والعملية العسكرية التى تشنها قوات الاحتلال على قطاع غزة ستنتهى كما انتهت غيرها.. المسألة مسألة وقت. إسرائيل التى بدأت توغّلًا بريًّا فى القطاع فقدت أول جندى لها، ربما تفقد جنديًّا آخر أو أكثر، وتجد نفسها تواجه رأىًا عامًّا غاضبًا يعتقد أن الخسائر على تواضعها «رقميًّا» فادحة جدًّا. هذا الاجتياح البرى قد يكون مؤشرًا على قرب نهاية هذه الحرب ونهاية معاناة القطاع، وربما خروج حركة حماس الحاكمة هناك منتصرة «سياسيًّا»، رغم تكبّدها وتسببها فى تكبيد القطاع خسائر كبيرة سواء فى الأرواح أو فى البنى التحتية. لم يكن هناك أمل أمام حركة حماس سوى أن يبدأ جيش العدوان هجومه البرى، حتى تتمكَّن من أخذ فرصتها بدخول مواجهة حقيقية ومباشرة مع الجيش الإسرائيلى، وهى على يقين من قدرتها على تكبيد هذا الجيش المعتدى «خسائر ما»، هى تعلم أنها بمقاييس الحرب التقليدية ستكون خسائر طفيفة، لكن سيكولوجية المجتمع الإسرائيلى داخليًّا ستجعل منها خسائر موجعة. وقف إطلاق النار ربما يكون قريبًا تحت ضغط الخسائر الإسرائيلية فقط، ربما تُرفع عناوين عن الضحايا فى غزة، لكن المؤكَّد أن الأطراف الدولية التى منحت إسرائيل الضوء الأخضر، وأعلنت تفهمها لأسطورة «دفاعها عن نفسها» لا تكترث بالضحايا الفلسطينيين ولن تكترث، لكنها ستسارع فى اللحظة المناسبة وفق بيان الخسائر الإسرائيلية، أو استنفاد أغراض نتنياهو من الهجوم لفرض وقف إطلاق النار. ستنتهى الحرب، فهل ستحقِّق أهدافها؟ مبدئيًّا، إسرائيل لا تفكِّر ولا تنوى ولا ترغب ولا تحاول إسقاط حكم حماس فى القطاع، هذا تصريح واضح ومباشر من الجيش الإسرائيلى، تعززه سوابق فى الحروب السابقة، وهى لا تريد قطعًا إعادة احتلال القطاع بشكل كامل، ووضع جنودها من جديد فى محيط الاحتكاك المباشر مع مليونَين من الفلسطينيين الكارهين، وفى مرمى عمليات المقاومة المباشرة. أولًا، هى مستفيدة سياسيًّا من حكم حماس للقطاع بمعزل عن السلطة الفلسطينية، وما تسببه من تجميد لكل التزاماتها الدولية بشأن عملية السلام وتسمح لها بالادعاء بأنها لا تجد طرفًا فلسطينيًّا تتفاوض معه، وهو ما يفسّره انزعاجها من المصالحة الأخيرة ومحاولات تشكيل حكومة وحدة وطنية، وثانيًا هى تعتقد أن فاتورة حصار القطاع دون احتلال مباشر أقل بكثير جدًّا من التورّط المباشر فيه، ومع فرض تهدئة كتلك التى جرت فى 2012 برعاية محمد مرسى يمكن تشغيل حماس نفسها شرطيًّا لحماية إسرائيل من القصف أو الصواريخ الخارجة من جماعات وقوى متطرفة داخل القطاع لا تعترف بالتسويات مع حماس، وأخيرًا استنفاد قوة حماس ذاتها ورصيدها من الصواريخ، واكتشاف ما ضمَّته مؤخرًا إلى منظومة تسليحها وتدمير أنفاقها وبنيتها العسكرية التحتية، لإبقائها كقط مخيف تتذرَّع بالفزغ منه، لكنه بلا أنياب مخيفة حقًّا. حماس كذلك لا تضع هزيمة إسرائيل هدفًا أمامها، لأنها تعرف أنه من غير المنطقى إلحاق هزيمة عسكرية واضحة بجيش الاحتلال مع اختلال توازن القوى، لكنها ترغب فى إحداث ضرر واضح بها، يجعل تل أبيب مضطرّة للتفاهم معها على صيغة جديدة تستطيع استثمارها سياسيًّا باعتبارها انتصارًا يعزِّز استمرار حكمها للقطاع حتى ولو تحت الوصاية الإسرائيلية، لاحظ أن حماس حين شكَّلت الحكومة الفلسطينية المنتخبة وافقت على حدود 67، ومن ثَمَّ اعترفت بوجود إسرائيل. لماذا يتحاربان إذن؟ إذا كان كل طرف لا يرمى إلى هزيمة الآخر، هزيمة واضحة، يتغيَّر من خلالها أى واقع سياسى. وما قيمة الحرب إذا كان الوضع سيعود عاجلًا أم آجلًا لما كان عليه قبل نشوبها؟ ستنتهى الحرب كما انتهت غيرها، ولن نذكر لها أى تأثير على مستوى السياسة أو الجغرافيا، سوى رقم الشهداء فقط. هذه حرب قديمة تتشابه مع سابقاتها فى كل شىء، ولن تكون لها نتائج جديدة عن غيرها.