والحكاية تبدأ حين دعانى أحد أصدقائى -سامحه الله- إلى لقاء فى كافيه فخم فى إحدى المناطق الراقية.. كنت وقتها حديث عهد بالقاهرة قادما من الريف، ونويت بكرمى المعهود أن تكون المشاريب على حسابى. كانت أولى مفاجآت اللقاء أنه طلب لى عصير بطيخ.. كدت أن أغضب وأنبهه إلى أننى لست ساذجا إلى هذه الدرجة، فعصير البطيخ عندنا دلالة على السذاجة والغباء، ويقولون «الواد ضحك على الزبون وشرَّبه ميّة البطيخ».. ولولا أننى لمحت الجد فى كلامه لانصرفت.. إذن يوجد عصير للبطيخ! دى حاجة حلوة خالص.. شربنا وعرضت أن أدفع حساب «مية البطيخ» كما فى قائمة الأسعار فرفض موضحا «مش ممكن.. أصلهم عارفينى.. وهنا مينيمم تشارج». سألته متعجبا: مينيمم تشارج، يعنى إيه يعنى؟ سبيل؟ وقف لله تعالى؟ مائدة رحمن بس على عصير؟ أجابنى: «يا عم لأ.. يعنى فيه حد أدنى لازم تدفعه.. وهنا المينيمم تشارج خمسة وسبعين جنيه». انهارت مقاومتى فى الإسراع فى دفع الحساب.. جلست مهزوما على المقعد مرة ثانية كطالب ثانوية حصل على ثمانية وتسعين بالمئة ولم يلحق كلية الطب.. أمسكت قائمة المشروبات والمأكولات فى لهفة وأنا أبحث عن أى شىء يكمل الخمسة والسبعين جنيها.. ما دام كده كده دافع آخد حقى بقى.. لم أجد فى القائمة ما يتناسب مع باقى الخمسة والسبعين جنيها سوى مياه معدنية وبطاطس «صوابع»، ويدعونها فى بلاد الفرنجة «فارم فريتس». لم يشغل بالى فى أثناء عودتى من هذا اللقاء سوى منظر أبى الطيب لو علم عن طريق الوشاية أن ابنه العاق قد شرب كوبا من عصير البطيخ بخمسة وسبعين جنيها.. أغلب الظن أنه سيحرمنى من الميراث لو وُجِد، لأن القاهريين شرَّبونى مَيَّة البطيخ كما باعوا التروماى من قبل لزميل قديم!