي، انتهى بوفاته وتولى ابنه محمد الناصر، الذي هُزم شر هزيمة في موقعة "حصن العقاب" ليكون الآذن ببدء ضياع الدولة الموحدية، التي تحولت هي الآخرى إلى شذرات في بعض الدول. إشبيلية تتبع تونس كان من نصيب أبو عمرو بن الجد، أن يقتنص إشبيلية من بين أيدي دولة الموحدين المشتتة، ليُدخلها في طاعة الدولة الحفصية في تونس، ولحمايتها من الموحدين يخطأ نفس خطأ من سبقوه، فيتحالف مع العدو، الملك الشهير فردناندو الثالث، ملك قشتالة. في هذا الوقت كانت الأندلس تتهاوى مملكة بعد الأخرى في يد الملِكين فردنادو وإيزابيلا، ولم يبقى تقريبًا من الدول الكبرى إلا إشبيلية وغرناطة، ورغم تحالف ابن الجد مع القشتالين إلا أن بعض المنتمين للدولة الموحدية استطاعوا الانقلاب عليه، وهو ما أعطى فردناندو العذر الكافي للتوجه لحصار إشبيلية. 15 شهرًا من الحصار بمساعدة ملك عربي حاصرت قوات قشتالة إشبيلية، وقد ساعدها في ذلك بنو الأحمر، حكام غرناطة، متعللين بوجود معاهدة بينهم وبين فردناندو تجبرهم على ذلك، وقد ساعدوا في تسليم الحصون والقلاع التي عملت كخط دفاع أول عن "إشبيلية"، ثم ساعدوا في حصار المدينة نفسها لمدة 15 شهرًا كاملة. سقوط إشبيلية بعد انقطاع الموارد والطعام عن إشبيلية بسبب الحصار، عرض زعماء المدينة على فردناندو تسليم ثلثها، ولكنه تساءل عما يدعوه لذلك، وهو المنتصر، فطلبوا منه تسليم نصف المدينة، فرفض أيضًا مصرًا على استرداد المدينة كاملة، مؤكدًا قدرته على استكمال الحصار وأخذها كاملة بالقوة. وفي 21 نوفمبر 1248م، وقّع أهل إشبيلية معاهدة تسليم مع الملك القشتالي، تقضي بحفظ حياتهم وأموالهم، مع قيامهم بتسليمه البلد كاملة، وأعطائهم شهرًا ليخروجوا منها، وهنا رفع فردناندو علمه فوق الحصن والقصر بالمدينة. وباع أهل إشبيلية كل ما يملكونه، وخرج ما يقرب من 400 ألف مواطن إشبيلي من المدينة المستسلمة، ليدخلها فردناندو منتصرًا بعد شهر في 22 ديسمبر 1248م، وتنتهي المدينة التي عاشت 550 عامًا تقريبًا ضمن الدولة الإسلامية العربية، ليتغير اسمها للمرة الثانية إلى سيفييا وتصبح الآن جزء من إسبانيا. ظلت إشبيلية تتنقل من يد إلى أخرى مثل كثير من الدول، تتعرض للمؤامرات والتحالفات، وتقع تحت يد من يرفعها مرة، ومن يحط من قدرها مرات، من يجيد عقد التحالفات والسياسة مرة ومن لا يعرف كيف يعقد اتفاقية مرات، من يستطيع حمايتها مرة ومن يتركها لتسقط في يد غيره مرات.. ومع المؤامرات والفتن كانت في الأندلس دولة أخرى وأخيرة تستعد هي الأخرى لأن تسقط، كانت غرناطة تستعد لتتخذ لقب آخر ممالك الأندلس.